ثمن الشرخ في العلاقات الأميركية ـ الأوروبية بقلم: لينا الخطيب

sample-ad


جاءت زيارة الرئيس دونالد ترمب للمملكة المتحدة الأسبوع الماضي لتسلط الضوء على العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. هذه العلاقة لا تزال قوية نسبياً، ولكنها تواجه تحديات أوسع نطاقاً تتجلى في علاقات الولايات المتحدة عبر الأطلسي مع باقي أوروبا. شؤون الشرق الأوسط جزء من هذه التحديات التي إن لم تتخطَّها كل الأطراف، فالرابحون سيكونون إيران وروسيا والصين.
قبل الكلام عن العلاقات الأميركية – الأوروبية يجب التنويه بأنه لا يمكن الحديث عن موقف مشترك في أوروبا تجاه الصراعات في الشرق الأوسط. أولاً، من المرجح أن يجعل خروج بريطانيا المرتقب من الاتحاد الأوروبي المملكة المتحدة أكثر توافقاً مع الولايات المتحدة من بقية أوروبا في عدد من القضايا.
ثانياً، تختلف الدول الأوروبية نفسها في كيفية التعامل مع الصراعات المختلفة في المنطقة. فقد تعاملت إيطاليا مع الهجرة غير القانونية من القارة الأفريقية عبر ليبيا من خلال ترتيب فردي تدفع فيه الحكومة الإيطالية المال للجماعات المسلحة التي تعمل «حرس خفر للسواحل» في ليبيا مقابل منع هذه الجماعات المهاجرين من عبور البحر المتوسط إلى أوروبا. وفي حين شاركت فرنسا في العمل العسكري في سوريا، ليس فقط كجزء من التحالف الدولي ضد «داعش»، ولكن أيضاً في هجوم الصواريخ البريطانية الأميركية الفرنسية التي أطلقت في (نيسان) ضد أهداف النظام السوري في أعقاب استخدامه الأسلحة الكيماوية، هذا الإجراء هو عكس الموقف الذي تتخذه ألمانيا، التي ترفض التدخل العسكري من أي نوع.
كما تواصل المملكة المتحدة سعيها لدعم المجتمع المدني في سوريا بينما تخطط بعض الدول الأوروبية الأخرى لوقف هذا الدعم تحت ذريعة أن المال سيكون عرضة للتدفق إلى المجموعات الإرهابية.
إن الاختلاف ضمن الدول الأوروبية المختلفة وبينها وبين الولايات المتحدة فيما يتعلق بالصراعات في الشرق الأوسط لا ينبع من عدم وجود فهم مشترك للمنطقة بقدر ما هو بسبب الأولويات الوطنية المتباينة. على سبيل المثال، تنظر بلدان أوروبا القارية إلى الصراعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل أساسي من خلال منظور الهجرة غير القانونية، وهي ليست الطريقة التي ترى بها الولايات المتحدة هذه الصراعات أساساً.
الاختلاف الرئيسي بين الولايات المتحدة وأوروبا يتعلق بالأهمية النسبية للشرق الأوسط لكل معسكر. لا يبدو أن الإدارة الأميركية الحالية تعتبر نزاعات المنطقة ككل أولوية سياسية. إن أوروبا أكثر اهتماماً فقط بسبب قرب المنطقة الجغرافي ما يجعل التهديد الناشئ عن الشرق الأوسط أكثر إلحاحاً. لكن هذا لا يترجم إلى سياسات أفضل في أوروبا من تلك في الولايات المتحدة.
فأوروبا تخسر بوصلتها الأخلاقية، إذ إن إجراءاتها وقيمها لا تتطابق دائماً، وتتفاوت بشكل كبير من بلد أوروبي إلى آخر، كما يتضح من مثال معالجة إيطاليا للمهاجرين غير الشرعيين الذين يمرون عبر ليبيا والمشار إليهم سابقاً. كما أنها تفقد نفوذها، فتأثير الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط الآن أقل مما اعتاد أن يكون، وذلك بسبب انشغال أوروبا بشؤونها الداخلية. كما أن أوروبا تخسر التماسك، حيث يصعّب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وغيره من الانقسامات تكوّن موقف أوروبي موحد تجاه قضايا الشرق الأوسط. كما أنها تفقد مركزها السياسي على المستوى الدولي، بعد أن أثبتت أنها غير قادرة على حل الأزمات في الداخل مثل أزمة أوكرانيا. وقد مهدت نقاط الضعف في أوروبا وكذلك سوء إدارة أوباما للصراع في سوريا، من بين قضايا أخرى، الطريق أمام روسيا والصين سعياً لتعزيز مصالحهما الخاصة في الشرق الأوسط.
اختلاف آخر بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية يتعلق بإيران.
يمكن اعتبار انسحاب الولايات المتحدة من الصفقة النووية مؤشراً للرغبة في تغيير النظام في إيران على المدى المتوسط. تقوم بعض الدول الأوروبية بتقييم ما إذا كان من المحتمل حدوث هذا السيناريو أم لا. لكن الاتحاد الأوروبي لا يزال حريصاً على إنقاذ الاتفاق النووي، وينظر إلى نظام الحكم في إيران بقدر أكبر من المرونة. أوروبا هنا تبدو أقل قلقاً من وجود النظام الإيراني الحالي ودوره في تهديد للسلام والاستقرار من الولايات المتحدة الأميركية.
وبالتالي، في غضون شؤون الشرق الأوسط، فإن إيران هي نقطة الاحتكاك الرئيسية بين الولايات المتحدة وأوروبا اليوم. يبدو أن أوروبا تحبذ الحفاظ على الوضع الراهن على أساس أن الاتفاقية النووية ستمهد الطريق لصفقات أوسع في المستقبل، وهو أمر تعارضه الإدارة الأميركية الحالية بقوة. يمكن التغلب على هذا الاحتكاك من خلال التنسيق بين الولايات المتحدة وأوروبا للعمل معاً (وليس الوقوع في فخ «الغرب المنقسم» الذي سيكون لمصلحة النظام الإيراني)، حيث يلعب كل طرف دور «الشرطي الجيد» أو «الشرطي السيئ» في تقديم حوافز لإيران أو ممارسة ضغوط عليها. وهذا يتطلب توازناً دقيقاً وتخطيطاً وتنفيذاً دقيقين.
ولكن لا يبدو أن أوروبا لديها الرؤية والإبداع لاتباع هذا المسار. مع تصاعد الضغوط الأميركية على الشركات الأوروبية التي تتاجر في إيران أو تستثمر فيها، بسبب العقوبات الأميركية، من المرجح أن تنمو الفجوة بين الولايات المتحدة وأوروبا حول إيران مع انسحاب مزيد من الشركات الغربية من إيران بسبب الضغط الأميركي.
هذا لا يعني أنه لا توجد مجالات للتعاون بين الولايات المتحدة وأوروبا في الشرق الأوسط. يجب أن يكون دعم الاستقرار وإعادة الإعمار في العراق أولوية لكل منهما، ما ينطبق أيضاً على دعم المجتمع المدني في سوريا، إذ إن المجتمع المدني السوري بحاجة إلى الاستمرار خصوصاً في المناطق التي يستردها النظام بالقوة. وإذا طورت الولايات المتحدة حلاً عملياً للنزاع السوري، فيمكن لأوروبا أن تلعب دوراً في تنفيذه.
المشكلة الرئيسية التي تواجهها العلاقة عبر الأطلسي عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط ليست عدم وجود مجالات للتعاون، إذ إن هناك كثيراً من القضايا التي يمكن للجانبين العمل عليها. المشكلة هي عدم وجود الإرادة السياسية للمشاركة بشكل خلاق. هذا الفراغ سيفسح المجال أمام إيران وروسيا والصين لابتلاع المنطقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

sample-ad

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة