“صبرا وشاتيلا”.. جنرالات إسرائيل يكذبون بقلم: أنطوان شلحت

sample-ad


لا تزال إسرائيل تنفض عن كاهلها أي مسؤوليةٍ مباشرة، أو حتى أخلاقيـة، عن اقتراف مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا في لبنان، في مثل هذا الوقت قبل 36 عامًا، على الرغم من حرص زعمائها على إبداء “قدرٍ كبير من الاشمئزاز منها”، من دون أن تجد أدنى غضاضة في هذه الانشطاريـة.
ولهذا الغرض، استعانت أيضًا باستنتاجات لجنة تحقيق رسمية، لتقصّي وقائع تلك المجزرة التي وقعت مباشرة بعد يومين من مقتل زعيم الكتائب اللبنانية بشير الجميّل، وانتشار الجيش الإسرائيلي في بيروت الغربية، وفرض حصار على المخيمين، ومن أبرزها “عدم العثور على أدلة قاطعة، تثبت ضلوع الجيش الإسرائيلي بصورة مباشرة في اقتراف المجزرة”.
حتى الذين لمّحوا إلى هذه المسؤولية حصروا الأمر في مقاربةٍ مؤداها أن عسكر دولة الاحتلال كذبوا على ساستها، على غرار ما فعل وزير الاتصال في حكومة مناحيم بيغن الثانية التي شنّت الحرب على لبنان، مردخاي تسيبوري، وهو ضابط عسكري سابق رفيع المستوى، تولى الوزارة المذكورة بعد أن شغل منصب نائب وزير الدفاع. وقد أدلى بمقابلة مطوّلـة إلى صحيفة معاريف (8 /6 /2011) تركّزت على قراءة وقائع الحرب على لبنان عام 1982، وما دار وراء كواليسها.
ولفتت الصحيفة إلى أن السكرتير العسكري لرئيس الحكومة بيغن إبّان تلك الحرب قال، في مقابلة سابقة أجرتها معه، إن تسيبوري “كان الوحيد في حكومة بيغن الثانية الذي أدرك أن وزير الدفاع أرييل شارون ضلّل الحكومة، وجرّها بالخداع إلى قاع المستنقع اللبناني”. وأضاف أن تسيبوري “لم يكفّ عن التحذير، وملأ الدُنيا صراخًا وزعيقًا، ولكن تم إسكاته وتهميشه”.
وفي ما يتعلق بمجزرة صبرا وشاتيلا، كرّر تسيبوري، في المقابلة معه، ما كان قاله لدى إدلائه بشهادته أمام لجنة التحقيق الإسرائيلية، وفحواه أنه، في صبيحة اليوم الذي ارتكبت فيه، تلقى من المحلل العسكري لصحيفة هآرتس، زئيف شيف (اشترك لاحقًا في تأليف كتاب عن الحرب على لبنان “حرب التضليل”) معلوماتٍ مفادها بأن “ثمّة مجزرة تُقترف في صبرا وشاتيلا، بعد أن سمحت إسرائيل لمليشيا الكتائب بالدخول إلى المخيمين”، فسارع لنقلها إلى وزير الخارجية، يتسحاق شامير، الذي كان من المقرّر أن يلتقي في ظهيرة ذلك اليوم المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، موريس درايبر.
ولدى سؤال لجنة التحقيق له عما فعله إزاء موقفٍ كهذا، زعم شامير أنه نقل تلك المعلومات إلى الجهات المختصة، ثم تبيّن للجنة لاحقًا أنه لم ينقلها. ووفقًا لتسيبوري، فإنه تحاشى نقلها فقط بسبب خشيته من أن يتدخّـل في شؤون العسكر. وبرأي تسيبوري، لم يكن شامير الوحيد من بين زعماء إسرائيل في ذلك الوقت الذين تملّكتهم الخشية من التدخّل في شؤون العسكـر، بمن فيهم رئيس الحكومة، مناحيم بيغن، نفسه الذي كان العسكر، ولا سيما شارون، “يتعاملون معه كما لو أنه مجرّد خرقـة”، على حدّ تعبيره، بخلاف الصورة المرسومة له في أذهان الإسرائيليين، وبالتالي كان العسكر أشبه بالسيف المُصلـت على الساسة.
وروى تسيبوري أيضًا أنه عرف، قبل شنّ الحرب على لبنان بكثير، أن لدى العسكـر مخطّطات ترمي إلى تغيير النظام السياسي في لبنان، وإلى القضاء على وجود منظمة التحرير الفلسطينية، وأنه حذّر بيغن من احتمال إقدام أصحاب تلك الخطط على تنفيذهـا من خلال الالتفاف على الحكومة. وقال إن الأخير استدعى كلًا من رئيس هيئة الأركان العامة، الجنرال رافائيل إيتان، وقائد الفرقة 446 التابعة للمنطقة العسكرية الشمالية، اللواء أفيغدور بن غال (يانوش)، لاستيضاح الأمر معهما، ونفى الأخير ذلك جملة وتفصيلًا. وعندما أصرّ تسيبوري على أن المعلومات التي بحيازتـه تستند إلى حقائق، لا إلى مجرّد تكهنات، بادر بيغن إلى إخراسه قائلًا: “إن جنرالات إسرائيل لا يكذبون”.
وخلص تسيبوري إلى أنه، بنظرة ثانية، كانت المجزرة في مخيمي صبرا وشاتيلا، والحرب على لبنان عمومًا، بمثابة أكبر إثبات على أن الجنرالات يكذبون على المؤسسة السياسية.
…عن “عرب ٤٨”

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة