آرييل شارون: هل كان “نابليون الإسرائيلي”؟! … بقلم :شفيق مورتون

shello
shello 2014/01/18
Updated 2014/01/18 at 4:47 مساءً

220355

أخيراً مات آرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، عن عمر ناهز 85 عاماً. وبعد أن علق في غيبوبة ناجمة عن سكتة دماغية في العام 2006، سكنت الحياة في جسده في النهاية، وانسدل الستار على ما يمكن وصفه بأنه مسيرة وظيفية كثيرة الألوان، إن لم تكن كثيرة التقلب.
على الرغم من أنني لم ألتق به شخصياً، بدا حضور شارون وكأنه يطاردني أينما ذهبت في الشرق الأوسط. ولما كان يرى نفسه أكبر من الحياة، شاهده تبجحه وهو يختبر مهنة يبدو معها الثور في متجر للخزف الصيني أشبه براقصة باليه.
في الواقع، لا يمكن أن يستطيع أي قدر من مقولات النعي الاعتذاري غسل حقيقة أن آرييل شارون كان واحدا من أكثر الشخصيات السياسية ولعاً بالحرب والقتال في إسرائيل. ولا شك أن عبارة “مهندس السياسة” (كما يستخدمها الصحفيون الأميركيون في وصفه) تبدو لغة منفوخة لوصف رجل كان حله المقترح في العام 2000 هو قتل عدوه اللدود ياسر عرفات.
المدائح العاطفية التي كتبت عنه، كونه يحمل “شخصية العم أو الخال”، و”رجل الدولة المحارب” أو “الرجل المركب” والذي كان يناضل للتعامل مع حتمية التسوية الفلسطينية، هي مزاعم أصيلة فقط بقدر ما يمكن أن يكون الكونت دراكولا الدموي مجرد دمية دب ودودة يلعب بها طفل.
الحقيقة هي أن شارون الإمبراطوري المتبجح لم يكن على أي صلة بالسلام. ربما كان “براغماتياً”، لكن عمله الرئيس كان الفصل العرقي بين الإسرائيليين والعرب. كجندي، كان ذلك يعني فرض الفصل عن طريق البندقية؛ وكسياسي، كان يعني إقامة الجدران الخرسانية والأسلاك الشائكة والمستوطنات غير الشرعية.
كان رده على محادثات إيهود باراك في كامب ديفيد مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات مثالاً نموذجياً على افتقاره إلى الدقة والبراعة. كما أشعلت تجوالاته في المسجد الأقصى، برفقة أكثر من 1.000 من الحرس، نار الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
بينما أحفر في الدفاتر القديمة، يقفز اسم شارون أمامي مرة تلو الأخرى. وفي هذا الإطار، تبرز الوحدة 101، وهي قوة “انتقام” خاصة كان قد أنشأها رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون –وكان شارون برتبة رائد فيها بعمر 25 عاما- بنفس مقدار بروز مذبحة دير ياسين، لأن الوحدة 101 قامت في آب (أغسطس) من العام 1953 بمهاجمة مخيم البريج للاجئين في غزة، وأسفر هجومها عن مقتل ما لا يقل عن 20 لاجئاً. وأعقبت ذلك بعد شهرين قيادة شارون لمجزرة قبية في الضفة الغربية التي كانت تابعة للأردن في ذلك الوقت. وفي هذه المرة، كانت هناك 69 حالة وفاة في صفوف الضحايا، معظمهم من المدنيين، حين تم نسفهم بالديناميت وهم في داخل منازلهم. وقد دانت هجوم قبية كل من الأمم المتحدة ووزارة الخارجية الأميركية، لكن لم تتم محاسبة أحد أو تحميل المسؤولية لأحد أبداً.
لم تنته حكاية شارون مع التدمير عند ذلك الحد. ففي غزة في العام 1971، عندما كان رئيساً للقيادة الجنوبية لجيش الدفاع الإسرائيلي، قام بهدم وتجريف 2.000 منزل فلسطيني، وتسبب في جعل 16.000 شخص مشردين بلا مأوى، واغتال أكثر من 100 من مقاتلي المقاومة.
ولم تكن يده أقل ثقلاً كسياسي. وعلى سبيل المثال، لا يحتفظ بدو النقب بأي ذكريات سعيدة معه كوزير للزراعة. وكان قد أعلن في العام 1979 عن تحويل منطقة بمساحة 1.500 كيلومتر مربع إلى “حديقة وطنية “، حارماً البدو من سبل الوصول إلى أراضي أجدادهم. ثم أنشأ وحدة شبه عسكرية تسمى “الدوريات الخضراء” التي قامت باقتلاع 900 من خيام البدو من جذورها، وأشرفت على انقراض الماعز الأسود تقريباً، الذي كان صوفه يزود البدو بالمادة التقليدية لنسج خيامهم المتنقلة.
لكن أحداث لبنان هي التي جعلت من شارون، كوزير للدفاع، اسماً مألوفاً. ولا تسمح هذه المساحة بأكثر من سرد خلفية ملخصة لغزو إسرائيل للبنان في العام 1982، والذي هدف أساساً إلى مطاردة منظمة التحرير الفلسطينية التابعة لياسر عرفات، وإرغامها على الخروج من بلاد الشام، وتحييد الوجود السوري.
في تلك الأيام، كان بشير الجميل، زعيم حزب الكتائب، قد انتخب إلى سدة السلطة بمساعدة من الاستخبارات الغربية. ولسوء حظه، كان أحد جيرانه عميلاً سرياً لسورية، وقام بنسفه وهو يخطب في أعضاء الحزب. وكان رد شارون على الاغتيال هو إلقاء اللوم على الفلسطينيين.
كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد انسحبت لتوها من بيروت، وكانت قوات الكتائب تتواجد في محيط مخيمي صبرا وشاتيلا، اللذين كانا حيين فلسطينيين أعزلين. وفي انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار، كان الجيش الإسرائيلي قد أعاد احتلال المنطقة، وأحكم الحصار على مخيمي صبرا وشاتيلا.
وفقاً للتقارير، التقى آرييل شارون ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي، رفائيل إيتان، مع وحدات الكتائب، ودعوها إلى دخول مخيمي صبرا وشاتيلا. وبعد ساعات، دخلت المخيمين قوة تتكون من حوالي 1.500 من رجال الميليشيات تحت قيادة إيلي حبيقة. وتحت أنظار القوات الإسرائيلية، وبمساعدة من قذائف الإنارة التي أطلقها جيش الدفاع الإسرائيلي، بدأت عمليات الاغتصاب، والتشويه، والقتل في حق الفلسطينيين في المخيمين.
بالإجمال، يعتقد بأن حوالي 2.000 شخص قد ذبحوا على أيدي قوات الكتائب، في حين كان الجيش الإسرائيلي يراقب المذبحة. وقد دانت الجمعية العامة للأمم المتحدة عمليات القتل هناك ووصفتها بأنها “إبادة جماعية”، وأشارت لجنة إسحق كاهان الإسرائيلية الخاصة بأصابع الاتهام إلى آرئييل شارون. ومع ذلك، رفض رئيس الوزراء حينذاك، مناحيم بيغن، إقالته من منصبه.
زرت صبرا وشاتيلا بعد نحو 15 عاماً من المجزرة من أجل إجراء بحوث لمادة كتاب. وعلى الرغم من أن بعض المباني كانت ما تزال محترقة ومثقبة بالرصاص، كانت معظم الأحياء قد أعيد بناؤها. لكنه كان ما يزال هناك في الأزقة المظلمة والضيقة مزاج كئيب. أولئك الذين نجوا تساءلوا عن السبب في أنه لم يحمهم أحد، وعلى نحو لا يثير الدهشة، كانوا يواجهون صعوبة في سرد تلك الأحداث العاطفية. في شاتيلا، اكتشفت أن أرض المسجد قد حفرت لدفن الموتى بسبب الافتقار إلى المساحة.
زرت المقبرة الرئيسية لضحايا المجزرة، مساحة مفتوحة باردة خالية من شواهد القبور. “الجثث كثيرة جداً”، قال لي المترجم، “الكثير جداً من الجثث”.
لكن تلك لم تكن نهاية القصة. فقد استمر الناس في الحديث عن مجزرة ثانوية، عندما تم احتجاز المئات من الناس والتحقيق معهم في الاستاد الرياضي، ثم اختفى بعضهم دون أي أثر. قيل لي: “هناك مئات الجثث المدفونة تحت محطة بنزين رحاب”.
أخذني ذلك بالمفاجأة، لأن أحداً لم يتحدث، حتى روبرت فيسك كاتب “الإندبندنت” -الذي كان يرسل تقاريره عن أحداث الملعب الرياضي- عن هذه المقبرة بالذات. هل كان هؤلاء الموتى مجرد أشباح إضافية عالقة في ماضي شارون؟ ليس لدي جواب.
ولكن، مَن كان شارون بالضبط؟ يصف المعلق الإسرائيلي اللاذع، أوري أفنيري، شارون بأنه “نابليون الإسرائيلي”، ذلك المزيج المطلق النهائي من الأنانية الشخصية والروح الوطنية. ما كان جيداً لشارون كان جيداً للمصلحة الوطنية، وقد اضطر كل من يريد أو يوقفه إلى الخروج من طريقه، حيث شارون وحده هو الذي يمكن أن ينقذ إسرائيل.
كان شارون يعتقد بأنه يسير جيداً في طريقه إلى القيام بذلك من خلال حزب “كاديما” عندما واجه معركة “واترلو” الخاصة به: سكتة دماغية مُقعِدة، والتي شهدت حلمه بإسرائيل مطهرة عرقياً –حيث يُحشر الفلسطينيون أخيراً في الأردن وغزة – وقد ذهبت إلى فضاء داخلي من الغيبوبة العاجزة المزمنة، بين الحياة والموت.

*مصور صحفي وكاتب حائز على عدة جوائز من كيب تاون. كان قد غطى تجربة النضال ضد نظام الفصل العنصري، والإفراج عن نيلسون مانديلا، ولجنة المصالحة والحقيقة، ومختلف الصراعات في جميع أنحاء العالم.

(ذا بالستاين كرونيكل)

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً