معركة الدفاع عن القدس والسيادة الوطنية والقرار المستقل ..بقلم :د. أحمد مجدلاني

sample-ad

إن معركة الدفاع عن القدس هي معركة الدفاع عن السيادة الوطنية، حيث واجه شعبنا بوحدته وصلابته وتلاحمه مع قيادته كافةَ مخططات الاحتلال للنيل من أحد أهم ركائز القضية الفلسطينية المتمثل بمحاولات فرض السيادة وسياسة الأمر الواقع والتقسيم الزماني والمكاني في الأقصى، حيث اعتبرنا ومن اللحظة الأولى بأن إزالة الاحتلال لما يسمى «البوابات الإلكترونية» واستبدالها بكاميرات المراقبة الذكية إجراء مدان ومرفوض، ويعتبر مساساً بالوضع القائم، ومحاولة لفرض سياسة الأمر الواقع على المدينة المقدسة.
انتصار القدس جولة في سلسلة معارك قادمة يدفعنا لجملة من الاستخلاصات السياسية وفي مقدمتها الحفاظ على هذا الانتصار والبناء على نتائجه، والحفاظ على الحالة الشعبية وتطويرها، ومواصلة الإمساك بزمام المبادرة السياسية، مع الاستناد الى الوضع الداخلي الذي تمثلت فيه وحدة الشعب والقيادة، لكن الاستنتاج الأهم انه يمكننا الركون إلى وضعنا الذاتي الذي بإمكانه تغيير المعادلات المفروضة، وانه كنتيجة منطقية فإنه بدون ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني لا يمكن مواجهة التحديات القادمة التي لن يقبل نتنياهو بها وسيحاول تغييرها بالقوة، عبر التصعيد بأشكاله المختلفة سواء بالقدس أم بسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة. لكن من الضرورة بمكان تفويت الفرصة عليه وعدم الاستدراج لمخططه بالتصادم في معركة جديدة يخطط لها.
لقد كان رفضنا لأية تغييرات في المسجد الأقصى بعد 14/7/2017 رفضا لتغيير الوضع القائم، فهذه الإجراءات الهادفة لفرض التقسيم الزماني والمكاني، وفرض السيادة الإسرائيلية على مدينة القدس وإخراجها من أية تسوية قادمة وعزلها عن محيطها، ومخالفة لكافة القرارات الدولية، حيث أكدنا على موقفنا الثابت بأن إجراء أي تغييرات في مدينة القدس وفي محيط المسجد الأقصى وكما جرت المحاولة في باب الأسباط، هو استمرار لحملة التهويد، والتغيير الديمغرافي الذي تسعى حكومة نتنياهو الفاشية لفرضه.
إن صمود أهلنا في مدينة القدس، وثباتهم وإرادتهم، وتضحياتهم التي تجسدت منذ اندلاع المواجهات الأخيرة بالدفاع عن المسجد الأقصى والمدينة المقدسة كانت تجسيدا للدفاع عن السيادة السياسية عن القدس، وقد انتصرت هذه الإرادة بالفعل، والمطلوب تعزيز هذا الصمود ودعم كافة الفعاليات المقدسية التي ضربت أروع الأمثلة في النضال والتصدي للاحتلال، والعمل على توحيد المرجعيات ودعم المؤسسات المقدسية لتعزيز صمودها وثباتها في وجه الإجراءات الاحتلالية.
انتصار شعبنا بالقدس تحقق بفضل موقف وطني متكامل ووحدة القيادة والشعب في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية، حيث تجلى الموقف الوطني الثابت رسمياً وشعبياً بالتمسك بموقف إزالة كافة التعديات التي فرضها الاحتلال في القدس، وهذه المعركة أكدت وحدة شعبنا وقيادته حول الأهداف وما رافقها من حالة جماهيرية متصاعدة عمت مختلف أرجاء فلسطين والتي ينبغي الحفاظ عليها وتطويرها في مقاومة الاحتلال الذي يستهدف تدمير «حل الدولتين» وتدمير أي فرصة لإحياء عملية السلام من خلال سياسة الأمر الواقع وسباق الزمن نحو تغيير المعالم العربية الفلسطينية في القدس والمس بالمقدسات الإسلامية والمسيحية في محاولة مكشوفة للذهاب نحو حرب دينية يسعى نتنياهو لتأجيجها، وفي هذا الإطار فإن رفضنا لمحاولات جرنا إلى صراع مع الأردن الشقيق على القدس لا ينبغي أن يكون موضع تردد، فللأردن ولاية دينية في القدس في إطار اتفاق فلسطيني – أردني، وهو لا يمس السيادة السياسية الفلسطينية على القدس، الأمر الذي يؤكده الأشقاء بالأردن دائماً.
الصراع على بوابات المسجد الأقصى الذي امتد لمدة أسبوعين والعصيان المدني للمقدسيين قدم درساً جديداً بالمقاومة الشعبية السلمية وأهميتها وكيف تحقق النتائج إذا ما أديرت بشكل صحيح، وكان بمثابة معركة إرادات بيننا وبين الاحتلال على السيادة السياسية على القدس، وهنا فقد كان للحكمة والحنكة السياسية التي تحلى بها الرئيس دور رئيس في إدارته للمعركة التي حاول من خلالها الاحتلال الإسرائيلي شطب الوجود الفلسطيني من المعادلة السياسية، وإخراج القدس من معادلة الحل السياسي، وكذلك فان الوحدة الوطنية بين كافة فئات الشعب الفلسطيني تجلت في معركة الدفاع عن المسجد الأقصى، وحدة الموقف السياسي والوطني في كافة المرجعيات السياسية الوطنية والدينية والمحلية في القدس عززت موقف القيادة ومنحها القدرة على الصمود في مواجهة الضغوط ورفض أية املاءات تنتقص من الحق السياسي والديني والشرعي للفلسطينيين بالمسجد الأقصى المبارك والقدس.
لكن الذي كان يدعو للغرابة والاستهجان الموقف الإقليمي والإسلامي حيال ما جرى في الأقصى الذي لم يرتق إلى مستوى التحديات، حيث صمتت تلك المحاور صمت القبور، وتأخر إصدار مواقف منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية، ويعتبر ذلك تأكيدا على انقسام النظام العربي، فمسؤولية الدفاع عن القدس ومقدساتها لا تقتصر على الفلسطينيين وإنما هي مسؤولية عربية وإسلامية أيضا.
إن قرار وقف «التنسيق الأمني» الذي اتخذته القيادة الفلسطينية خلال أحداث المسجد الأقصى الأخيرة لا يزال سارياً، ونحن في مرحلة تقييم لكل العلاقة الفلسطينية – الإسرائيلية، ووقف التنسيق الأمني جزء من إعادة التقييم والمراجعة في العلاقة مع الجانب الإسرائيلي، انطلاقا من أن الاتفاق الانتقالي برمته قد تجاوزه الزمن فضلا عن الانتهاكات الإسرائيلية له والتي حولته من اتفاق انتقالي لمرحلة محددة إلى أن تصبح السلطة وكيلا معتمدا للاحتلال، والمسألة بهذا الإطار ليست أحادية الجانب، بل هي في إطار لرؤية سياسية تفضي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وليس معالجات جزئية كما يريد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
كما أننا بحاجة لتقييم الدور الأميركي واستخلاص العبر من الأزمة التي مرت، وهذا سيحدد سياساتنا المستقبلية في العلاقة مع الدور الأميركي في عملية السلام، فالولايات المتحدة كانت وما زالت منحازةً لإسرائيل، ولم تكن وسيطاً نزيهاً، ولم تقم بالدور المطلوب، منها وفريق السلام الأميركي هو فريق إسرائيلي- أميركي، ينقل ويتبنى المواقف الإسرائيلية، ويسعى لإدخالنا في بحث القضايا الجزئية مبتعدا عن معالجة القضية الأساس وهي الاحتلال وإنهاؤه على أساس قرارات الشرعية، وتهربا من تحديد الموقف التقليدي الذي اتخذته الإدارات الأميركية السابقة بشأن حل الدولتين، والموقف من الاستيطان باعتباره غير شرعي وغير قانوني، ويعيق عملية السلام.
وبالتالي فإن أي حديث عن إطلاق لعملية سلام لا تقوم على أساس قرارات الشرعية الدولية وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، لا معنى له وغير قابل للتداول.
إن الإدارة الأميركية الجديدة لا تمتلك رؤية محددة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي حتى الآن ولا حتى إطاراً للتحرك، والمناخ غير ملائم لطرح حل إقليمي للصراع، والوفد الأميركي الذي سيصل المنطقة نهاية الشهر الجاري سيركز على حل الخلافات ما بين حلفاء الولايات المتحدة بالمنطقة، لأن جدول الأولويات الأميركي ليس الشرق الأوسط، وإنما كوريا الشمالية، والصين، وروسيا، وإيران، والوضع الداخلي الأميركي.
وعليه فإن ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي واحدة من أدوات مواجهة التحديات، وبهذا التوقيت الدقيق الذي تمر به قضيتنا الوطنية يتطلب عقد جلسة للمجلس الوطني في القريب العاجل داخل الوطن باعتبار ذلك محطة وطنية للتقييم والمراجعة ووضع الخطط لمواجهة التحديات المحدقة بشعبنا وقضيتنا بمشاركة الكل الفلسطيني، وأن انعقاد المجلس بدورة اعتيادية في الوطن بات ضرورة ملحة، واستحقاقاً وطنياً لإعادة تقييم العلاقة مع الاحتلال، وتصليب الوضع الداخلي، وتجديد الشرعية الفلسطينية، في ظل التطورات الحاصلة والتحديات المفروضة، فلا آمال معلقة على إدارة ترامب التي انكشفت مواقفها وانحيازها للاحتلال الإسرائيلي الكولونيالي.
لقد مكن امتلاك ناصية القرار الوطني الفلسطيني الـمستقل في أواسط السبعينيات من القرن الـماضي أن تحقق الكثير من الإنجازات والتي قد يكون في مقدمتها تحويل قضية الشعب الفلسطيني في الـمحافل الدولية من قضية إغاثية إنسانية إلى قضية شعب يناضل من اجل الحرية والاستقلال وبناء دولته الوطنية الـمستقلة، وتعزز هذا التحول بالعشرات من القرارات الدولية سواء من الأمم الـمتحدة أو الـمنظمات الدولية والإقليمية الـمختلفة.
قد تبدو خطورة ما يحيق بالقرار الوطني الفلسطيني الـمستقل في الـمرحلة الراهنة ليس إعلان حركة حماس وتحالفاتها الإقليمية وتحالفها «المقدس» مع محمد دحلان، بالتخلي أو بعدم أهمية التمسك باستقلالية القرار الوطني الفلسطيني، انطلاقاً من خلفيات أيديولوجية أشير إليها، أو حسابات سياسية آنية ترتبط بتحالفات عربية أو إقليمية، وإنما في حالة التجاذب والاستقطاب في الوضع الرسمي العربي الذي سيبدو فيه أن الحركة الوطنية الفلسطينية بات قرارها لا يبحث ولا يؤخذ كمحصلة لتداول وطني داخلي على الـمائدة الفلسطينية، وإنما كمحصلة وتداول إقليمي وعربي كما كان قبل التحول الكبير والتاريخي الذي أحدثته الثورة الفلسطينية الـمعاصرة بمنظمة التحرير الفلسطينية أواخر العام 1968 وأوائل 1969 وبداية نشوء نظام سياسي فلسطيني حديث ذي طابع تعددي ويحمل برنامجاً وطنياً تحررياً خالصاً.
إن الحفاظ على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني في ظل الأزمة الطاحنة التي تعصف بالوضع السياسي الفلسطيني الداخلي في الـمرحلة الراهنة وإخضاع كل ما هو ذاتي من مصالح تنظيمية ضيقة وحسابات وتحالفات إقليمية ضيقة لصالح الشأن الوطني العام قد يوفر مناخاً ملائماً لـمعالجة صحيحة للوضع الداخلي الفلسطيني، ويسهل طرق الخروج من الأزمة لأنه يغلب الـمصلحة الوطنية على أية مصالح وارتباطات أخرى، ويخضع التناقضات الداخلية باعتبارها تناقضات ثانوية لـمصلحة التناقض الأساس الـمتمثل بالاحتلال ومشاريعه لفرض حل سياسي أحادي الجانب يرسم ومن جانب واحد بموجبه حدود وآفاق الحل السياسي في الـمنطقة، بما فيها طابع وحدود الكيان الفلسطيني القادم، ما يتطلب مواصلة النضال نحو تحقيق أهداف وتطلعات شعبنا بالحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

*عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق