لحظة عراقية جديدة بقلم :عبير بشير

sample-ad


العراق هو نقطة الارتكاز في الإقليم، الزلزال بدأ منه، وكرة اللهب تدحرجت منه، لتطال كافة المواقع والدوائر في المنطقة. ويبدو الآن، أن التصحيح سيبدأ منه، ليتمدد ببطء إلى كافة المراكز والدوائر المشتعلة.
قرار رئيس الوزراء العراقي المكلف عادل عبد المهدي نقل مكتبه إلى خارج المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد، يعد خطوة غير مسبوقة، بعدما كان رؤساء الحكومات المتعاقبون منذ الإطاحة بنظام صدام حسين، من إياد علاوي إلى نوري المالكي، إلى حيدر العبادي، قد اتخذوا من القصر الحكومي داخل «المنطقة الخضراء» مقراً لهم. وقبله، إعلان عبد المهدي بفتح باب الترشيح لمنصب وزير في حكومته أمام المواطنين العراقيين الذين يرون في أنفسهم الكفاءة لشغر هذا الموقع، والتقدم بطلب بذلك عبر الموقع الإلكتروني لعبد المهدي، مرفقا بسيرة ذاتية. ربما توحي هذه الخطوات، أننا أمام فرصة جديدة، ولحظة عراقية جديدة، وخصوصا مع الإعلان عن الرئيس الجديد لجمهورية العراق وهو برهم صالح، ورئيس مجلس النواب الجديد محمد الحلبوسي.
هذا لا يعني، أن هذه التجربة الجديدة، قد عبرت من عنق الزجاجة ولو مؤقتا. بل على العكس، يواجه عبد الهادي ضغوطا سياسية عاتية، أحدها من السيد مقتدى الصدر الذي أبلغه أنه سيحمله وحده أوزار فشل وزرائه، ولن يسمح له بإلقاء أي مسؤولية لاحقا على اختيارات الأحزاب، بينما يأتي النوع الثاني من الضغوط من مطالب الكتل والقوى السياسية ذات السقوف المرتفعة، والمتعلقة بتوزير أعضائها والمقربين منها، بالإضافة إلى ضغط المرجعية الدينية في النجف والشارع العراقي. غير أن عبد المهدي أبلغ مقربين منه، أنه سيرفض التحول إلى كبش فداء للقوى السياسية، وسيختار بناء على المسؤولية الوطنية التي أنيطت به.
ويبقى الكباش بين واشنطن وطهران، من أخطر المحطات التي تواجه الرئيس المكلف، وخصوصا عندما اعتبرت طهران أن فوز الشاب محمد الحلبوسي القادم من الفلوجة، والمعروف بعلاقاته القوية مع طهران صفعة للإدارة الأميركية. ومع تفاقم الأزمة بين العاصمتين، وتوجه واشنطن إلى فرض عقوبات قاسية على طهران. بما يضع بغداد أما اختبار حقيقي وصعب للمصالح الوطنية، يدور رحاه حول ما إذا كانت حكومة العراق الجديدة ستتحول إلى معول لهدم العقوبات، أو الالتزام بها. مع العلم أن التزام الرئيس السابق حيدر العبادي بالعقوبات ضد طهران، كان قد كلفه خسارة موقعه في رئاسة الوزراء. ومع الأخذ بعين الاعتبار، أن الخيارات الإيرانية لم تعد حاسمة ونهائية في الشأن العراقي، ليس بسبب التداخل الأميركي الصريح، بل لأن نمط خيارات عراقية بدأ يتشكل ويتمرد على الخيار الإيراني. ومعه يصعب القول، إن طهران فرضت حلفاءها في قصور الرئاسة الثلاثة في بغداد.
عادل عبد المهدي، كان في شبابه بعثيا، مثله مثل صدام حسين، ثم صار رفيقا ماويا في الحزب الشيوعي، قبل أن يتحول إلى – الأخ – في بيروت بعد أن انضم إلى حركة فتح. ومن ثم التحق بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، بعد أن قامت الثورة الإيرانية. والآن هو في موقع مستقل. يدرك تماما خريطة العراق السياسية، ووعورة تضاريسها. ويعرف تماما قصة العراق الحزينة.
جرب عبد المهدي الأفكار وجرب العواصم. بعد بغداد أقام في دمشق وبيروت. ثم في باريس وطهران. والده كان وزيرا في عهد الملك فيصل الأول، وتعلم في فرنسا الإدارة العامة والاقتصاد السياسي، وأقام في كردستان العراق في التسعينات، ليعايش هواجس الأكراد وطموحاتهم. وعندما أطيح بصدام حسين شغل منصب نائب الرئيس العراقي.
ويشق عبد المهدي طريقه لتشكيل حكومته العتيدة، بعدما شاءت الظروف السياسية، أن تقع كرة النار العراقية بين يديه، وسط تحديات سياسية واقتصادية صعبة، وهذا ما تلقفه مقتدى الصدر الذي يتقن التغريد خارج السرب السياسي الشيعي، فأطلق تغريدة، حدد فيها المعايير السياسية الجديدة لتشكيل الحكومة، إذ قال: فيما مضى من الأيام كان للأحزاب حصصها من المناصب، بل ومن أموال العراق الكثير الكثير، سواء بطريقة مشروعة أم لا… وقد دام ذلك خمس عشرة سنة ألا يكفي.
ويخطط المهدي لحكومة تعكس الحالة التي أفرزتها التحولات السياسية والاجتماعية في العراق، والتي تقاطعت بين حركة الاحتجاجات في البصرة وبين خروج بعض الكتل السياسية من شرنقتها الطائفية إلى الفضاء الوطني الرحب.
وبين النجاحات التي حققتها الدولة العراقية، خلال فترة حكم حيد العبادي، من تقليص مساحة الغطاء المذهبي، وهزيمة «داعش» وتحرير الموصل. العبادي الذي تسلم منصبه والبلد على حافة الهاوية. وسعى جاهدا إلى مناهضة السياسات الطائفية. وكان عليه أن يوازن بين ضرورة دحر «داعش» وإرهابه وبين كبح جماح قوة الحشد الشعبي المتنامية.
ويلفت النظر في كتابات عبد المهدي تنظيره لحقب الحكم الثلاث في تاريخ العراق الحديث: المرحلة الملكية، والتي كما يقول فإن علة وجودها هو التوافق الدولي عليها، والمرحلة الجمهورية، والتي كانت علة وجودها حكم العسكر، والمرحلة الحالية والتي علة وجودها الديمقراطية والانتخابات واللامركزية! ومقالاته حول الثورة الفرنسية، والتي يرى فيها تشابها مع الحالة العراقية في مقدماتها وتطوراتها، ومآلاتها.
وشهد النظام العراقي عملية «لبننة»، جرى تمريرها بكل خفة بين المكونات العراقي، وفرضت الطائفية نفسها، كرقم صعب في المعادلة العراقية الداخلية، أصبح من الصعب كسرها، أو تجاوزها. ولن يكون من المبالغة القول، إن الطائفية، أصبحت بمثابة دستور العراق المقدس، إلى إشعار آخر. فمن يجرؤ الآن على القول للأكراد إن رئاسة العراق ليست لكم، أو القول للشيعي إن رئاسة الوزراء هي لكردي أو سني، والأمر يسري أيضا على رئاسة مجلس النواب! تماما كما حصل ويحصل في لبنان.
وفي هذا السياق يمكن إدراك، أن معظم الأحزاب العراقية المتضامنة في سلوك إضعاف الدولة وتفتيت وجودها وتحويلها إلى ممتلكات حزبية خاصة، لن تستسلم بسهولة، لتجربة جديدة يقودها عبد المهدي، وهي التي خاضت لأشهر لعبة النحت بإبرة للتخلص من محنة مواصفات رئيس الوزراء التي حددتها المرجعية الشيعية، وهي في الأساس محنة وجودية تتطلب إعادة إنتاج مفاهيم التقاسم من جذورها.

sample-ad

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة