Home
انت هنا : الرئيسية » زوايا » ثقافة وادب » روايات النساء حول هزيمة 1967: عائشة نعيم وسلاح التنظيم ..بقلم :د. فيحاء عبد الهادي

روايات النساء حول هزيمة 1967: عائشة نعيم وسلاح التنظيم ..بقلم :د. فيحاء عبد الهادي


“الـ 67، أكتر من كارثة وأكثر من نكسة؛ بَعتبرها وصمة عار على جبين الجيوش العربية؛ لإنه ما كان ينقصنا لا الإمكانيات ولا العزيمة؛ بس الخيانة في كل زمان ومكان هي اللي مضيّعانا.
كنت من الناس اللي شاركوا بالحرب وعايشوها. كنا نسمع بالأخبار شي ونشوف على أرض الواقع شي، مثلاً كنا نسمع إنه جيشنا اجتاح؛ بالواقع لقينا الجيش الإسرائيلي احتل قريتنا: بيت حانون. اضطرّوا أهل القرية يتركوا بيوتهم، ويهربوا على بيت لاهيا. قعدنا في البيارات، المنظر كان بوجّع القلب! الجيش المصري هربان وحامل أسلحته! فما كان منا إلاّ نحتضنهم، ونلبِّسهم ملابس مدنية، ونخزّن الأسلحة، أنا وعدد كبير من الشباب الفلسطينية. كان هاد غريب بالنسبة لأهل قريتي وأهلي خاصةً، إنه شو هاد؟! بتشتغلي بين الزلام؟!
هالشغلة عملت مشاكل كبيرة جداً إلي ولعيلتي، نظرتهم للمرأة ثابتة، المرأة داخل البيت، وأنا بنظرهم تعدّيت العادات والتقاليد. إحنا بهذي الفترة شو عملنا؟ كانت مجموعة من الشباب الفلسطينية، وكان معنا شباب من فدائية “مصطفى حافظ”؛ فنظَّمنا هالشباب، وصرنا نجمعهم، ونهرِّبهم عن طريق الأردن؛ لأنهم يا بموتوا يا بيقعوا بالأسر.
كانت معنا نساء قدوة نتعلم منهن، مثل: “رمزية الخطيب”، وأختها “رشدية”، درَّسونا لغة عربية. “رمزية” كان اسمها الحركي “روضة”، كانت تفرّ من بيت لبيت بالقرى، تحاول توعّي النساء. بهاي الفترة ما كان فيه لا أحزاب سياسية، ولا تنظيمات مسلحة، فيه كان عِنّا قوميين عرب، كان عنا بالـ 67 فدائية “مصطفى حافظ”، اللي بتعمل عمليات.
كنت صديقة حميمة للجميع، أبوي كان يشتغل بأرض لعمي، على الحدود بالضبط، منطقة اسمها البطّاح، فكان دائماً تمركزهم عنّا بالبيّارة، وأنا طبيعي آخذ الأكل لأبوي وأقعد معاهن، أكمش المنظار، أسجِّل إلهن شو مرق مشاة، أحصنة، دبابات عسكرية، وحتى لو فيه أحياناً بتيجي القوات الدولية بتكتشفهم أو شغلة أخبيّهم، وأنا أقعد كأني بَدرُس، أو بَجَمَع بندورة، أو بطيخ.
بآخر الـ 67؛ كشباب فلسطينية أنشأنا تنظيم لوحدنا، ودعمنا شباب من القوميين العرب، كنا نكتب مناشير: قاطعوا البضائع الإسرائيلية، نِدعي للتظاهر، نحرِّض الناس إنه ما تتعامل مع الاحتلال، وأنا كنت من ضمن هدول الشباب، وما حدا كان يعرف إني بنت، لأني لما كنت أطلع كنت ألبس من أواعي الشباب. يوميتها كان المفهوم الموجود إنه المرأة ممكن تجيب العيب، الوكسِة، إذا إسرائيل كمشتها شو بدها تعمل؟! العيلة كلها حاربت أبوي وأهلي، أبوي صار مثل المنبوذ بالعيلة.
بعد الـ 67 صرنا من خلال المدرسة الثانوية ننظِّم بعضنا كفتيات وكشبان، وهذا الكلام بالتحديد في بداية الـ 68، لمّا صارت حرب الاستنزاف بين الجيش المصري والإسرائيليين في سيناء.
معظم الشباب والصبايا اللي كانوا موجودين بِعرفوا يستعملوا الأسلحة. كان عنا مادّة اسمها الفتوّة بالمدرسة، وكنّا نتدرّب، كانت مادة أساسية. أياميتها كان فيه عمل سياسي يقتصر على التوعية وعلى المناشير. ما كان فيه عنا عمل مسلح.
في بداية الـ 68 تشكَّل تنظيم اسمه الجبهة الشعبية، ما كان معلن عنه رسمياً. انتسبت. أنا عملت أول شي دورات عسكرية في المدرسة، ثانياً عملت دورة تمريض، طلب مني شباب التنظيم أعمل دورة آلة كاتبة لطباعة المناشير، وبالفعل رحت على معهد برلين، وعملت دورة مكثفة عن الطباعة. أول منشور انطبع وأعلنّا فيه انطلاقة الجبهة الشعبية/ الجناح العسكري؛ كنت أنا كتبته، وقمت وَزَّعتُه بالقطاع، أنا والشباب.
تشكّل عِنّا الجناح العسكري. عملنا كمرأة كان مقصور على طباعة المناشير، توزيعها، توصيل الرسائل، إنطَلِّع المدارس للمظاهرات. أنا من ضمن الناس اللي احتجَّت على عمل المرأة هاد، وإنه المرأة مش أقل من الرجل، وإنه العمل اللي بشتغله الشبّ فيني أشتغله متله، وأحسن منّه، وطالبت بالتدريب العسكري، وعلى ضوء إصراري، وعلى رأيهم وزعبرتي؛ قابلت المسؤول العسكري.
أول ما طرحت الموضوع، كان عدم ثقة: إنتِ حتقدري تعملي؟! طيب بِدها؟ خليها تَنشوف! والله غير بُكره تسكت وتخاف لحالها، هيك كانت نظرة شبابنا؛ فكانت ردِّة فعلي، أول شغلة عملتها: عملية عسكرية من دون تكليف؛ عشان أثبت لرفاقتنا المسؤولين إنه المرأة مو أقل من الشَبّ، وإنها فيها تعمل اللي ما بعمله الشَبّ. طبعاً أنا باحتكاكي مع الشباب؛ كنت أعرف كل كبيرة وزغيرة عن الأسلحة، كنت أخزّن الأسلحة مع الرفاق المسؤولين والقيادة.
بعد الناس ما سمعت بهاي العملية، حتى موقف عائلتي، مو أبوي وأمي، أبوي بالعكس كان فخور جداً، يقول: هيّ كوم وكل أخوتها كوم، أنا ما عندي شاب؛ هي بعَشَر شباب. عمّي اللي كان يقول: البنت عار، صار يقول: البنت اللي بتحكوا عنها هاي بنت أخوي.
اسمي الحركي أيامها “رندة”، اللي يِمشي مع “رندة” أيامها بِمشي مع شَبّ، كتفي وكتفه، زيُّه بالضبط ، بعديها صار فيه ثقة كبيرة جداً من القيادة، حتى إذا فيه سلاح بدّو ينتقل من منطقة لَمنطقة؛ كنت أتكلف فيه. المرأة قادرة مو على العمل العسكري وبس؛ كافة الأعمال، النضال بكل أشكاله، عسكرياً سياسياً كلّه كلّه، ويمكن تنجح فيه أكثر من الرجل.
في العمل العسكري كامرأة كنت لحالي؛ بس فيه معنا كان بنات؛ مو كعمل عسكري. كان عنا مدرّبة الموسيقى “ليلى الباز”، كان كادر نسائي كبير جداً، يحملوا رسائل، ويجهّزوا الأكل، تطبيب الجرحى، يساعدوا الشباب على توفير المكان الآمن، ويكونوا عين مراقبة، لإنه حركتهن أكتر، لإنه أكتر حرية من حركة الشباب.
أحياناً في كل بيت كان فيُّه مرأة؛ إذا مو أم، أخت، بنت، مش ضروري كلنا لازم نحمل سلاح عشان نكون مناضلين؛ لأنه النضال ما بِقتصر إنه بس أحمل بارودة أو أحمل سلاح، أو أقوم بعملية عسكرية، حتى المرأة اللي كانت تجهّز الأكل للفدائيين، أو تحمل الأكل أو الميّ؛ هاي أكبر نضال، اللي كانت تقطع الأواعي علشان يلفّوا فيهن جروحهن، كله نضال، لولا كانت المرأة الساعد الأيمن للرجل؛ ما نجحت الثورة أبداً أبداً في غزة”.

الايام

عن الكاتب

عدد المقالات : 34458

اكتب تعليق

© 2011 Powered By Wordpress, Goodnews Theme By Nedalshabi

التخطي إلى شريط الأدوات
الصعود لأعلى