“أرض المؤامرات السعيدة” .. اليمن ما قبل الحرب تحت مجهر وجدي الأهدل

sample-ad


الايام- بديعة زيدان:يعرّي الروائي اليمني وجدي الأهدل في روايته الجديدة “أرض المؤامرات السعيدة”، الصادرة حديثاً عن “هاشيت أنطوان” (نوفل)، دور الصحافة الموالية للسلطة، وفساد هذه السلطة، فيما يغوص عميقاً داخل المعضلات المجتمعية المعقدة، كالاغتصاب، وزواج القاصرات، والتعاطي معهن كأنهن جوارٍ، وغيرها، ما يوحي بأن المجتمع اليمني المبتلى بالقتل اليومي هذه الأيام في حرب غابت عن الرواية، كان ولا يزال يعيش في حقب ما قبل القرن الحادي والعشرين بكثير.
تبدأ الحكاية بتكليف رئيس تحرير جريدة الشعب الرسمية “رياض الكياد” للصحافي “مطهّر” بمتابعة قضية اغتصاب فتاة في الساحل الجنوبي اليمني، وبالتحديد في قربة “باب المنجل” في محافظة “الحديدة”، حيث قام “الشيخ بكري حسن”، أحد المشايخ المقربين من السلطة باغتصاب فتاه صغيرة في الثامنة من عمرها تدعى “جليلة” .. ويقوم جدها، على إثر ذلك، بتقديم شكوى إلى الشرطة، فتتحول الحادثة المؤلمة إلى قضية رأي عام، في حين كانت جريدة “الأيام” المعارضة، وتصدر من عدن، أول من نشر عن قضية الاغتصاب بقلم الصحافي “سامي قاسم”.
كانت مهمة الصحافي “مطهّر” تغيير المزاج الشعبي، وحرف الحقائق، بل قلبها رأساً على عقب أحياناً، ولذا يسافر من صنعاء الى القرية الساحلية ليتابع الاحداث، ويزود بالتالي جريدته الموالية للسلطة بمقابلات حصرية واخبار تطورات القضية، بحيث يصبح “مطهّر”، مع الوقت، جزءاً من الحكاية.
وارتمى “مطهّر” الذي تمتع بعض الشيء بحس الفكاهة، وكان يظهر ذلك بين حين وآخر في الرواية، في أحضان السلطة، كرد فعل على احتفاء اليسار اليمني بوالده الذي كان من رواد أحزاب المعارضة، حتى أنه امتنع عن قراءة نسخة الكتاب الذي أعد عن والده، إلا بعد وفاة الأب، كامتناعه عن أكل الفول، بعد أن بدأ باقتحام عالم البرجوازية، بل أعلن الحرب على هذا الطبق الذي لطالما ارتبط بحياة الفقراء، وهم الغالبية في اليمن، وهي “عقدة الأب” التي رافقته على الدوام.
تظهر في الرواية شخصيات عديدة ما بين موالية للنظام ومعارضة له، من بينها: “جابر شنيني” رئيس المجلس البلدي، ويقدم خدمات عدة لـ “مطهّر”، أما “سلام مهدي” فهي ناشطة حقوقية تقف الى جانب “جليلة” ضد مغتصبها، الذي يعتقل بأمر من العقيد مدير قسم الشرطة، ويخرج بعد وقت قصير، إثر تدخلات من علية القوم، فتتم إحالة العقيد إلى التقاعد، واستبداله بموالٍ تكون أولى نجاحاته القبض على الفتى “عطا المساعدي” المتهم زوراً باغتصاب “جليلة”.
يضطر “مطهّر” للإقامة في القرية، فتوفر له الجريدة أموالاً كثيرة وشقة مفروشة، ويرسل له “الشيخ بكري” هدية، والهدية هنا عبارة عن فتاة في الخامسة عشرة من عمرها تقوم بخدمته، وتجمعه وإياها علاقة حميمة، قبل “سحبها” من الشقة، ودخوله في مهمة إبعاد الطبيبة الروسية التي أصدرت تقريراً أكدت فيه تعرض جليلة للاغتصاب، عن مسرح الأحداث، قبل تسفيرها من اليمن بتهمة ملفقة جعلت منها متورطة في عمليات “رتق”.
ومع تطور القضية يتم تحريض خطباء صلاة الجمعة ضد الناشطة الحقوقية، وتكفيرها، بل واتهامها بالعمل مع “جهات أجنبية معادية”، فيتم اعتقالها والاستاذ المعارض “حسين البطاح”، الذي ساند جليلة ودعا طالباته إلى الخروج في تظاهرات تتوسع لتحاصر مبنيي المحافظة والنيابة العامة، فيطلق سراحهما .. وكأنها إرهاصات ثورة ما تواصلت مطالبة بالإفراج عن الطفل “عطا مساعدي”.
بعد حين يأمر القاضي “طاهر الدراك” بحبس “الشيخ بكري حسن” بتهمة الاغتصاب، ليتم إيقافه عن العمل، بل وإقالة محافظ “الحديدة”، وتعيين “جابر شنيني” محافظاً جديداً، والذي بدوره يعين “الشيخ بكري” مساعداً له.
