Home
انت هنا : الرئيسية » زوايا » أقلام واراء » نهاية الناصرية: كيف فتحت حرب 1967 مجالا جديدا للإسلاموية في العالم العربي؟ ..بقلم :شادي حميد

نهاية الناصرية: كيف فتحت حرب 1967 مجالا جديدا للإسلاموية في العالم العربي؟ ..بقلم :شادي حميد


شاهد الكاتب الإسلامي محمد جلال كشك، الذي ولد في العام 1929، انتصار الدين في كل مكان تقريباً، حتى في أقل الأماكن احتمالاً. في حزيران (يونيو) 1967، ألحقت إسرائيل هزيمة كاملة بثلاث دول عربية. ولم يكن ذلك بسبب براعتها العسكرية فحسب، وإنما لأنها امتلكت شيئاً لم يكن العرب يمتلكونه: يقينية ووضوح الورع الديني. وكما كتب فؤاد عجمي: “في رواية كشك، هناك إعجاب كبير بالوضوح الذي نظر به الإسرائيليون إلى الحرب، وبحقيقة أن الجنود الإسرائيليين الشباب كانوا يصلون خلف حاخاماتهم عند حائط المبكى بعد الاستيلاء على مدينة القدس”. وربما لم تكن هذه أكثر القراءات دقة للمجتمع الإسرائيلي –فإسرائيل لم تكن أبداً بلداً متديناً بشكل خاص في ذلك الوقت- لكنها هذه القراءة كانت واحدة من بين الأكثر كشفاً أيضاً.
من الصعب تجاوز الصدمة التي أحدثتها الهزيمة السريعة جداً لكل من مصر والأردن ومصر، وهو السبب في أنها تدعى في كثير من الأحيان “حرب الأيام الستة”. إن الحروب لا تنتهي أبداً بهذه السرعة تقريباً. ومع الاستثناء الجزئي للجيش العراقي، فإن الدول العربية ضعيفة بشكل عام وعاجزة عسكرياً اليوم. ولكن قبل 50 عاماً، كان هناك جمال عبد الناصر، رئيس مصر، الذي غذى بعناية وهم القوة العسكرية العربية. كان يحاول أن يجعل العرب عظماء مرة أخرى. وكان الجميع، أو بدا أن الجميع، يحبون ناصر –أو، في حال كان الشخص المعني ضحية لقمعه، النظر إليه بكثير من الإعجاب. وقد نشأ والداي في مصر عبد الناصر. ومثل الكثيرين من مواطنيهم، لم يكونا سياسيين بشكل خاص، لكن حقيقة ناصر، وشخصيته الأكبر من الحياة نفسها، هيمنا على إحساس المصريين بماهيتهم وبما الذي يريدون أن يكونونه.
عندما خسر ناصر، ومصر بطبيعة الحال، كان هناك القليل نسبياً مما تبقى ليقال. تقوضت أطروحة القومية العربية بشكل قاتل بعد 15 عاماً من ثورة 1952. وكان خطاب عبد الناصر يوم 9 حزيران (يونيو) 1967، الذي أعلن فيه هزيمة كانت مصر تفترض قبل يوم واحد فقط أنها ستكون انتصاراً، خطاباً مهيباً لا يُنسى، وإنما واحداً ركز على تحديد الجهة القمينة باللوم. ومع أن عبد الناصر عرض الاستقالة ظاهرياً، فقد احتفظ بمعظم ملاحظاته لتفسير السبب، على سبيل المثال، في أن “العدو كان يعمل على قوة جوية أعلى بثلاث مرات من قوته الطبيعية”. كانت ثمة مؤامرة تجري، وعلى رأسها كانت الولايات المتحدة.
عادة ما يكون المفكرون هم أول من يتعامل مع الهزيمة ويستوعبها عن طيب خاطر، وربما تكون الهزائم فكرية أيضاً. وقد يبدو إسناد الانتصار الذي حققته إسرائيل إلى قوى خارقة للطبيعة أمراً غريباً، لكن الله، من المنظور اللاهوتي الإسلامي، لم يكن مراقِباً غير مهتم. يجب أن يكون هناك “سبب” للهزيمة. ربما يكون الله قد تخلى عن المسلمين، وعاقبهم على خروجهم عن الطريق القويم. وكانت هذه الصلة الزمنية بين تقوى الله –واتباع شريعته أيضاً بالنسبة للكثيرين- وبين النجاح الاقتصادي والعسكري قائمة منذ وقت طويل –وليس بين الإسلامويين فحسب، وإنما بين المسلمين على النطاق الأوسع. ولم تتطور أدبيات تستكشف الطبيعة الدقيقة لهذه الصلة، فيما يعود جزئياً إلى أنها تبدو بدهية وداعمة لذاتها.
كما أناقش في كتابي الأخير عن “الاستثنائية الإسلامية”، فإن “صلة التدين/ النجاح” موجودة بنيوياً في أسس الإسلام. فسرعان ما تمكن النبي محمد وأتباعه الأوائل، بعد أن تعرضوا في البداية لاضطهاد المكيين، من تأسيس شبه دولة جديدة في المدينة المنورة، بعد الهجرة في العام 622، أي بعد نحو 12 عاماً من تلقي النبي محمد أول الوحي من الله. ولم تتسبب وفاة النبي محمد بأزمة وجودية، وإنما بدأ المسلمون بدلاً من ذلك مرحلة من التوسع الدراماتيكي عبر شمال أفريقيا وإلى أسبانيا، بل وحتى إلى فرنسا خلال القرن الأول للإسلام. وكما تقول الفرضية، فإن دين المسلمين (والقرب من الرسول في المسلك والمنهج) لم تكن مجرد شؤون عرَضية مرتبطة بهذا التاريخ المبكر. وأصبح يُنظر إلى الفتوحات في الأراضي على أنها دليل على الصلاح. وبذلك يكون من الطبيعي أن يعني اختفاء الإمبراطوريات –والهزائم الساحقة على يد القوى الإمبريالية، ثم إسرائيل في العام 1967- عكس ذلك بالضبط. (قدم العلمانيون العرب أطروحة مشابهة، وإنما مختلفة من حيث النقطة المرجعية، فقالوا أن اعتناق القومية العلمانية قاد صعود أوروبا، فلماذا لا يفعل الشيء نفسه في الشرق الأوسط؟).
لا يمكن أن تكون اللحظات التكوينية للمسيحية واليهودية أكثر اختلافاً، حيث تحددت تلك اللحظات بالمصاعب الفورية، والتي تجسدت بوضوح كامل على الصليب. وكما يكتب جاكوب برونزثير، فقد “اختبر اليهود والمسيحيون، بالمقارنة، أزمة وجودية في أوقات مبكرة من تاريخهما، ونتيجة لذلك طوروا روايات يختبر الله فيها عباده بشكل متكرر بالمصاعب، أو أنه يوجد في عالم منفصل عن مِحن الإنسان”.
من الجدير ملاحظة أن القادة الأفراد، لم يكونوا بحاجة، في السياق الإسلامي، إلى أن يكونوا متدينين بشكل خاص حتى تصمد مسألة الصلة بين الصلاح والنجاح. فبعد كل شيء، كان الخليفة الثاني للإمبراطورية الأموية قد أمر بقطع رأس الحسين، حفيد النبي محمد، في معركة كربلاء. وخلال عهد الإمبراطورية العباسية، التي شهدت ذروة العظمة الإسلامية في العلوم والفلسفة، كان الكثير من الخلفاء معروفين بالإفراط في شرب الخمور. كان السلوك الخاص في البلاط الملكي المترف بعيداً شيئاً ما، بينما كان القانون العام “إسلامياً” بطريقة لا تخطئها العين، وقدمت الشريعة الإسلامية الثقافة الأخلاقية الشاملة والهيكل القانوني.
حتى في ذروة الناصرية، حيث قُمعت التعبيرات المتنافسة للإسلام بوحشية، كان معظم المصريين على وعي غامض على الأقل بهذا التاريخ. وطالما ظل
عبد الناصر رئيساً، كان من الصعب التعبير عن مثل هذه العواطف بانفتاح كبير أو في العلن، وبالتي ربطها صراحة بإخفاقات ناصر الخاصة كزعيم. وعندما توفي عبد الناصر في العام 1970 عن عمر ناهز 52 عاماً، تجمع ملايين المصريين للبكاء عليه في موكب امتد على ستة أميال. وربما كانت تلك آخر لحظة موحِّدة في تاريخ مصر الحديث، قبل أن يفتتح انبعاث الإسلاموية –وبشكل خاص جماعة الإخوان المسلمين- خطاً جديداً في تكوين المجتمع المصري.

*زميل بارز في السياسة الخارجية، ومركز سياسة الشرق الأوسط، وعلاقة الولايات المتحدة بالعالم الإسلامي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The end of Nasserism: How the 1967 War opened new space for Islamism in the Arab world
(معهد بروكينغز) ترجمة: علاء الدين أبو زينة

عن الكاتب

عدد المقالات : 33103

اكتب تعليق

© 2011 Powered By Wordpress, Goodnews Theme By Nedalshabi

التخطي إلى شريط الأدوات
الصعود لأعلى