بوتين بين إيران وإسرائيل بقلم: مصطفى السعيد

sample-ad


يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي نيتانياهو خلال زيارته المرتقبة إلى روسيا إلى ترميم العلاقات المتأزمة منذ تسليم سوريا منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس 300»، وفشل كل الضغوط على روسيا لكي تتراجع عن قرار التسليم، وكان رد الفعل الروسي مخيبا تماما، ولم يقتصر فقط على تسليم منظومة الصواريخ المتطورة، بل أعلنت أن طواقم التشغيل السورية للمنظومة أنهت تدريباتها، وأصبحت تديرها، وجرى تزويدها بأجهزة قادرة على التشغيل الآلي للمنظومة، والتمييز بين الأهداف المعادية والصديقة، وربطها بالمنظومات الروسية، إلى جانب تزويد سوريا بصواريخ إضافية قصيرة المدى، ومنذ حادث إسقاط الطائرة الروسية إيل 20 وإعلان روسيا مسئولية إسرائيل لم تجرؤ الطائرات الإسرائيلية على الاقتراب من الأجواء السورية، ولم تشن غارة واحدة، بعد أن كانت تستبيح الأجواء السورية.
ليس بمقدور إسرائيل أن تصمت على هذه المعادلة الجديدة، والتي تراها وحلفاؤها تشكل تغييرا كبيرا في موازين القوى ولم تفلح جهود نيتانياهو في إعادة فتح صفحة جديدة مع موسكو، سواء عن طريق وساطة اللوبي اليهودي في روسيا أو ضغوط الولايات المتحدة وأوروبا على روسيا، والتي لم تسفر عن أي تغير ملموس في السياسة الروسية، ولهذا لم يجد نيتانياهو سبيلا سوى إعادة طرق أبواب الرئيس الروسي بوتين، وألح في طلب أن يلتقي به قريبا، في محاولة لإنعاش العلاقة الإسرائيلية – الروسية.
ستجري المباحثات بين بوتين ونيتانياهو في مناخ غير ملائم لإسرائيل التي تفقد أوراقها في سوريا تباعا، فقد سيطر الجيش السوري على خط التماس مع الجولان السوري المحتل، وانتشر على الحدود الأردنية، وتراجح الرهان الأمريكي – الإسرائيلي على معركة إدلب، بعد المناورة السياسية الناجحة لروسيا، وتقسيم معركة إدلب إلى مراحل، انتهت الأولى بأن تولت تركيا نزع السلاح الثقيل من الجماعات المسلحة في شرق وجنوب إدلب، لتفتح الطرق البرية الرابطة بين حلب وكل من اللاذقية ودمشق، مرورا بحماة وحمص، وتقليص المساحة التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة، وتقسيمها بين جماعات ستنخرط بعضها في تسوية سياسية وأخرى تتمسك بالقتال، مما يسهل على الجيش السوري، وحلفائه التقدم نحو فرض السيادة الكاملة على إدلب، وبدون قدرة التحالف الأمريكي على شن حملات إعلامية وسياسية بدعوى استخدام أسلحة كيماوية، تمهد لتدخل عسكري أو تبرر قصف مواقع الجيش السوري وحلفائه، وهي الخطة الوحيدة التي راهن عليها التحالف الأمريكي، لكن إسرائيل تراهن على ورقة أخرى وهي الوقيعة بين روسيا وإيران، والتأكيد أن الفوائد من العلاقات الروسية – الإسرائيلية تفوق ما يمكن أن تجنيه بالتحالف مع إيران، لكن بوتين لا يمكن استمالته بالعبارات الإنشائية ولا يلتفت إلى الخرائط التي يحملها نيتانياهو دائما عن المواقع النووية الإيرانية أو الصواريخ المنتشرة في سوريا ولبنان، لأن روسيا تعلم بدقة حدود الدور الإيراني، والمؤكد أنها على اطلاع مسبق على حجم ونوع المساعدات العسكرية الإيرانية لسوريا، مثلما يعرف مدى ارتباط المصالح الإسرائيلية بالولايات المتحدة، وأن إسرائيل لا يمكنها أن تحتفظ بكل الفرقاء في سلة واحدة.
ومن المرجح أن يطرح نيتانياهو على بوتين التوسط لدى الولايات المتحدة لإلغاء العقوبات على روسيا، والحد من تقدم حلف الناتو في شرق أوروبا، خاصة أوكرانيا، في مقابل أن تلعب روسيا دورا ملموسا في لجم التقدم الإيراني الممتد من العراق إلى سوريا وحتى لبنان، ورغم أن الصفقة تبدو ملائمة لروسيا إلا أن الثقة الروسية في الولايات المتحدة وإسرائيل محدودة للغاية، ولا يمكن التعويل عليها، على عكس علاقات روسيا القوية والمستقرة مع إيران، كما تنظر روسيا بقلق إلى المساعي الأمريكية الرامية إلى إقامة تحالف عسكري في المنطقة تحت لافتة مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد، وتعتقد أنه سيكون معاديا للمصالح الروسية.
ترى روسيا أنها حققت الكثير بالتحالف مع الصين وإيران رغم المضايقات الأمريكية والأوروبية، وتواصل نسج شبكة علاقات لتحالف اقتصادي وسياسي وعسكري يمكنه مقارعة النفوذ الأمريكي، ويتقدم بخطى ثابتة وإن كانت بطيئة، وتدرك روسيا أن إسرائيل عضو رئيسي في التحالف الأمريكي المناوئ، بل رأس حربته في المنطقة، ولا يمكن لإسرائيل أن تضع قدما هنا وقدما هناك في وقت تتسع فيه الهوة بين الجانبين، ولهذا لا يمكن لروسيا أن تضحي بعلاقتها الوثيقة مع إيران، والانتصارات التي تحققت في سوريا من أجل وعود نيتانياهو التي لا يمكن أن تتحقق، لهذا سيكون من الصعب على كلام نيتانياهو أو تهديدات الولايات المتحدة أن تجبر روسيا على محاولة إخراج القوات الإيرانية وحلفائها من سوريا، وأن على نيتانياهو أن يفهم مغزى تزويد سوريا بمنظومة إس 300 على أنه خيار إستراتيجي.
…عن «الأهرام» المصرية

sample-ad

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة