عن تجربة «رقمنة البشر»..بقلم :عبد الغني سلامة

sample-ad

في فيلم تسجيلي منشور على “اليوتيوب”، يتناول مقدم برنامج “الدحيح” تجربة الصين في تحليل البيانات الضخمة، واستعمالها في التحكم في المجتمع، ضمن تجربة يمكن تسميتها “رقمنة البشر”؛ حيث تقوم الحكومة بتتبع المواطنين من خلال تحركاتهم الإلكترونية (تسوق، معاملات بنكية..)، واستخداماتهم لوسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تويتر، سكايب..) ومن ثم تحليل البيانات الهائلة المتدفقة من هذه الشبكة الضخمة، وتصنيفها؛ أي تصنيف المستخدمين لها وفقاً لمعايير محددة؛ فمثلا قد تحدد علامة معيارية (عشرة على سبيل المثال)، وبالتالي سيكون كل مواطن يقترب من الرقم عشرة هو مواطن صالح في نظر الدولة، وعليه سيحصل على كافة التسهيلات التي سيحتاجها في حياته (الحصول على قرض، رخصة قيادة، بناء بيت، إنشاء شركة، معاملات في مؤسسات الدولة، السفر، مدارس، جامعات، الانضمام لمؤسسة، التوظيف…)، وإذا حصل على علامة متدنية سيعرقل النظام كل معاملاته، بل وقد يتعرض لعقوبات.. وبالفعل منعَ هذا النظام في العام الماضي 2017 ملايين الصينيين من السفر للخارج، أو ركوب الطائرات والقطارات، وأعاق وأخّر معاملات ملايين آخرين.. ولحد الآن هذا النظام اختياري، ومقتصر على مستخدمي الإنترنت، لكنه في العام 2020 سيصبح نظاما إجباريا، سيشمل كافة مواطني الدولة.
مقدم البرنامج يقول إن هدف الحكومة من هذا النظام هو خلق “إله” افتراضي للمواطنين، خاصة وأن أغلبية الصينيين ملحدون، ولا يؤمنون بأي إله، وبالتالي لا يشعرون بوجود إله يراقبهم ويحاسبهم.. وعليه؛ فإن هذا النظام سيكون بمثابة “الإله” الذي سيشعر كل مواطن برقابته، وسيخاف من عقابه، وسيطمع في رضاه.
وسواء كان هذا التحليل صحيحا، أم لا، فإن هذا “الإله” لا يرحم، ولا يغفر.. لأن المواطن لا يمتلك أي فرصة لتبرير أفعاله وأقواله، والمشكلة أن هذا النظام لا يتابع الشخص المستخدم وحده فقط؛ بل ويتابع أصدقاءه ومعارفه، فقد يدين الشخص لأن صديقه نشر “بوست” أو صورة لا تعجب الدولة، ولم يقم هذا الشخص بالاعتراض عليها.. والمشكلة الأخرى أن المجتمع نفسه سيصبح منقاداً لهذا النظام، ويتعامل فيما بينه وفقاً لمعاييره، بمعنى أنه إذا أراد شخص الاقتران بأسرة ما، قد يطلب والد العروس معرفة تصنيفه الائتماني في هذا النظام، لأنه يدرك أنه إذا كان متدنيا لن يحصل على عمل، ولن يكون بمقدوره إسعاد عروسته.. وعلى ذلك قِـس..
في واقع الأمر، هذا النظام هدفه إخضاع المجتمع، وتنميطه، والسيطرة عليه، والتحكم به بشكل مطلق.. والحكومات الصينية المتعاقبة أكثر من يدرك أهمية السيطرة على مسارات وحركات المجتمع وأفراده، بسبب عدد السكان الهائل، ولأن تجربة الدولة في السيطرة على معدلات المواليد مثلا كانت من بين أهم أسباب نجاح الصين في التحول إلى دولة غنية وقوية.. بعد أن كانت تعاني من المجاعات والفقر.
المشكلة أن استخدامات وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد خيار ترفي؛ صارت الوسيلة الأرخص للتواصل بين الناس، ومع العالم الخارجي، التي تقدم إلى جانب التسلية، المعرفة، والمعلومة؛ بل وصارت ضرورية في عالم الأعمال والبزنس والعلاقات العامة والأبحاث.. ما يعني استحالة التخلي عنها.. كوريا الشمالية مثلا حظرت هذه الوسائل كليا (ريحت راسها)، وعزلت نفسها عن العالم، لكن النموذج الكوري في إخضاع الشعب وقهره نموذج فاشل، ولا يمكن تعميمه. النموذج الصيني خطير جدا، وخطورته في ذكائه، وحاجة الناس إليه.. وإمكانية تعميمه على مستوى العالم..
كيف أمكن ذلك؟
الجواب ببساطة، من خلال ما يُعرف بِـ “تحليل البيانات الضخمة Big Data analysis”؛ ويعرّف معهد “ماكينزي” العالمي البيانات الضخمة بأنها “مجموعة البيانات التي تفوق حجم أو قدرة أدوات قواعد البيانات التقليدية من التقاط، وتخزين، وإدارة وتحليل تلك البيانات”، أي أنها بيانات ضخمة للغاية، ولا يمكن للمختصين جمعها وتحليلها وتصنيفها والاستفادة منها إلا عبر تقنيات معينة.
قد تكون هذه البيانات حركة السفن والطائرات، أو حالة الطقس في العالم، أو مؤشرات البورصات العالمية، أو البيانات الشخصية للمواطنين، أو مؤشرات التبادل التجاري بين الدول، أو أسعار السلع والخدمات، أو استخدامات بطاقات الصراف الآلي، أو ما يُنشر على الإنترنت، ومحركات البحث.
وتتميز هذه البيانات الهائلة بمستويات إنتاجها وتداولها الكبير جدا، وفي وقت قصير وسريع، وأن هذه البيانات تأتي من مصادر وأشكال مختلفة ومتنوعة، ودرجة مصداقيتها تختلف بشكل أو بآخر، ما يجعل تحليلها يحتاج إلى أنظمة وبرامج خاصة، وعموما هذا المجال يعتبر من بين أهم مهن المستقبل وأعلاها دخلا.
وللبيانات الضخمة فائدة كبيرة للمؤسسات والشركات، حيث تعطيها فهما أعمق لعملائها ومتطلباتهم، وتساعدها على اتخاذ القرارات الأصح بناء على المعلومات المستخرجة، وبالتالى زيادة الكفاءة والربح وتقليل الفاقد، ولا تتوقف الاستفاده من البيانات الضخمة على المؤسسات والمشاريع التجارية بل تشمل مجالات الطاقة والتعليم والصحة والمشاريع العلمية الضخمة، وأيضا أجهزة الأمن والمخابرات التي ترصد وتحلل وتتابع المواطنين من خلالها.
ولكن، هنالك ما هو أخطر من ذلك كله.. “إنترنت الأشياء Internet of Things”؛ وهي التقنية المستقبلية التي أخذت تدخل بشكل تدريجي إلى حياتنا اليومية، بما يشمل أدق التفاصيل. هذه التقنية تعتمد على تحويل كل الأشياء (من بشر وأجهزة وجمادات)، وكل ما نقوم به من أعمال إلى مجموعة بيانات. من خلال حقن شريحة متناهية الصغر في كل شيء من حولنا، بما في ذلك البشر أنفسهم، فيصبح لكل شيء IP، ثم ربطها معا ببيانات مشتركة تتحكم بها ليس الحكومات، بل الشركات الكبرى التي تنتج هذا النظام وتتحكم به.
وهذا لا يتيح إمكانية الرقابة الحثيثة، وحسب، لدرجة فقدان الناس خصوصياتهم، بل وأيضا التحكم بهم، والسيطرة على أفعالهم، عن طريق ما يُعرف بالرسائل الضمنية الخفية، وهي ذبذبات صوتية منخفضة جدا، أو صور سريعة لدرجة لا تدركها الأبصار، ما يعطي إمكانية بث تلك الرسائل للناس، وبذلك يتم التحكم في أمزجتهم وميولهم، وتوجهيهم حسب ما تريد الجهة المسيطرة.
للتقدم العلمي والتكنولوجي إيجابيات لا حصر لها، ولكن، أيضا له مساوئه وسلبياته.
أخطر ما في الموضوع، أن تأتي التكنولوجيا على إنسانيتنا، فتمحقها، وتحولنا إلى مجرد أشياء، وأرقام، وروبوتوتات، وهياكل بشرية خاضعة ومسيَّرة.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة