إلياس فركوح يتحدث عن “جدلية الذات والموضوع” في تجربته الروائية

sample-ad


الايام – بديعة زيدان:قبل الحديث عن تجربته الروائية، وبالتحديد ما يتعلق بـ”جدلية الذات والموضوع” فيها، يؤكد الروائي الأردني إلياس فركوح أنه “من الحذرين في إطلاق الأحكام، والمترددين عند الحسم في مسائل تحتمل شتى القراءات”، وخاصة عند التطرق إلى أعمال تخص سواه، مؤكدا: إذا كنت أعيد النظر في ما كتبت من نصوص سابقة، متأملاً مستدركاً مكنونها بعد سنوات؛ فما بالي بكتابات لها أصحاب يملكون ما يقولون عنها، وربما بوثوق كبير أغبطهم عليه؟
لكنه فضل أن يبتعد عن إصدارات الآخرين، ويتجه إلى “قراءة لظلال الروايات” التي أصدرها حتى الآن، آخذاً بالاعتبار أن “تعاملي معها لا يعدو شهادةً عليّ وعليها: عليّ ككاتب لها أُدركُ طبيعة ما أنجزت على نحو نسبي، وعليها كأوراق تشير إليَّ غالباً، رغم التواءات السرد التخييلي”.
ويقول فركوح: قبل سبع سنوات، أصدرت كتاباً سميته “الكتابة عند التخوم”، مضيفاً إليه عنواناً آخرَ شارحاً هو: “الذات الراوية هي الرواية”! .. هكذا، بكل المباشرة والوضوح والإشهار، أعلنتُ بأنّ الكاتب الروائيّ تحديداً غير قادر على الإفلات من ذاته، داخل أعماله الروائية وعوالمها، مهما “تحايل” عليها.. أو على القارئ.
ويضيف: أحياناً يلجأ الروائي إلى هذه الذات بوصفها شخصية متعينة، قاصداً واعياً بأنه إنما يكتبُ “عنه”، فيحيل نصَّهُ إلى التجنيس الحائر الإشكالي: رواية سِيَريَّة!، أو: السيرة روائياً، أو أي اشتقاقٍ آخر! .. وأحياناً أخرى، وبدافع من الصيغة الشائعة القائلة بوجوب “النَّهْل من الواقع”، نجده يكتب منساقاً إلى نقل تجارب حياتية عاشها بالفعل، فيتحوّل، هو نفسه، إلى الشخصية الرئيسة (الراوي المباشر، أو الموصوف الرئيس، أو “بطل” الرواية)، قاصداً ذلك، أو غير قاصد جرّاء معرفته بتوالي التفاصيل التي شكلت الأحداث، جاذباً كتابته، وقارئها في الوقت نفسه، صوب ما يعرف!

الواقعية
“وهكذا يمكن لي، بناءً على ما سبق، أن أفهمَ سببَ اعتقاد كُتّاب هاتين الطريقتين، أو المَنحيين في الكتابة، القائل إنَّ رواياتهم تتصف بـ”الواقعية”، فهل هذه واقعية فعلاً؟ وهل الذات، كمفهوم، ضمن السياق السردي، هي الشخصيّة المتعيِّنة في اسمٍ وهوية وهيئة وزمان ومكان؟”، والحديث لفركوح، الذي يؤكد: يقودني اجتهادي الشخصي، مضفوراً بتجربتي وتأمّل تحولاتها، إلى الاعتقاد بأنّ الذات الكاتبة حين تتحقق عبر سردها الروائي إنما تفعل هذا
من خلال موشورها. من خلال ما أعتبره “كثافات حياتية رامزة”.
أعني؛ أنّ بناء العمل في هيكله العام المُتخيّل لا يتأتى بمعزل عن رؤية ذات الكاتب للعالم وموجوداته من حواليه، بمدلوله المادي الفيزيقي، وهذا يشير إلى أنّ التكوينات التي تتخذها الموجودات داخل النصّ، بظلالها الخاصة بها، مرتبطة ارتباطاً حتمياً بتجربته البَصَريَّة وآثارها الأولى الحافرة فيه.
ويفصّل: الروائي عندما يشيدُ بالكتابة مشهداً لمكان ما، سرعان ما يتخايل مثيله وقد استدعته الذاكرةُ المحتفظة به في “أرشيفها” نتيجة تفصيل حياتيّ خاص أحدثَ تأثيراً، كما أنّ عَينَ المكان المُستعاد، في أصله الأول، ليس بالضرورة مكاناً تحرك الكاتب في فضائه الماديّ فعلياً أو عاش؛ إذ كثيراً ما نرسو على أماكن وَشَمَت ذاكرتنا البصرية ولم تكن سوى لقطة متحركة مرّت كالومضة، في فيلم سينمائيّ قديم بالأبيض والأسود! أو صورة أصابتنا بالدهشة، لسبب ربما نجهله حتى الآن، داخل مجلة تصفحناها ذات يوم بينما ننتظر دورنا في عيادة طبيب، أو صالون حِلاقة!
عوالم حسيّة
وعلى هذا النحو، يضيف فركوح: تزخر الذات بـ”عوالم” داخلية مليئة بآثار تجاربها الحسِيّة، ما يعني (إذا أمعنّا التفكير بهذه الحقيقة) أن تلك التجارب تحديداً كان لها الدور الفاعل في تكوين هذه الذات ووسمها بميسمها.
فمن جهة، تملك الذات تلك التجارب كمحصولٍ حياتيّ خاصّ بها دون سواها تتزوَّد به عند الكتابة. ومن جهة أخرى، تملك التجارب قوةَ تأثيرها الأولى في صياغة هذه الذات وتوجيهها. ونحن، إذا صادقنا على هذه “الجَدَليَّة”، وأعملنا تأويلنا في ما ينتج عنها، حين الانخراط الدؤوب في فعل الكتابة؛ فلسوف نجد أنَّ “الذاتَ” تتماهى مع “الموضوع” لتتحوَّلَ، هي نفسها، إلى ما يشبه صورتها في مرآة النصّ! وبالتالي تنتقل لتصبحَ هي “موضوعها” الذي تعاينه وكأنما انفصَلَت عنه!
الذات
وفي حديثه عن “الذات”، يشدد فركوح: لا مهرب لي من التطرق إلى “الموضوع”، ما دمتُ بصدد الحديث عن “الذات”، بالمدلول الفلسفي الذي يحيل على أنْ ليس من وجود متحقق لأيّ ذاتٍ بمعزل عن موضوع: مَجاز/ فضاء/ مجتمع/ مدينة/ مكان/ شخصيات/ أحداث/ علاقات، يقوم بتعيينها وموضعتها.
ويتابع: كذلك ليس من “موضوع” يمكن تخيّله، بالكتابة أو بالقراءة، من غير “ذات” تمارسُ ذلك عبر تشكلها التدريجي، وتاريخها، وما خَلُصَت إليه من أفكار، ومعتقدات، وشكوك، وإيمانات. أي: من غير ذاتٍ حازت الرؤيا الخاصّة بها للعالم: جزئياً أو كلياً.
ومثلما أشرتُ إلى التكوينات البَصَريَّة الحافرة في الذاكرة باعتبارها إحدى “المرجعيات” الأساسية للذات، على صعيد الرؤية العيانية؛ فكذلك هي المحطّات الحياتية (أحداث كبيرة أو صغيرة) المفصلية في تاريخها، التي عملَت على “تكوين” وجهة نظر إلى، أو موقف من، أو شكوك حيال، إلخ، ما يعني الرؤيـا بوصفها استظهاراً وتحليلاً لِما يحدث في الخارج (الموضوع)، واستبطاناً وقراءةً لِما يمور في الداخل (الذات).
خلاصة
وللتعبير عن خلاصة ما سبق يقتطع فركوح بضع كلمات يجدها دالّة من جملةٍ كتبها الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس، ومفادها: “أنتَ تتكون من الشيء الذي تأكله. كما أنكَ المجلات المصورة التي تمعَّنتَ فيها وأنتَ طفل”.. ويقول صاحب “أرض اليمبوس”: .. ولنا، بعد هذا التصريح الصريح، أن يُجري كلّ واحدٍ منا مسحاً لتاريخه الشخصي، بوصفه ذاتاً زاخرةً بما يخصّها هي دون سِواها. وبالتالي أن يرصدَ تجلياتها في النصوص الروائية التي كتبها، ويتنبّه لها في اللاحق من كتاباته.
الذات كشخصية روائية
ويؤكد فركوح كتابة سيرة الذات، على نحو روائيّ، لا يعني أن الذات تنجلي من داخلها، بقدر ما هو كشفٌ لتاريخها من الخارج وإعادةُ صَوغٍ له. أي أنّ الذات تكتب “عن ذاتها بوصفها شخصية روائية متحوّلة ذاهبة نحو نقطة معلومة”، وهذا ليس ما أقصده بالذات داخل الرواية.. فالذات، كما أفهمها، تبدأ بالانكشاف واستظهار داخلها الكثيف تدريجياً حين الكتابة وأثناء امتداد شريطها السردي، دون أي تقصُّد؛ وهذا بدوره يعاكس السيرة في مسألة أساسيّة:
السيرة تُكتب بوعيٍ مسبق وعلى قاعدة المعرفة المحسومة، بينما أفعال الذات في بناء الرواية تتأتى بانثيال مرجعياتها المخزونة داخلها، والمكونة لها، تلقائياً وكلّما اقتضت الكتابة ذلك، إضافةً إلى إشهار الذات لقبضةٍ من الأسئلة، تجاورُ بضع إجاباتٍ تُمتحن على وَهَج الشكوك وعدم اليقين.
غريق المرايا
وإذا أجاز فركوح لنفسه طرح رواية له “كُتِبَت على وَهَج الشكوك وعدم اليقين”؛ فإنها “غريق المرايا”، روايته الأخيرة.. ويقول عنها: ثمة دَفْقٌ من التساؤلات حيال وقائع عرفتها فعلاً، وأماكنَ عشتُ فيها، وتكوينات بَصَريَّة مررتُ بها (مادية ملموسة وأخرى فوتوغرافية رَسَتْ في داخلي)؛ كلّ ذلك كان “يطفو ويتحرك” أثناء الكتابة ليؤكدَ المشهدَ تارةً، أو يستدعي حكايةً صغيرة تطرحُ سؤالاً على ما حدث وقتذاك، ويحدث بالإحالة على اللحظة الراهنة! هي الذات، ذاتي أنا، كاتبةً لتساؤلاتها عن الخارج/ مدينة عمّان، ما يعني الموضوع، رغم الاعتقاد بمعرفتها.
وهي الذات، ذاتي أنا، جاهرةً باستجواباتها عنها، وقد تحوَّلَت إلى موضوع! وكذلك، طارحةً لشكوكها في طبيعة النصّ الذي كتبته ولا تزال! ولعلّ اقتناصي لهذه الكلمات من “معجم مصطلحات نقد الرواية” (2) يفيدني في تبيان رؤيتي للذات كما بسطتها: “..هو اقتحامٌ للذات لكشف حركة النفس الباطنية ومستوى وعيها. فوراء كلّ أدب ذاتي اعتقاد بأنَّ الذات مستقلّة ولكنها شفافة أمام نظر نفسها”، علماً أن هذا التعريف جاء تحت عنوان “أدب السيرة”.
تحول الذات إلى موضوع
ويبحر صاحب “أعمدة الغبار” في التنظير العميق بقوله: أن تتحوَّل الذات الكاتبة للرواية إلى موضوع، وفقاً لتعريف المعجم الذاهب إلى “.. الذات مستقلّة ولكنها شفافة أمام نظر نفسها”، وجدتُ أني حذوتُ فعلَ هذا في رواية “أرض اليمبوس”، ولكن على نحوٍ يختلف تماماً عمّا فعلتُ في “غريق المرايا”، ففي الأخيرة كانت الذات تكتب ثم لا تلبث أن تتساءل متشككة في ما كَتبَتْ. بينما الذات في “أرض اليمبوس” جَعَلَت من “قَرينٍ لها”، كأنما منفصلٌ عنها، محاوراً مقابلاً يُساجلها: يناقضها، يستحثّ ذاكرتها، يُصَوِّبُ مجرى أحداث ماضيها وما تسردُ عنه، يطرح أسئلتها المُضمرة عليها مستريباً في وقائعها – كون الذات تتلّبسُ دور الراوي كلّي العِلْم!
ويضيف: في هاتين الروايتين تشكِّلُ الذاتُ الروايةَ، وفي الوقت نفسه تنقلبُ لتصبحَ هي الرواية.
ذاتٌ وموضوعٌ. وجهان لعجينةٍ لَدِنَة واحدة تُخْبَز على نار الريبة والشكوك والأسئلة، وتتماسك متصلبةً، في لحظات، فتبدو وكأنها سبيكةٌ قِوامُها واحد!
سؤال ختامي
ويختتم فركوح مداخلته التي قدم شيئاً منها في ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية: هل يمكننا إحالة الروايات المكتوبة وفق كلّ ما سبق إلى مجرد سير سُرِدَت في صَوغ روائيّ، أم أنها روايات استثمرَت أمشاجاً من سيرة أصحابها، ومحطّات من تاريخهم، لتبني بها عوالم جديدة، مختلفة، تعاكسُ أصولها أحياناً وتنقضها، أو توازيها وتتقاطع معها؟

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق