تحديات ما بعد المصالحة الفلسطينية ..بقلم:بقلم : نبيل السهلي

sample-ad


تبرز أسئلة كثيرة حول التحديات التي ستواجه حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية برئاسة رامي الحمد الله، بعد المصالحة مع حركة «حماس» وبعد الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة الذي امتد لأكثر من عشر سنوات. ويمكن الجزم بأن التحدي الأهم والأبرز هو وضع أسس لاستمرار الوحدة الوطنية الفلسطينية والاتفاق على توجهات كفاحية مشتركة على كافة الصعد، حيث سقط الرهان على استمرار المفاوضات، فبعد أكثر من أربعة وعشرين عاماً من اتفاقات أوسلو (1993-2017) تشير الحقائق إلى تضاعف النشاط الاستيطاني في شكل ملحوظ، سواء في مقياس مصادرة الأراضي أو في بناء المستوطنات في الضفة الغربية ومن بينها مدينة القدس التي تتعرض لأكبر هجمة استيطانية منذ عام 1967.
ومن الأهمية الإشارة إلى أن وحدة الصف الفلسطيني ستكون مقدمة أساسية لجمع القدرات الكامنة لدى الشعب الفلسطيني لمواجهة التحديات التي تعصف بالقضية الفلسطينية، وفي المقدمة النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، والجدار العازل الذي يعتبر أكبر مشروع استيطاني منذ عام 1948، ناهيك بالسياسات الإسرائيلية الرامية إلى إخراج فكرة يهودية الدولة إلى حيز الوجود من خلال إصدار رزمة من القوانين العنصرية الجائرة خلال العامين الماضيين. ومن التحديات الأخرى التي يواجهها الفلسطينيون بعد المصالحة ضرورة العمل على فك الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي، وإيجاد السبل للانطلاق بتنمية مستقلة تدفع باتجاه الحد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية، مثل البطالة، التي وصلت معدلاتها إلى 45 في المئة في قطاع غزة ونحو 20 في المائة في الضفة الغربية، وقد يكون من باب أولى العمل على فتح أسواق عربية من شأنها الحد من الهيمنة الإسرائيلية على التجارة الخارجية للضفة والقطاع، حيث تسيطر إسرائيل على 90 في المئة من إجمالي التجارة الخارجية بشقيها من الصادرات والواردات.
ومن شأن المساعدات العربية كبديل للمساعدات الغربية أن تعزز خطوات تنمية فلسطينية مستقلة عن سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي أوقعت الاقتصاد الفلسطيني في شرك المساعدات الأميركية والأوروبية المشروطة أساساً، وفق توجهات المتبرعين، وقد تّمكن المساعدات العربية الاقتصاد الفلسطيني من تحسين أدائه عبر فتح قنوات تشغيل وخلق استثمارات جديدة، ومن شان ذلك فتح فرص عمل لآلاف الفلسطينيين، ومع تحسين أداء الاقتصاد الفلسطيني يمكن أن تكون خيارات التعليم والصحة وإعادة إعمار ما دمرته الحروب الإسرائيلية المتكررة على غزة متاحة في شكل أوسع للفلسطينيين، وهذا بدوره سيزيد فرص رفع سوية التنمية البشرية ومؤشراتها المختلفة التي باتت معياراً لتطور الشعوب والأمم.
ويمكن تعزيز الاعتراف بفلسطين كدولة في المؤسسات الدولية إذا استطاع الفلسطينيون ترسيخ المصالحة بالأفعال وليس بالأقوال، ومن ثم التوجه بخطاب سياسي ديبلوماسي موحد وجامع بعد وضع برنامج وإستراتيجية مشتركة، ولا يمكن أن تكتمل دائرة المصالحة الحقيقية من دون تفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية، فضلاً عن مشاركة واسعة من الغالبية الصامتة من الشعب الفلسطيني في الداخل الفلسطيني والشتات، ونقصد بالقوة الصامتة الفعاليات السياسية والاقتصادية وهيئات المجتمع المدني لحماية المشروع الوطني ورسم مستقبل الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه الثابتة، وقد يكون ذلك بمثابة جدار متين في مواجهة رؤية إسرائيل التي تسعى إلى جعل السلطة الوطنية الفلسطينية مجرد شرطي لحماية المحتل الإسرائيلي وإنجازاته على الأرض الفلسطينية.
ترسيخ المصالحة الحقيقية سيكون بمثابة طوق نجاة للحد من الضغوط الإسرائيلية والأميركية على الفلسطينيين، ويرفع في الوقت نفسه من سقف الخطاب السياسي الفلسطيني، بعد مفاوضات عبثية امتدت أكثر من عقدين من الزمن، بحيث يكون من السهولة المطالبة بتفكيك معالم الاحتلال، ومنها المستوطنات، عوضاً عن تجميدها، وكذلك يمكن المطالبة بتطبيق قرارات دولية صادرة، ومنها تلك القرارات المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين، والسيادة على المياه الفلسطينية التي تسيطر عليها إسرائيل، واعتبار المستوطنات غير شرعية، خصوصاً أن هناك قبولاً بعضوية فلسطين في العديد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة كان آخرها قبول عضوية فلسطين في الانتربول.
وقد يكون أجدى للفلسطينيين في المدى المنظور المطالبة بتدويل عدة ملفات، وبخاصة الاستيطان والأسرى والمياه، ناهيك بضرورة العمل لتفعيل وتطبيق القرارات الدولية التي تعتبر كافة الأعمال التهويدية الاحتلالية في القدس باطلة، وفي المقدمة التغيرات الجغرافية والديموغرافية، كما تحتم الضرورة المطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم الوحيد فلسطين والتعويض المادي والنفسي عن الأضرار التي لحقت بهم إثر نكبة 1948، وثمة قرارات دولية تدعو إلى ذلك وفي المقدمة القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.
إن التحديات الجمة التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني تتطلب الإسراع بترسيخ المصالحة الفلسطينية في شكل حقيقي يتعدى الشكليات، وإنهاء حالة الانقسام في الساحة الفلسطينية من دون رجعة، نزولاً عند مطالبات الشعب الفلسطيني، فتجميع الجهد الفلسطيني والاتفاق على برنامج سياسي مشترك وخيارات سياسية وكفاحية مستقبلية من شأنها أن تحد من السياسات الإسرائيلية الجارفة، وفي مقدمها النشاط الاستيطاني الذي يقضم الأرض، ويفرض جغرافيا سياسية إسرائيلية قسرية وبخاصة في مدينة القدس.
عن «الحياة»

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة