Home
انت هنا : الرئيسية » زوايا » ثقافة وادب » سوق البشرية ..بقلم :د. زهور كرام

سوق البشرية ..بقلم :د. زهور كرام

«سوق البشرية» عنوان أغنية الفنان المغربي المبدع عبد الوهاب الدكالي، من ألحانه، وكلمات الشاعر عمر التلباني. أغنية تختصر مفهوم الإنسان- البضاعة، خاصة في الزمن الراهن.
وإذا كان مفهوم الإنسان/السلعة وُجد قبل هذا الزمن، وناقشته فلسفات، مثل فلسفة ماركس، وتداولته نظريات المعرفة، وعبّر عنه بإبداع شديد، شارلي شابلن في الفيلم الأمريكي الصامت «الأزمنة الحديثة» (1936)، وتم اعتماده في الدراسات النسائية، من خلال تفكيك صورة المرأة- السلعة في المنظور الإعلامي والثقافي، فإن ظاهرة الإنسان/السلعة تتفاقم في الزمن الراهن، وينتج عنها، تدهور القيم الإنسانية، بل تراجعها، لصالح قيم جديدة، باتت تُربك الوجود الإنساني، وتُدمر كينونته، وتُحوله إلى شيءٍ.
ومع انخراط الكل في الزمن التكنولوجي استهلاكا، فإن مظاهر عديدة بدأت تُؤشر على تحول الإنسان إلى بضاعة، بشكل مُرتب ومُنظم (ثقافة التجميل، مسابقات ملك/ملكة الجمال، برامج النجومية السريعة…) حيث يتحول إلى مفعولٍ به، وموضوع للاستهلاك والبيع، والمناورة، والتفاوض. ويزداد الوضع خطورة وتعقيدا، بفعل الإيقاع السريع للتطور التكنولوجي، الذي يبتكر خياراته المتعددة والمتنوعة، ويدفع الإنسان إلى استهلاكها بسرعة، في غياب الوعي الفلسفي- في أغلب الأحيان- بمخاطر الاستهلاك، ما يدعو إلى طرح أسئلة، يمكن تحديد بعضها كالتالي: هل يمكن الحديث عن أزمة قيم؟ أم أزمة ثقافة لم تستطع مرافقة التحولات، وإنتاج وعي بها؟ أم أزمة مجتمع لم يعد بمقدوره خلق المسافة من أجل الفهم؟ هل يرجع ذلك، إلى فشل استراتيجيات التنمية – خاصة في التجارب العربية- التي أبانت عن عدم قدرتها على العمل في أرض كلها ألغام، بسبب الأمية، ومشكل الديمقراطية، وغياب العدالة الاجتماعية، وعدم وضوح الرؤية المستقبلية؟ أم يعبر ذلك عن فشل الحضارة الغربية التي انشغلت بالتطور التقني والتكنولوجي، وأهملت الاشتغال الفلسفي بالإنسان؟ ألا نلاحظ تراجع الفلسفات التي كانت تُرافق التحولات التاريخية، وتُسائل وضعية هذه التحولات، وموقع الإنسان فيها؟ هل يمكن الحديث عن فلسفة الاستهلاك باعتبارها أخطر فكر فلسفي يُبيح تدمير الإنسان والبيئة والأرض والماء والهواء، والتفكير باسم التطور التكنولوجي؟ هل تعيش البشرية زمن البطولة ـ الإشكالية مثلما حدث مع الزمن الصناعي؟ وهل يمكن التفكير في بطولة ملغومة مع الزمن التكنولوجي؟ هل الحرية التي تمنحها التكنولوجيا للفرد لكي يُنتج خياراته، ويعبر عن قراراته، حرية ملغومة؟ من يقف وراء تحويل الإنسان إلى سلعة للمتاجرة، حسب سوق الطلب، وطبيعة المزاد؟
تلك مجموعة من الأسئلة التي نستحضرها، كلما تأملنا الإنسان وقد تحول إلى سلعة، في مزاد علني مفتوح على كل الاحتمالات. وتتعمَق هذه الأسئلة، كلما رحل مبدعٌ ومفكرٌ وعالمٌ من النخبة الثقافية، التي شكلت التاريخ العربي الحديث، وصاغت أسئلته، واقترحت مُقاربات، ساهمت في إضاءة الوعي الجماعي، مما يجعلنا نطرح أسئلة جديدة: هل يمكن الحديث عن أزمة في النخبة الثقافية؟ هل يُؤثر رحيل مفكرين وعلماء وأدباء في فراغ معرفي في النخبة؟ وهل تحتاج المرحلة نخبة جديدة، بتصورات وأسئلة مختلفة؟ أم أن الثقافة بمفهومها المألوف، تحتاج ـ بدورها- إلى إعادة النظر في منطقها، وتجديد مفهومها، تبعا لحاجيات المرحلة، وتُغير إيقاع اشتغالها، حتى تُساير سرعة التطور التكنولوجي؟ كيف يمكن التفكير في نخبة جديدة بأسئلة الحاضر، لكي تُرافق التحولات السريعة، التي تُلقي بإنسانية الإنسان في جحيم الشيء والسلعة والقطيع؟
إنها أسئلة جديرةٌ بالطرح في اللحظة التاريخية الراهنة. وأسباب شرعية طرحها، تعود إلى عدة عوامل، نذكر منها ثلاثة، نرى أهميتها في كونها تُحفز- وبإصرار- على إعلان السؤال حالة تاريخية، وموضوعا جوهريا. العامل الأول يتمثل في ما يمكن التعبير عنه بـ«اختلاط الخطابات». أما العامل الثاني فيعود إلى صدمة زمن الرحيل، الذي بات يعرف رحيل مكونات النخبة. فيما العامل الثالث، يُعتبرُ نتيجة للعاملين الأول والثاني، أو تحصيل حاصل لهما، ويُنتج مظهره الخاص، من خلال التساؤل حول هوية النخبة المثقفة اليوم، التي بمقدورها أن تُرافق ما يحدث بالأسئلة، والتصورات، والاقتراحات، ثم علاقة هذه النخبة بالنخبة التي تعرف زمن الرحيل.
نقصد بالعامل الأول «اختلاط الخطابات»، هذا التداخل المُرتبك- في غالب الأحيان- بين خطابات عديدة، تُنتج الفوضى في منطق الخطاب الثقافي. لم تعد هناك حدود فاصلة بين الثقافي وخطابات أخرى، بعضها قديم وآخر جديد. والأخطر، أن التركيبة الجديدة يتم تمريرها باعتبارها خطابا ثقافيا، ما يُحدث شرخا في مفهوم الثقافة، وينعكس ذلك على الفئة المُنتجة لهذا الخطاب. وقد تعود بعض أسباب هذه الفوضى، إلى كون الحدود بين الخطابات كانت – إلى حد ما – واضحة، من حيث منطق الاشتغال، وطبيعته. بدون أن يعني ذلك، القطيعة بين الثقافي وباقي الخطابات، إنما التفاعل كان حاضرا، وفق مُشترك إما ايديولوجي، أو فكري أو اقتصادي أو توافقي وطني.
ولعل النخب المثقفة العربية لعبت دورا طلائعيا وفاعلا، خاصة بعد استقلال الدول العربية، وبداية بناء مفهوم الدولة في التجارب العربية، بمستويات مختلفة. وهي نخبة اشتغلت في شرط حقوقي صعب، وسياسي مُلتبس، واجتماعي مُحافظ . غير أنها تمكنت من صياغة أسئلة المرحلة – حسب الوضعية التاريخية- ووضع مشاريع في التفكير، والانشغال بتحديد المفاهيم، والسعي إلى تقريبها إلى المشهد العربي، وكان في ذلك جهد كبير، لعبت الترجمة فيه دورها الكبير، وعلى الرغم من كون العلاقات الاستراتيجية السياسية بين الدول العربية لم تكن في مستوى طموح الشعوب العربية، نتيجة اختلاف المرجعيات الأيديولوجية، فقد استطاعت الثقافة بنخبتها، أن تمد الجسور عربيا، عبر الطباعة والنشر، وبناء مشاريع ثقافية مُشتركة، وخلق حراك ثقافي يُسافر بالكتاب جغرافيا. ومهما يمكن أن يُقال عن طبيعة النخبة ومرجعياتها وقراءتها للواقع العربي ونوعية أسئلتها، وهذا موقف يدخل في إطار تحليل خطابات النخبة اليوم، فلا يمكن تجاوز خطاباتها، عند الحديث عن التاريخ العربي الحديث. وعليه، فإن مفهوم المثقف كما تحقق مع النخبة، أو تم التنظير له، لم يعد ممكنا اليوم، نظرا لدخول عناصر جديدة إلى المشهد، مثل «الاستشاري والخبير والمفتي، إضافة إلى انتقال الممارسة الثقافية إلى المواقع الاجتماعية، وظهور مفهوم جديد للثقافة مثل «الهندسة الثقافية». إن هذا التعدد/المُتنوع لمجالات حركة الثقافة، يطرح سؤالا على نوعية النخبة الثقافية، الممكن تشكيلها من أجل مرافقة التحول، وإنتاج وعي معرفي مسؤول عن وضعية الإنسان اليوم (النازح، المُتاجر به، الصفقة، الشيء، السلعة، القطيع…).
أما عن صدمة زمن الرحيل، فهي ناتجة ليس عن الرحيل، باعتباره حالة وجودية طبيعية، إنما تخص تسارع رحيل النخبة التي شكلت الوعي الجماعي، والتي صاغت الأسئلة الثقافية على السياسة والمجتمع والتاريخ والدين، وكانت تُشكل برؤيتها مسارات وخيارات أمام الشعوب. والصدمة تأتي في زمن اختلاط الأوراق والخطابات، وفوضى الكلام. يُقال»في الزحمة لا نُبصر»، أو بتعبير آخر «في الفوضى لا نرى».
فهل يمكن الحديث عن مأزق للإنسان للثقافة للمجتمع للقيم؟ وحتى لا نُعقد الموضوع أكثر مما هو مُعقد، في ظل حدة التناقض الحاصلة بين المرغوب فيه، من حياة كريمة، وحالة تاريخية مُرتبة، تجعل الشعوب في وِفاق مع الحياة، وبين الممارسات (حروب، قتل، تدمير، تهجير، إبادة، انتشار أمراض، تخصيب الطائفية، اختراق إنسانية الإنسان) التي تُنتج سياسات الرعب والتشاؤم، فإن الانفتاح على المعرفة، والتمسك بها وبقوتها، والإيمان بعلوم مثل علم المستقبليات، يُعتبر من بين استراتيجيات مواجهة هذه السياسة. وكما قال عالم المستقبليات، المغربي الراحل المهدي المنجرة في كتابه «الإهانة في عهد الميغا إمبريالية»: «فلنترك اللوبيات تقوم بعملها، ولنقم نحن بعملنا، هناك دائما عراقيل في الحياة، ولكن إذا بدأت بالعراقيل لن تصل، وهذا هو الجانب السلبي في تحليلنا حيث نبدأ دائما بالعراقيل».
٭ روائية وناقدة من المغرب
القدس العربي

عن الكاتب

عدد المقالات : 34405

اكتب تعليق

© 2011 Powered By Wordpress, Goodnews Theme By Nedalshabi

التخطي إلى شريط الأدوات
الصعود لأعلى