حوار جريدة ” الجديد ” الجزائرية مع الشاعر والناقد الفلسطيني محمد علوش

sample-ad


حاوره : الكاتب العراقي عزيز البزوني س / لقد أصبح الشعر فريسة العصر السريع الذي نعيشه من جيل انغمس في العالم الافتراضي حدّ الهذيان .
واقع الشعر العربي يعاني من جدلية الحضور والغياب في ظل المهاترات القائمة حول طبيعة ودور المشهد الشعري وجدوى الشعر ، حيث أصبح الشعر فريسة العصر السريع وتداخل الكتابة بالعالم الافتراضي وبات النظام الإلكتروني سلاحاً ذو حدين ، أعتقد أن له ما له وعليه ما عليه من جوانب سلبية وأخرى إيجابية ألقت حمولتها على ذائقة الشعر ، حيث حاول الجزء الأكبر من الشعراء العرب أن يعوضوا ذلك الفراغ وحالة العزوف والتراجع الكبير للشعر نتيجة غياب المنابر الشعرية وغياب المجلات والصحف إلى الكتابة الإلكترونية، فقد وجدوا ووجدنا في العالم الافتراضي وصفحات التواصل الاجتماعي فضاءً مفتوحا للبوح والتحليق بعيداً في فضاءات الشعر الحديث. لذلك أرى أنه من الضرورة تعزيز هذا المشهد باعتباره المساحة الأوسع للشعر الآن بعد أن تراجع على أرض الواقع كما ذكرت آنفا حيث يعاني الشعر العربي عموماً ومنذ سنوات مضت حيث تسلق من تسلق باسم الشعر واختلط الأمر على الجميع ، في حين غاب وهج القصيدة وغابت المصاحبة النقدية المطلوبة لإرساء دعائم الشعر الذي بات نوعا أدبيا غير مرغوب فيه ، فالقارئ العربي أصبح يهتم بالرواية أو بغيرها من القضايا الأخرى بعيداً عن الشعر الذي كنا نسميه ( خبز الفقراء ) أو (لسان العرب ) .

س / الشعر العربي من أيام الجاهلية يتماهى في رحلته الإبداعية كمثالٍ للذات. معظم الشعراء عبروا عن وطنيتهم “الذاتية” وعشقهم “الذاتي” وحسرتهم “الذاتية”، ولكن التعبير “الغيري” قليل والبعيد عن الاحتكار قليل جدا.
هناك تأثير كبير للبيئة المعاشة على نفسية ودور ولغة الشاعر ، حيث بات يتأثر أكثر بكثير من مستوى تأثيره وذلك لتداخل العام على الخاص والذاتي مع الموضوعي ولا غرابة في ذلك في ظل تعدد الظروف والمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، ولم يعد هناك ( الشاعر العام ) كما كنا على المستوى الفلسطيني في نظرتنا النمطية إلى محمود درويش تارة والى ( شعراء المقاومة ) تارة أخرى حيث وسمنا الشعر الفلسطيني بصورة محددة وموجهة فصار كل الشعر يندرج في إطار القضايا الوطنية والقضايا العامة التي تلامس معاناة الإنسانية المسحوقة والمعذبة والانتصار لنضالات الشعوب وحقها في تقرير المصير ومواجهة الاحتلال وقوى الإستعمار وجلاوزة الأنظمة الاستبدادية التي تمتهن كرامة وحقوق شعوبها ، حيث لمسنا تراجعاً واضحاً وكبيراً ، بل شبه غياب وقطيعة بين هذا الحضور وهذه اللغة وهذا الأداء الشعري وما بين الشعر هذه الأيام حيث لم يعد للشعر ذلك الدور التعبوي ، التغييري والرفضوي الذي تعايشت مع نبضه أجيال وأجيال في عالمنا العربي الفسيح ، فانكفأ الشاعر على ذاته وصارت الذاتية وتوظيف التفاصيل منهجاً جديداً في الشعر الحديث ، وأصبحت الصورة الشعرية والمستوى الفني وقوة التعبير والحبكة الشعرية أساساً لمتطلبات الشعر بديلاً عن الشعر التقريري والمباشر الذي كان سائداً خلال العقود القليلة الماضية ، فجاءت موجة الشعر الحديث والجديد متحرراً من قيود الماضي .
أما خلال التسعينيات وحتى يومنا هذا فقد ظهر تيار جديد للشعر ويطلق عليهم ( ضيوف النار الدائمون ) أو ( الصعاليك الجدد ) ، فقد ذهب معظمهم لكتابة اليومي والومضة الشعرية والقصيدة القصيرة عوضاً عن ما كان دارجاً حول مجمل مسيرة الشعر العربي شكلاً ومضموناً وذائقةً .
هذه الأيام نجد الأقلام تتزاحم حول الشعر وكأنه منبرٌ لمن هبّ ودب ، يقرّر فجأة أحدٌ ما أن يكون شاعراً ، فتتلقفه المنابر والحفاوة المصطنعة للمجاملة التي تشبه تبادل النخب ، ثم يضيع ويندثر مع الأيام .
إنها لحقيقة مرة ؛ فمن هّب ودّب ؛ يحاول أن يتعربش دالية الحرف الأولى وأن يتسلق جدران القصيدة وكأنها سهلة ومجانية ومبتذلة إلى هذا الحد ، متناسين أن الشعر كركيزة أساسية من ركائز الأدب ، فلا يمكن أن تكون هناك أمة حية إذا لم يكن لها شعرها وآدابها ومع انعدام حركة النقد والتمحيص والقراءات الجادة ووجود تلك المجاملات والكتابات الإنشائية والانطباعية واستسهال إطلاق المسميات لأن مؤسسة الشعر وبكل مرارة وأسف باتت مفقودة ومع سبق الإصرار ، فلم يعد للقصيدة العربية سادنها ، لذلك بات مسرحاً مستباحاً أي متطفل.

س/ قديماً كان هاجس القصيدة العربية هو المضمون ، نأخذ على ذلك مثلاً من العصر العباسي قصائد أبي نواس وأبي تمام ، وبدأت تتبدل ملامحها في العصور التي تلتها لتثور على النظام الصارم الذي وضعه الفراهيدي ، حتى وصلنا أخيراً إلى الشعر الحر.
والشعر الحر رفع لواء التحديث دون أن يمسّ بأصالة القصيدة العربية بل اهتم بهاجس الشكل والمضمون وليس المضمون فقط .
اختلفت مع الوقت أولويات الشعر العربي وتبدلت ملامح القصيدة وتغلب تيار التحديث على التيارات التقليدية الأخرى سواء كانت منسجمة مع مدرسة الديوانيين أو مع تلك الأوزان والعروض التي وضعها ” الفراهيدي ” وكان لتأثير الأدب والشعر الغربي دورا كبيرا في هذا الاتجاه ، فمنذ إرهاصات القصائد الأولى التي كتبها بدر شاكر السياب والأجيال التي واكبته والتي تلتها حيث آثر الشاعر العربي أن ينغمس في وجدان وبوح قصائده وأن يجترح مسارات جديدة للنص الشعري ، وصارت قصيدة التفعيلة ومن ثم قصيدة النثر هي الدارجة ، فالشاعر ومع كل تعلقه باللغة ومواريثها فهو منفصل عن كل الأشكال الإبداعية الجاهزة ومن هنا أرى أن اختياره لقصيدة النثر وعاء لخطابه الشعري ليس مصادفة أو هروبا من قيد اللغة والوزن كما يحلو للبعض أن ينظر وإنما حالة تماهٍ بين حساسيته ورؤيته ونتوءة واقعه المعاش ، وبما تحتمله قصيدة النثر من عصيان على التجنس الأدبي والمعرفي وبما تحمله من تمرد على الأشكال القديمة للشكل والإيقاع والبناء اللغوي.

س / الحداثة في الشعر العربي ما زالت في أوج تطورها والقصيدة العربية الأصيلة لا تفقد أصالتها إذا حدّثناها بشكلٍ مرن .
الشاعر اليوم يقترف النصوص وحده ويتحمل فجرها و عريها و هرطقتها وما يكتنفه من عنف ضد الأشكال والأنماط القديمة هو محاولة لهز شجرة اللغة لتتساقط نصا جنيا يحمل آمالاً جديدة تبعث من رمادها أغنيات وقصائد للزمن الجديد.
س / كيف تقيم النشاطات الثقافية ضمن الحروب القائمة في منطقتنا ؟
هناك حراك ثقافي متواصل رغم الظروف الصعبة والقاسية التي تواجهها دول العالم وفي القلب منها منطقتنا العربية ولكن هذا النشاط غير موجه ومتناثر وينطلق بدون أسس وبدون أن يكون قادراً على التأثير على ما يجري على الأرض من حروب وصراعات ومذابح ، حيث انعكست ثقافة القتل والدم والطائفية والعنصرية وباتت الشللية الثقافية ظاهرة مشهودة ، فالشعر والأدب يشكلان وجهة لا بد منها لتنتصر لقضايا الحق والعدل وتنتصر لكرامة وحقوق الإنسان ، ومع ذلك هذا الدم المسفوك هنا وهناك إلا أنني ألمس حضوراً مهماً للآداب من رواية وشعر بشكل خاص .
س / هل حقق النقد وجوده وانحيازه في فلسطين ؟
في العقود السابقة كانت الحركة النقدية قوية في فلسطين ، وقد واكبت وصاحبت معظم التجارب الأدبية والشعرية وسلطت الضوء على نماذج ناجحة في المشهد الفلسطيني ، وفي الآونة الأخيرة تعددت القراءات النقدية لنصوص وإبداعات الشعراء والأدباء المكرسين ، وكأن الناقد يرى أن السبيل إلى العظمة نقد نص مكرس أو أن مهمته تكمن في تقديس الثابت لا في استكناه الإبداع وتحولاته ، أو انه مقتنع حد الكفر أن النص المكرس يوصل من يكتب عنه إلى الشهرة والاحتفاء وكأن النقد ليس عملا إبداعياً يساهم في المشهد الثقافي ، بل عالة على نتاج المبدعين ، ومن هنا جاءت إسهاماتي النقدية لرفد مشهدنا الفلسطيني بجمارٍ وبذارٍ أسست وتؤسس لاستمرار تدفق الروح الفلسطينية في مروج اللغة وهامات الإبداع الحقيقي.

س/ لنتكلم عن مجموعاتك الشعرية ومؤلفاتك في مجال النقد ما الأفكار الرئيسية التي يحملها كل إصدار أو مؤلف لديك ؟ وهل للعنوان أهمية لديك ؟ هل أنصفك النقاد؟
بداية أنا من الأجيال الجديدة في الحقل الثقافي الفلسطيني ( جيل التسعينات ) فقد صدر لي عدة مجموعات شعرية وهي ( سترون في الطريق خطاي ) ، (خطى الجبل) و ( أتطلع للاتي ) وقد تم الكتابة عنها من قبل العديد من النقاد والأدباء الفلسطينيين والعرب وتم تنظيم أنشطة حولها في بعض الجامعات والمؤسسات الثقافية ، خاصة أنشطة وزارة الثقافة واتحاد الكتاب وبيت الشعر الفلسطيني ، واحتفت بها الصحافة الأدبية في فلسطين وفي العالم العربي ، أما فيما يتعلق بالنقد فقد نشرت مقالات عديدة في صحف ومجلات عربية وفلسطينية ، كما صدرت لي عدة كتب نقدية وهي ( مسيرة العطاء في شعر جمال قعوار ) و ( إطلالات من شرفة النقد ) وأخيراً وليس آخراً فقد صدر لي كتاب جديد يحمل عنوان ( مرايا لشرفات النص ).
وقد حاولت من خلال هذه المساهمات أن ألقي الضوء على نصوص وتجارب يجافيها النقاد و مؤسساتهم الأكاديمية والإبداعية ويتركها وحيدة تقطع سهوب النصوص والخطاب والابتداع دون أن يحتفي بناياتها احد أو أن يصوب مسيرتها دون أن يحاور جموحها احد وذلك انحيازاً مني لصيرورة العمل الثقافي وضرورة إسهام النقد في مواجهة كل الظواهر التي يغذيها التهميش والشللية ، وأنا هنا لم أقدّ قميص النصوص التي شغفتنا حبّاً ، ولكنني أدعو وسأبقى أدعو لقدِّ قميصها ومراودتها عن خطابها ومعانيها والتأسيس لحركة نقدية باعتبار النقد رافعة التغيير وجدل التطور ، وأي حركة أدبية بدون نقد سيصيبها التكلس وهشاشة النصوص وستسقط في المحاكاة والتقليد.

sample-ad

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة