ماذا بعد إغتيال القدس ؟ مؤشرات إستراتيجية العمل في المرحلة المقبلة ..بقلم: الدكتور لبيب قمحاوي

sample-ad


تدور أحاديث شعبية عربية و فلسطينية بعضها هامس وبعضها صاخب تُدين معظم الزعماء العرب على ما وصل إليه الحال وعلى كون معظمهم إما يعلمون مسبقاً أو أنه قد تم إبلاغهم من قِبَل الرئيس الأمريكي ترامب قبل أن يعلن قراره بالإعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال الاسرائيلي. وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة هذا الافتراض ، إلا أن الحقيقة تبقى أنه يعكس شكوكاً شعبية جماهيرية عربية عميقة ومُبَررة الى حدٍ كبيرٍ تتعلق بالأمانة السياسية لحكامهم و استقلال إرادتهم و قدرتهم على حماية مصالح وثوابت شعوبهم .
لم يتفاجأ أي من الحكام العرب مما فعله ترامب، وبعضهم ربما وَاكَبَ تطور هذا القرار بصمت و خنوع . ولكن تبقى الحقيقة أن ما يتم فعله الآن فلسطينيا وعربياً و إسلاميا إنما هو رد فعل ضعيف وخانع يخلو من أي قيمة حقيقية مقارنة بالفعل الذي تم، في محاولةٍ أمريكيةٍ واضحةٍ لشرعنة الاحتلال واغتيال كافة قرارات الشرعية الدولية.
إن سطوة الاحتلال وجبروت القوة يجب أن لا تعني توفر الحق في فرض إرادة القوي . فأولوية الحق هي مايجعل للقانون سطوة تفوق قوة و جبروت السلاح . و ما فعله الرئيس الأمريكي هو إلغاء ” أولوية الحق ” لصالح ” سطوة القوة ” و إعطاء ما أسماه ” بالأمر الواقع” «الشرعية» التي يفتقد لها. ان القرار رقم 478 الصادر عن مجلس الأمن يرفض مثل هذا الأمر بالتحديد و القرار رقم 2334 يرفض أي تغييرات في الأراضي المحتلة ومنها القدس إلا بإتفاق الأطراف من خلال المفاوضات . وترامب ضرب كل ذلك وغيره بعرض الحائط ومن هنا كان هنالك اجماع من كافة الأطراف الدولية على رفض قرار ترامب والتأكيد على أنه يُجَافي الشرعية الدولية .
ان هذا الرفض الدولي المدوي قد يقلب السحر على الساحر ، وقد ترى اسرائيل نفسها معزولة مجدداً نتيجة لقرار يرفضه الجميع و يؤكدون من خلاله على عدم شرعية الاحتلال واجراءاته وعلى حق الفلسطينيين في القدس . وقد يكون في ذلك مدخلاً لنهج جديد في العمل من أجل فلسطين، ولكن تبقى الحقيقة أنه لا يوجد حل عربي أو إسلامي لمشكلة فلسطين.
الحل يجب أن يكون فلسطينياً في الدرجة الأولى، و بالتحديد من داخل فلسطين نفسها. أما الباقين فدورهم داعم . ولكن يبقى الأساس أن لا يقوم أحد من الباقين سواء فلسطيني أو عربي أو إسلامي بطعن قضية فلسطين في الظهر واستعمالها كورقة تنازل – ولا أقول تفاوض – في علاقة ثنائية آثمة بين أي من تلك الدول وأمريكا أو اسرائيل مثلاً . وهكذا، وبصراحة، على الجميع أن يتعلم درسه، وخصوصاً الفلسطينيين تحت الاحتلال، بأن العالم من حولهم عبارة عن غابة مملؤة بحكام كل منهم يريد أن يقضم قطعة من قضية فلسطين أو أن يتاجر بها، و شعوب مفككه غير قادرة على فرض إرادتها على حكامها، وأن لا يُسلمَّوا زمام أمورهم بالتالي لقيادة قد تكون راغبة في الولوج في مسار يقبل بالاحتلال و شروطه مقابل مكاسب شكلية و/ أو شخصية.
دور فلسطيني الداخل مشروع ، وما يقومون به من أعمال تهدف إلى إزالة الاحتلال هي أعمال مشروعة إذ لا يستطيع أي نظام أو سلطة أو أي هيئة دوليه أن تمنع شعباً تحت الاحتلال من العمل على إزالة ذلك الاحتلال. ومن هذا المنطلق فإن الانتفاضة الفلسطينية الأولى كانت أهم و أكثر وقعاً وتأثيراً على مجرى الأحداث واكتسبت عطف العالم و خلقت بلبلة وحالة من الفزع داخل أوساط مجتمع الاحتلال الاسرائيلي، في حين أن الإنتفاضة الثانية والتي تم تسخيرها من قبل القيادة الفلسطينية في حينه لأهداف خفية لم تحظ بنفس التعاطف والتأييد والنتائج التي حصلت عليها الإنتفاضة الأولى والتي جاءت نقية من شوائب تلاعب القيادات.
ان مرحلة ما بعد ” اغتيال القدس ” على يد رئيس الولايات المتحدة ترامب يجب أن ترتقي موضوعياً الى مستوى الأخطار المتزايدة . وهذه المرحلة يجب أن تتسم بالوضوح و الشجاعة اللازمين لوضع مسار جديد و أهداف واضحة. وانطلاقاً من ذلك ، فإن برنامج العمل للمرحلة القادمة و المستقبلية يجب أن يستند الى الحقائق التالية: ـ
أولاً : إعادة التأكيد أن الولايات المتحدة ليست وسيطاً محايداً ولن تكون كذلك أبداً، وهي منحازة استراتيجيا لإسرائيل انحيازاً كاملاً. كما أن إسرائيل لا تريد ولا ترغب في أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين تتضمن أي شكل من أشكال الانسحاب من أي بقعة من فلسطين.
ثانيا ً: الاعلان عن سقوط نهج المفاوضات و التسوية السياسية مع الاحتلال الاسرائيلي . فضمن مُحدَّدات معادلات القوة السائدة حالياً فإن ذلك النهج لن يؤدي الى أي مكسب للفلسطينيين بل سيؤدي الى خدمة الاحتلال و شرعنَتِهِ.
ثالثاً: الاعلان عن سقوط كل المراهنين على نهج المفاوضات.
رابعاً: ربط الاعلان بسقوط نهج المفاوضات و التسوية السياسية بإلغاء كل ما تمخض عن ذلك النهج من إتفاقات و مؤسسات بما في ذلك اتفاقات أوسلو و السلطة الفلسطينية نفسها بكل مؤسساتها.
خامساً: الاعلان عن عودة منظمة التحرير الفلسطينية قائدة للنضال الفلسطيني و تأكيد نهجها النضالي الأصلي و إستمراريته كمدخل وحيد و رئيسي للعمل الفلسطيني وكما ورد في الميثاق القومي الفلسطيني، خالياً من أي تعديلات قد طرأت عليه، و الاعلان بالتالي عن فك أي ارتباط بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.
سادسا ً: مطالبة حركة فتح وكافة الفصائل الفلسطينية بتطهير نفسها و التخلص من نهج التسوية السياسية و المفاوضات والتنسيق مع سلطات الاحتلال، دون أن يعني ذلك تخوين أحد بقدر ما يعني التأكيد على فشل النهج الذي يؤمنون به.
سابعاً: إتخاذ قرار عربي مُلزم صادر عن مؤتمر قمة استثنائي بإعتبار اسرائيل العدو الاكبر و الأساسي و رفض أي ايحاء أو مسار بإمكانية التحالف معها ضد أي دولة أخرى مهما كان السبب . فخطر اسرائيل على العرب ومستقبلهم هو أكبر من أي خطر آخر، وبالتالي إعتبار أي مبادرات عربية في اتجاه فرض أو تسويق نهج التسويات السياسية لاغية ، بما في ذلك مبادرة السلام العربية، وسحبها جميعاً من التداول علماً أن اسرائيل قد ضربت بها عرض الحائط أصلاً .
أما أهداف برنامج العمل للمرحلة المقبلة فيجب أن تسعى للوصول الى ما يلي:
أولاً: الهدف السامي في التحرير و التخلص من الاحتلال ، والى أن يتم ذلك العمل على تقويض أركان نظام التمييز العنصري القائم ضد الفلسطينيين تحت الاحتلال.
ثانيا: إعتبار المسؤولية الأساسية و الأولى للوصول الى هدف التحرير هي مسؤولية الفلسطينيين تحت الاحتلال و اعتبار مسؤولية باقي الفلسطينيين في المهجر وكذلك العرب و المجتمع الاسلامي والمسيحي والانساني مسؤولية مُسانِدَة وداعمة دون أن يعني ذلك تملُّك الحق في تقرير أي حل سياسي للقضية الفلسطينية و فرضه على الفلسطينيين.
ثالثاً: إعتبار أي نهج نضالي يختطه الفلسطينيون تحت الاحتلال نهجاً مشروعاً ومنسجماً مع الحق المشروع للشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة ذلك الاحتلال والسعي الى التخلص منه. وفي هذا السياق فإن الفلسطينيين تحت الاحتلال مطالبون بالتخلص من إرث ومفهوم “الاحتلال الهادئ والمنضبط ” والذي فرضته القيادات الفلسطينية السابقة كثمن لإتفاقات أوسلو.
رابعاً: ان اسقاط القرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس كعاصمة للاحتلال الاسرائيلي، وعلى خطورته، يجب أن لا يعتبر هدفا وحيداً للنضال في المرحلة المقبلة. الهدف يجب أن يُرَكَّز على الغاء الاحتلال بكافة الوسائل المتاحة . وعلى أي حال ، وانطلاقاً من شرعية القرارات الدولية و المبدأ القانوني الذي ينص على أن ” ما بُني على باطل فهو باطل ” فإن القرار الأمريكي يعتبر باطلاً في أصوله.
هذه بعض المؤشرات التي يجب أن تكون نِبْراساً هادياً للجميع في المرحلة المقبلة. إن تَملُّك الشجاعة للإعتراف بالخطأ أمر أساسي للنجاح في الانتقال الى مسار جديد قد يكون اكثر فاعلية . هذا ما يتوجب على الفلسطينيين فعله وعلى العرب فهمه واستيعابه.
عن صحيفة القدس

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة