عن الصهيونية ودولة المستوطنين الظلامية

sample-ad


عند قراءة مقال رد فيه حنان عميئور (“هآرتس”، 9/7) على مقال لكارولاينا لندسمان ومقال لي (29/6)، يتبين للعيان فشلان اساسيان للوعي، يميزان إسرائيليين كثيرين عند خروجهم من نظام التعليم في إسرائيل. هذان الفشلان المعروفان جيداً بالنسبة لي ولزملائي وزميلاتي في تعليم العلوم الانسانية واليهودية في الجامعات من خلال الالتقاء مع عدد من الطلاب، وهما احيانا متجذران عميقا في اوساط الاسرائيليين الى درجة أنه لا يكفي الحصول على لقبين في الجامعة من أجل اجتثاثهما.
الفشل الاول هو الفشل في فهم المقروء. كتب عميئور أنه حسب موقفي فان رؤساء الصهيونية عارضوا اقامة الدولة اليهودية. وفي المقابل وافقوا على فكرة دولة لكل مواطنيها (التي فيها اليهودية شفافة ومنسية). ولكني قلت إن زعماء الصهيونية التاريخية، الذين أيدوا بالتأكيد دولة يهودية ذات اغلبية يهودية وثقافة يهودية حديثة، أرادوا تنظيمها من ناحية قانونية كدولة كل مواطنيها – دولة فيها كل المواطنين على اختلاف مجموعاتهم العرقية – القومية سيكونون شركاء كاملين في السيادة الداخلية الحاكمة.
حسب زعمي هذا، لا توجد أي علاقة بدرجة محبة آباء الصهيونية لليهودية كديانة، لذلك فان الحملة المسلية التي يقوم بها عميئور عبر الاقتباسات المزورة لدحض “زعمي” واثبات الى أي مدى قدر الصهاينة الرئيسيون الديانة اليهودية لا تعمل اكثر من هدر الكلمات عبثا. من الواضح أنه حتى هرتسل، الذي كتب في “الدولة اليهودية” أنه “لن نسمح على الاطلاق للدوافع الدينية لرجال الدين لدينا أن ترفع رأسها، وسنعرف كيف نبقيها في الكنس”، كان يحترم الدين اليهودي احتراما كبيرا. ولكن من هنا وحتى الفكرة التي تقول إن المجموعة القومية – الدينية اليهودية تعتبر “شعب الدولة” الحصري – هي فكرة نفتها الصهيونية التاريخية تماما – فإن المسافة كبيرة، مثل المسافة بين دولة اليهود لهرتسل ودولة المستوطنين لعميئور.
الفشل الثاني الذي يعاني منه نص عميئور متعلق بظاهرة كبيرة وهي قلة المعرفة الاساسية بتاريخ شعب اسرائيل، الذي هو نصيب اسرائيليين كثيرين في العقود الأخيرة، منذ أن انخفض وزن العلوم الانسانية في جهاز التعليم الاسرائيلي بشكل كبير، وهو يستمر في الانخفاض من يوم الى آخر. هذه الظاهرة لدى عميئور تم التعبير عنها بجهل كبير في كل ما يتعلق بتاريخ الحركة الوطنية التي أقامت الدولة – الجهل يظهر في زعمين لا اساس لهما، منتشرين جدا في اوساط من يتذكرون بضبابية ما يتعلمونه عن الصهيونية في المدرسة الثانوية.
الزعم الاول يتحدث عن التناقض الجوهري الظاهري بين الصهيونية وحركة البوند الاشتراكية، التي أيدت الحصول على حكم ذاتي قومي يهودي لليهود الذين يتحدثون الايديش في شرق اوروبا في النصف الاول من القرن الماضي. ودون نفي أمر النقاش الايديولوجي – القومي الشديد بين هاتين الحركتين القوميتين، تؤكد المصادر التاريخية المعاصرة والابحاث الاكاديمية على العمق المشترك بين البوند والصهيونية من ناحية الافكار القومية.
على سبيل المثال، مع بعض المبالغة البلاغية، كتب زئيف جابوتنسكي في العام 1906 في تلخيص مقاله الطويل “البوند والصهيونية”: “عندما يكتب الباحث في المستقبل ما حدث في ايام الحركة الصهيونية، يجب أن يلتفت القارئ الى فصل واحد محدد (فيه يتم الحديث عن أحد فصول الصهيونية، واسم هذا الفصل سيكون “بوند”)”. وفي كتابه المدهش “بدائل تلتقٍ: حزب البوند وحركة العمال في ارض اسرائيل” الصادر في العام 2005، أشار المؤلف يوسف غورني الى أنه رغم معارضة البوند الشديدة للصهيونية التي ضعفت بالتدريج فقط بعد الكارثة واقامة الدولة – تقاسم البوند والحركة الصهيونية القيم القومية ذاتها: التمرد على واقع الشتات، تطوير الفخر القومي الجماعي، والطموح الى سلامة “اليهودي الجديد”.
الزعم الثاني الذي لا اساس له، الذي يعبر عن جهل عميئور بتاريخ القومية الصهيونية، متعلق بالتناقض بين حركة التنوير للقومية اليهودية والصهيونية. احدى صيغ هذا الزعم سمعناها قبل سنتين ونصف من ميكي زوهر، أحد النواب الاكثر جهلا في تاريخ اسرائيل، الذي قال في مقابلة مع صحيفة “هآرتس” إن “حركة التنوير، وضمن ذلك (الفكرة اليهودية) والشعب اليهودي دفعوا مقابل ذلك ثمنا بصيغة الانصهار. هذا غير صحيح. أحد الهذيانات المرفوضة والاكثر تجذرا في الوعي الاسرائيلي، والذي بشكل عام يكشف حقيقته في السنة الاولى من تعلم التاريخ اليهودي في التعليم الاكاديمي. وهكذا، سواء آباء الصهيونية أو الباحثون فيها يشهدون على أن حركة تنوير اليهودية في اوروبا، بما فيها افكار بعض اليهودية الاصلاحية، كانت تشكل قاعدة تاريخية وفكرية للصهيونية الحديثة.
اذا كان عميئور وامثاله سيقرأون ذات يوم رواية “ارض قديمة – جديدة”، ليعرفوا منها فقط مقولة “اذا اردتم فان هذه ليست اسطورة”، فهم سيهتزون لاكتشاف الى أي درجة من العمق فهم مؤسس الصهيونية السياسية انتقاد التنوير لليهود. اجل من خلال التماهي المطلق مع تحفظات المتنورين من الاساس القبلي – الانفصالي لليهودية، اراد هرتسل ضبط وتقليص قوة هذا الاساس في المجتمع الصهيوني العتيد، الى درجة تأكيد “العالمية” والقدرة على استيعاب تأثير المحيط داخل المركبات الخاصة ذات الصلة بـ “الأنا” القومية اليهودية.
لو أن عميئور تصفح كتابات احاد هعام، الذي انتقد بشدة “ارض قديمة – جديدة” ومؤلفها، كان سيتفاجأ من أن مؤسس الصهيونية الروحية كان يقدر ابراهام غايغر ومن أحدثوا الاصلاح الديني كثيرا. ورغم تحفظه على فقدان الأمل في المستقبل القومي اليهودي، فان احاد هعام رأى بايجابية اسهام المتنورين الاصلاحيين في معرفة الماضي التاريخي اليهودي، وكذلك رأى في مشروعهم بنية اساسية ضرورية لانبعاث الثقافة القومية العبرية الحديثة (“الماضي والحاضر” و”تقليد وانصهار”).
اذا قام الزوهريون بقراءة “اصلاح شعب: تنوير قوميات في شرق اوروبا” (2013)، وكتاب أحدث اختراقة حول تاريخ التنوير وبداية الصهيونية من كتابة اسرائيل بيرتل، من كبار الباحثين في القومية اليهودية في العالم، من شأنهم أن يكتشفوا ان المفاهيم الاساسية الاجتماعية والثقافية والسياسية للصهيونية مثل “ان نكون شعبا مثل باقي الشعوب” و”انتاجية” و”مجتمع مثالي”، واصلوا بصورة واضحة وعلنية فكرة الاصلاح الذاتي الجماعي من خلال افكار التنوير.
من الواضح أنه خلافا للصهيونية التاريخية، التي نمت على قاعدة التنوير، ومنها طورت ضمن امور اخرى الفكرة الانسانية على صيغة دولة كل مواطنيها فان الرؤية القومية – الدينية لرعايا دولة المستوطنين البيبيين هي فكرة جاهلة وظلامية، جاهلة في كل ما يتعلق بالماضي الصهيوني وظلامية بخصوص مستقبل اسرائيل وفي مركزه حلم الابرتهايد اليهودي المسيحاني. هم يمكنهم بالطبع التمسك بهذه الرؤية وحتى أن يسموها “عهد كل شيء يمر” ما بعد الحداثة الحالي باسم صهيونية. ولكن لا يمكنهم القاء رؤيتهم الدينية ما بعد الصهيونية على تجربة الماضي للصهيونية التاريخية.
عن “هآرتس”

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة