Home
انت هنا : الرئيسية » زوايا » ثقافة وادب » رحلة إلى فلسطين ..ماجد كيالي

رحلة إلى فلسطين ..ماجد كيالي


رحلتي إلى بلدي، فلسطين والجولان، أخذتني، طوال أسبوعين، إلى اللد ويافا وحيفا وعكا وشعب والناصرة والطيبة والقدس ورام الله وبيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور ونابلس وطبريا والجولان (مجدل شمس وبقعاتا وجباتا الخشب)، في الأيام والساعات والدقائق، إذ هذه هي رحلة العمر حقًا، أو هي الرحلة التي ما كنت أحلم بها، وإن كنت أتوق إلى أن تكون بطريقة أو بأخرى، أو كنت أظل أتخيلها بشكل أو بآخر.
هذه رحلة خاصة جدًا إلى بلدي الذي لم أولد فيه، ولم أكن أعرفه، إلا من ذكريات الأهل والأصحاب ومن الكتب والأشعار والأغاني والصور، إذ عشت بعيدًا عنه طيلة عمري، أي 63 عامًا فقط! هذه رحلة إلى بلدي الذي احتسبت عليه، واحتسب علي، ومنحني هويته قسرًا أو حبًا، رغمًا عني أو رغبة مني، سيان هذا أو ذاك، إذ إنه على أية حال البلد الذي احتلت قضيته كياني وشكّلت هويتي واكتسحت فؤادي، وجعلتني على النحو الذي أنا عليه أو الذي صرته في عين الآخرين.
الهوية والتخيّل
واضح أنني أتحدث عن وطن متخيّل بالنسبة لي، عاش فيّ وعشت فيه، بدون أن أشم هواءه أو أمشي على ترابه أو أعرف مناظره، والمشكلة أن ذلك الأمر لا يتعلق بي، فهذا الوطن أو الورثة “المتخيلة”، أو الافتراضية، حمّلت، أو حمّلتها بدوري، لأولادي، وتاليا لأحفادي، فنحن فلسطينيون حتى لو لم نولد في البلد الذي اسمه فلسطين، بل إننا لم نعش فيه، أو غير مسموح لنا بذلك، والأهم أننا لا نعرف فلسطيننا، ولم نشاهدها، ولا أتحدث عن ظلم هنا وإنما عن واقع ظالم ومظلم أيضًا.
هكذا كان على هذه الدائرة أن تكتمل، بطريقة أو بأخرى، ولو برحلة، حتى وإن كانت مؤقتة، وما الغضاضة في ذلك؟ ألم نعش على المؤقت طوال عمرنا، المؤقت في المكان وفي الزمان وفي الأحوال؟ وبمعنى آخر فقد كان الأمر بالنسبة لي أن على هذا الوطن أن يكفّ عن كونه متخيلًا، أو مستحيلًا، وأن يصبح متعيّنًا وملموسًا ومنظورًا، من دون أي شيء آخر، لا بهارات ولا أيديولوجيات، ولا شعارات.
لا أخفي هذه الدهشة، إن صح التعبير، على أحد إذ كان القرار صعبًا وسهلًا، وبين زمن اتخاذ القرار وزمن الوصول، كنت أطرح الأسئلة على نفسي، أن كيف هو ذلك الوطن يا ترى؟ أو كيف سأراه؟ هل هو كما تخيلته أم أجمل؟ هل كان يستحق كل تلك المعاناة والعذابات؟ هل سأحبه أكثر أم أقل؟ وباختصار كنت أحلم طوال الأيام السابقة للزيارة واتخيل… كنت استرجع علاقتي بفلسطين…علاقتي المفترضة، أو علاقتي العاطفية أو السياسية…علاقة أهلي…وأصدقائي ومجتمعي…
هذه المعرفة بفلسطينيتي، أو إدراكي لها، نشأَت مع إحساسي باختلافي عن السوريين، الذين كنت أقطن بينهم في حلب، حيث ولدت، إذ كانت عائلتي تأخذني كل أسبوع أو اثنين إلى مخيم النيرب، البعيد جدًا عن المدينة، والذي كان مجرد مجموعة مهاجع (“بركسات”) تفتقد للحد الأدنى للعيش، إذ كان سابقا معسكرًا للجنود للفرنسيين، في الحقبة الاستعمارية، وهو قرب قرية سورية فقيرة، وهناك تم إنشاء مطار، بات اسمه مطار النيرب أيضًا.
في هذا المكان، حيث بيت جدتي، وفي مخيم كذاك، كنت تعرف أنك تنتمي إلى وضع آخر، أو أناس آخرين، طارئين على المكان، هذا يثبت بسهولة من لهجتهم ونمط لباسهم وعلاقاتهم ومن شعورهم بالغربة والحرمان. هذا كان يحصل، أيضًا، حين كنت أذهب مع والدي إلى مخازن الأونروا كل شهر (من أجل حصة الإعاشة)، وإلى مستوصفاتها للعلاج. المهم أن العديد من العلامات كانت تؤكد لي، أو تنبهني، إلى أنني، في البيئة الحلبية، شخص آخر يختلف عن السوريين من أقراني، أبناء حارتي، أو زملائي في مدرستي، الذين لم يخف عليهم أمري، فصاروا يشيرون لي كفلسطيني وهكذا، وكان هذا هو الدرس الأول في الهوية، أي أن هويتك ليس ما تصنعها أنت أو تقررها أنت، فهذه بالذات تفرض عليك، ويحددها الآخر لك، بغض النظر عمن هو هذا الآخر، فأنت محدد من الآخرين.
التحديد الثاني للهوية، هويتي، كان في أواخر الستينيات، بعد صعود العمل الفدائي، ففي حينه لم يعد الفلسطيني هو مجرد الإنسان اللاجئ، المسكين، المحروم، الذي ينظر إليه الآخرون بعين العطف أو الاشمئزاز، سيان، بل بات ذلك الإنسان المتمرد، الذي يبحث عن هويته وحقوقه، والذي يستحق الدعم، أو التقييد، سيان أيضًا. ففي معمعان هذه الهوية الثانية باتت فلسطين همًا معاشًا، أي بتنا فلسطينيين بالممارسة، فكل شيء في حياتنا بات يتعلق بكيفية مقاومة إسرائيل، وبكيفية نكون “فتح” أو في جبهة من الجبهات، كما صرنا بعدها مع التسوية أو ضدها، وألقت أسماء ياسر عرفات وجورج حبش وأبو جهاد وماجد أبو شرار وغسان كنفاني ومحمود درويش وإدوارد سعيد ظلالها على حياتنا، وثقافتنا، ورؤيتنا لذاتنا في هذا العالم.
في بلدي فلسطين
في الطائرة كان شريط العمر يمر سريعًا، صاخبًا، غزيرًا كشلال، وفي الغضون كنت أتحين اللحظة الأولى، أو الدهشة الأولى، أو النسمة الأولى، لحظة الأرض الأولى، أو المشهد الأول، إذ كان كل شيء بالنسبة لي هو الأول، في هذه اللحظة الفريدة، كنت أبحر في شيء يشبه الولادة، شيء من التوق والحنين، يا الله أن ترى فلسطين بعد كل هذا العمر…وبصراحة فهذه المشاعر التي ملكت كياني في الطائرة ظلت تنتابني، أيضًا، طوال أيام وساعات ودقائق وجودي في بلدي، عند كل نقلة ونقلة، كل حارة وحارة، وكل مشهد ومشهد، وكل مدينة ومدينة، كانت رحلة قاسية ومؤلمة ومتعبة، لكنها كانت مليئة بالشوق والحنين والغبطة والراحة، بل إن عينيّ لم تخوناني، إذ كانتا وقلبي على وفاق تامّ رغم الإرهاق والتعب، كأنهما تخشيان أن يفوتهما أي منظر، أو تخشيان أن تخذلا قلبي وعواطفي.
في البلد، بلدنا، كان اللقاء مؤثرًا جدًا حيث التقيت مع الفلسطينيين المنسيين، أو من تم تسميتهم فلسطينيي 48، وعند آخرين الفلسطينيين في إسرائيل، وهؤلاء ظلموا عدة مرات، مرة بتركهم خارج المعادلات الفلسطينية والعربية، باسم الوطنية والقومية، ومرة ثانية بمقاطعتهم باعتبارهم إسرائيليين غصبا عنهم، كأن بقاءهم في بلدهم حجة عليهم، بدل أن يكون دلالة على صمودهم!
وفي الضفة، بلدنا أيضًا، التقيت بأصدقاء الزمن الماضي، زمن المقاومة، وبيروت، وثمة منهم لم ألتقه منذ ربع قرن، وكانت أحاديث عن مراجعة التجربة، وكان ثمة أسئلة من نوع: أين كنا وأين صرنا، ولماذا حصل ما حصل وما العمل؟
في الجولات في الضفة، أو بين مدنها وبين المستعمرات المنتشرة كنت تلاحظ الجدار يتلوى كالأفعى، إنه مثل سور برلين، الذي كان، دلالة على العنصرية والظلم والقهر، فهذا ليس مجرد حائط…هذا حاجز لا يفصل بين مناطق الإسرائيليين والفلسطينيين فقط، إذ إنه يفصل ويفتّت مناطق الفلسطينيين أيضا. وهو بمثابة سور سجن يضيق المجال الحيوي للمدن والبلدات والقرى الفلسطينية وفوق كل ذلك فهو يسلبهم مساحات واسعة من أراضيهم.. الجدار يعني أيضًا طرقًا خاصة بالإسرائيليين فقط…

لا تنتهي القصة عند الجدار بالطبع، فثمة الحواجز الثابتة والمتنقلة بين مدن الضفة، كما ثمة الطرق الخاصة للإسرائيليين المستوطنين، التي تتضمن، أيضًا، أنفاقًا وجسورًا. وبين قصص هذا الجدار الذي يقطع كالسكين أراضي البلدات والقرى، وحتى البيوت، سمعت قصة عمر، الشاب الفلسطيني، الذي استطاع، بصبره وعناده ومثابرته (مع عائلته) أن يفرض على سلطات الاحتلال، عبر رفعه دعوى أمام المحكمة العليا، شق نفق خاص لسيارته تحت الجدار الفاصل الذي يقتطع أراضي واسعة من بلدة بيت جالا المجاورة لبيت لحم… فقد رفض عمر كل التهديدات وظل متشبثا ببيته رغم كل الإغراءات التي قدمت له… بيت عمر على أعلى قمة جبل مطلة على القدس وبات بيته داخل الجدار لكنه رفض الهوية الإسرائيلية…

شاهدت نابلس بين جبلين وعدة وديان، وشاهدتها كدمشق الصغرى، في أسواقها الشعبية، وأزقتها الأليفة، وفي البائعين فيها، أما رام الله فكانت كمدينة جميلة تتوسع باطراد، وقد ذكرتني بالزبداني، إذ كانت تعرف بعروس فلسطين، كمصيف…لم أشاهد فلسطين كجميلة لأنني أريد أن أراها كذلك، إذ كانت حقا جميلة، ومدهشة.

عن الكاتب

عدد المقالات : 33848

اكتب تعليق

© 2011 Powered By Wordpress, Goodnews Theme By Nedalshabi

التخطي إلى شريط الأدوات
الصعود لأعلى