بالتزامن مع ذلك، يتم تنفيذ سلسلة عمليات اغتيال طالت الجندي الذي تصدى للشيخ وأعوانه في قسم الشرطة، وكذلك “سعد موسى” عضو أحد أحزاب المعارضة، والصحافي “سامي قاسم” أول من كان نشر خبر الاغتصاب.
ويواكب كل ذلك، خطة من السلطة الحاكمة للاستيلاء على صحيفة معارضة تدعى “النضال”، بعد اعتقال العاملين فيها، وتولي “مطهّر” رئاسة تحريرها، دون إعلام الجمهور بالتغييرات الحاصلة، وذلك لتضليل الرأي العام، عبر نشر سلسلة من الأخبار الملفقة، لكن الأمر لا يطول كثيراً قبل افتضاحه.
ويواصل “مطهّر” استقبال الفتيات الهدايا، فتأتي “خاتمة” ابنة الثالثة عشرة، لتخدمه ويعاشرها كسابقتها، إلا أنها، وبعد فترة، تختفي، هي التي كشفت حكايتهما عبر جريدة معارضة، ما يطيح به على الصعيد العائلي والمجتمعي، فيقرر مغادرة “الحديدة”، واللجوء إلى حيث عشيرته.
وفي الطريق، وبعد عبور حاجز عسكري، تنتهي حكاية “مطهّر” في اللايقين، وهنا يلتبس الأمر على القارئ، وكأن وجدي الأهدل يعبر بنا إلى مرحلة من اللايقين تعيشها البلاد قبل “الثورة” و”الثورة المضادة”، وقبل “الحرب المتواصلة”.
للوهلة الأولى، يتوقع القارئ من الروائي الأهدل أن يكتب الحرب، لكنه، وعلى ما يبدو قرر الابتعاد عن الكتابة من داخل الخندق الذي لم يغادره بعد في اليمن، وفي ذات الوقت وضع المجتمع اليمني تحت المجهر، وإن كانت القتامة سيدة الموقف، لكنها الحقيقة في بلاد أسميت ذات مرّة بـالـ “سعيدة”، وهي بلاد الفقر، والاضطهاد، والبؤس، والقات، والطفولة المقهورة، وحيث المرأة الخاسر الأكبر على الدوام.
في “الحديدة” الخاصة بالأهدل يسود الفساد والاغتصاب وزواج القاصرات والقتل الممنهج ضد كل من يفكر بـ”لا” تجري عكس تيار السلطة الحاكمة، وفي “الحديدة” اليوم قصف ومعارك شرسة، وكأن في الأمر استمرارية لدماء تسفك وأرواح تزهق، وإن اختلفت الأسباب والأدوات وهوية القتلة ودوافعهم، أو لم تختلف.
واللافت أن الأهدل اختار المسار السلس على مستوى اللغة والتكنيك، ولم يقم بابتكار أية ألعاب روائية، وهذا لا يقلل من شأن الرواية التي جاءت في لغتها وتسلسل السرد فيها بما يتناسب وطبيعة مضامينها، حيث الانحياز إلى تسليط الضوء على “الحروب الصغيرة” و”المؤامرات الهامشية”، لا على الحرب والمؤامرة الكبريين في اليمن وعليها، اليوم.
وحول الرواية، وظروف كتابتها، قال الأهدل لـ”أيام الثقافة”: تلقيت في العام 2010 دعوة من الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، للمشاركة في ورشة كتابة بأبوظبي، وبالفعل سافرت وحملت معي فكرة رواية “أرض المؤامرات السعيدة” في حوالي خمسة أسطر. وهناك خلال أيام الورشة التي امتدت لأسبوعين تقريباً كتبت الفصل الأول من الرواية. بعد ذلك احتجتُ إلى خمس سنوات حتى أكتب الفصل الأخير منها.
وأضاف: كتبت معظم فصول الرواية في الأعوام التي سبقت اندلاع الحرب. إنها توضح لماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه.. بمعنى أن النظام السابق الذي بدأ يحكم البلاد تقريباً منذ العام 1980 وحتى العام 2012 وهو العام الذي تخلى فيه علي عبد الله صالح عن السلطة لم ينجح في بناء دولة حديثة، فكانت القبيلة فوق القانون، وضباط الجيش والأمن يُشكلون الطبقة العليا والوسطى من المجتمع، بينما ينتمي 99% من الفنانين والأدباء والمثقفين إلى الطبقة الفقيرة.. وهذا التراتب الاجتماعي المشوّه لن ينتج في النهاية سوى الفشل والغباء وإفلاس خزينة الدولة والتكالب المسعور على السلطة، ليختم: موضوع زواج القاصرات من الموضوعات الحسّاسة في اليمن، لأن معظم رجال اليمن الأقوياء من شاكلة رجال الدين والتجار والسياسيين الذين لديهم فائض من الثروة يقومون بتوظيفها في المتع والملذات عن طريق الزواج بعذارى صغيرات في السن، لذلك يعد التطرق إلى هذا الموضوع من المحرمات في اليمن.

sample-ad

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة