أميركا وأوروبا أمام اختبار «القوة والضعف»… بقلم :جوستان فايس

shello
shello 2013/03/20
Updated 2013/03/20 at 10:20 صباحًا

130319060210729

في 1940، اجتاحت القوات الألمانية منطقة اللورين مرة ثالثة في غضون 70 سنة، واستولت على قصر عائلة جدي لأمي، بيار دي شوفينيي. كان جدي يقاتل في صفوف حملة فرنسا، إلا أن سلاحه المضاد للطيران لم يصمد أمام طائرات ستوكا الألمانية. فانسحب من موقع إلى آخر، إلى حين توقيع الهدنة في 22 حزيران (يونيو). وفي 1942، كان استقر في ليون، وانخرط في صفوف شبكة المقاومة التي نسقت عملها مع الاستخبارات البريطانية. واعتقلت الشرطة الألمانية السرية جدي وزوجته الشابة في آب (أغسطس) 1943، واستجوبته لكنها أطلقت جدتي الحامل فوضعت ولدها الأول، أمي. وأرسلت الشرطة الألمانية جدي إلى بوخينفالد في أوائل 1944. وتمكن من البقاء حياً إلى حين تحرير فرقة المشاة الـ80، في قيادة باتون، المعسكر في 1945. فعاد إلى حياة السلم عودة مريرة: قُتل أخوه وهو يقاتل قبل أشهر في صفوف جيش أفريقيا غداة الإنزال البحري في منطقة بروفانس، واثنان من أصهرته قتلا في سبيل فرنسا، واضطر شأن أبيه غداة الحرب الأولى إلى بذل الوقت للحصول على تعويضات تمكنه من إنهاض بيته من الأنقاض. وهذه الحرب كانت الأخيرة.

بيير دي شوفينيي انتخب إلى مجلس الشيوخ، ثم إلى الجمعية الوطنية في 1960، واشترك في أعمال المجلس البرلماني الأطلسي مع أقران أميركيين وألمان، وناقش معهم سبل تحصين أوروبا من التهديد السوفياتي، وتقوية الجسور بين دولها من غير أن تتخلى عن القوة العسكرية. والحال أن قصة عائلية مثل قصتي التي رويتها كثيرة في بلدان أوروبا المتفرقة: ألمانيا والمملكة المتحدة وبولندا وفرنسا. وهذه القصص والحكايات هي مصدر الأعمال والمبادرات التي أدت تدريجاً إلى توحيد أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، على رغم اختلاف الثقافات السياسية الوطنية وموقفها من الحرب وإعمال القوة في النزاعات.

وعندما كتب روبرت كاغان مقالته الشهيرة «القوة والضعف» في 2002، شخّص «روح الوقت» أو الظرف التاريخي في موقع أوروبي بارز هو بروكسيل الاتحاد الأوروبي عند منعطف القرن الجديد. وخيمت على هذا الموقع روح شديدة التناقض مع الحمى القومية والحربية التي دبت في أميركا في أعقاب 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وهو الهجوم الإرهابي، ونشوة الانتصار الأول بأفغانستان، وحمل جورج بوش الابن العراق على تهديد لا يحتمل. ولو أقام روبرت في مدينة غير بروكسيل، مثل لندن أو وارسو (فرصوفيا) أو باريس، لشخّص حال أوروبا على نحو يختلف عن تشخيصه حالها في مقالته. ويعود ذيوع صيت المقالة إلى نمذجته علاقة أوروبا المسالمة، على مثال كوكب الزهرة، بأميركا المقاتلة ورمزه كوكب زحل أو مارس، العَلَم على الحرب. وأثارت المقارنة، أو معارضة المثالين مناقشات حادة ومفيدة على ضفتي الأطلسي. ولعل تعقيد الثقافات الاستراتيجية الأوروبية، وتقلب الرأي العام الأوروبي والرأي العام الأميركي من الحرب في المنعطفات التاريخية، هما من المسائل التي تضعف نازع مقالة كاغان إلى النمذجة والتعميم. وتناول المقارنة – المعارضة، غداة عقد على اقتراحها لا يخلو من بعض الفائدة.

لا شك في أن ألمانيا هي البلد الذي شهد، بعد الحرب الثانية، أعمق انقلاب في ثقافته الاستراتيجية. وأسباب الانقلاب ظاهرة وبدهية. فالجمهورية الفيديرالية أرست سياستها الخارجية الأمنية على التعاون بدلاً من المنافسة، وعلى طلب الازدهار بدلاً من إرادة القوة والغلبة، وعلى السعي في الاندماج من طريق نقل السيادة بدلاً من الاستماتة العبثية في الاستقلال والسيطرة والمكانة، على قول هانس مول. وأركان هذا النهج ثلاثة: إنكار الماضي الإمبريالي النازي وازدرائه المعايير الأخلاقية، التخلي عن الفرادة والعزلة (والانخراط في حلف الأطلسي والاتحاد الاوروبي)، وتقديم السياسة على القوة والمفاوضة على الحسم. ولم تحل أركان النهج المسالم، وتقييده الدستوري إعمال القوة وحظره التسلح النووي، دون اشتراك ألمانيا في بناء قوة دفاع غربية. واضطلع يوشكا فيشر، من حزب الخضر، وغيرهارد شرودر، الاشتراكي الديموقراطي، بقسط من المسؤولية عن الحرب في كوسوفو عام 1999، وأرسلا قوات ألمانية إلى أفغانستان لا تزال مرابطة هناك منذ 10 سنوات.

وشهدت بريطانيا وفرنسا بعد الحرب الأولى وفظاعاتها، موجات مسالَمة قوية لم تشهد مثلها في النصف الثاني من القرن العشرين. واشترك البلدان بعد الحرب العالمية الثانية في حروب متفرقة، بعضها دموي، مسرحها المستعمرات السابقة في الهند الصينية والجزائر (في حال فرنسا)، والمالوين (في حال بريطانيا)، وفي السويس مع الإسرائيليين، وأفريقيا. وحاز البلَدَان أسلحة نووية، ويحتفظان بقوات مسلحة ويرعيان جهازاً عسكرياً وصناعياً متيناً. وعمد الرئيس الفرنسي الجديد، يومها، جاك شيراك، إلى ردع القوات الصربية عن استفزاز قوات الفصل الأممية، ودعا إدارة كلينتون إلى إنشاء قوات التدخل السريع الأطلسية.

وفي الأثناء، كانت الاستراتيجية الأميركية مزيجاً من عقيدتي واينبرغير وباول، أي تقييد التدخل العسكري الأرعن وتجنب الخسائر في صفوف الجنود الأميركيين. وفي 1999، بادر توني بلير إلى الإعلان عن التزام حملة برية على ميلوشيفيتش. ولا تقلل هذه الشواهد من دور القوات الأميركية الحاسم، لكنها تثبت أن الأوروبيين لم يمتنعوا من استخدام قواتهم حين دعاهم داعي الحاجة وهم ينأون بأنفسهم عن الارتماء في العنف بعد عقود من سيادة السلم القارة الأوروبية، وغلبة الاحتراف على الجيوش، وإعلاء شأن التحكيم والتفاوض وقيادة العالم على طريق الوئام. وفي 2011 وحدها، شنت القوات الفرنسية غارة كوماندوس في النيجر تعقبت مقاتلي «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، بعد سنة على عملية في موريتانيا، وأخرى في شاطئ العاج أدت إلى خلع لوران غباغبو وتنصيب الحسن وتارة. وبادرت فرنسا إلى شن حرب الحلفاء في ليبيا، يداً بيد مع بريطانيا، ورعت هذه والولايات المتحدة انتصار المعارضين على معمر القذافي وقواته.

وتتقاسم الدول الأخرى الأوروبية سياسات تترجح بين ألمانيا وبين فرنسا وبريطانيا. فإيطاليا وإسبانيا هما أقرب الى ألمانيا من أمم صغيرة مثل هولندا والدنمارك القريبتين من فرنسا وبريطانيا. ويقود التوجه شرقاً إلى أمم مقاتلة، أو زُحلية حقاً، مثل بولندا ودول البلطيق. فقربها من روسيا، وتهديد هذه الدول الجارة، لقنا شعوب «الجوار القريب» ثقافة التعويل على القوة، وضرورة احتسابها في العلاقات الدولية والتعاون مع الولايات المتحدة في خدمة أمن مشترك. ولم تبخل أمم مثل إستونيا بالانخراط النشط في أفغانستان قرينة على تضامنها الأطلسي.

وميل الثقافة الاستراتيجية الأميركية إلى القوة والشدة لا ريب فيه. وهذا ما نبه إليه كاغان محقاً. لكن تشخيصه قطيعة بين ضفتي الأطلسي، وقوله إن السياسيين الأميركيين أقوى تضامناً من نظرائهم الأوروبيين حين تدعو الظروف إلى مناقشة قرار بالحرب، يجافيان الصواب. فعشية العمليات في ليبيا، في 2011، كان ديفيد كامرون ونيكولا ساركوزي أقرب إلى جون ماكين من الرئيس باراك أوباما ووزير دفاعه روبرت غيتس، وهما كانا أقرب إلى الأميركيين من غيدو فيسترفيله، وزير الخارجية الألماني الذي عارض العمليات الحربية، وقاد ألمانيا إلى الامتناع من التصويت على القرار 1973 في الأمم المتحدة. ولا يحول استقرار الثقافة الاستراتيجية الأميركية، وميلها الثابت إلى إعمال القوة، دون ترجحها قرباً من الثقافة الاستراتيجية الأوروبية وبعداً منها، على رغم تعرج هذه وتباين مكوناتها واختلافها.

والمقارنة بين السياسات الأميركية والأوروبية في أربعينات القرن العشرين بين الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، ثم في الستينات بين خليج الخنازير (العملية على كوبا) وقوات السلام وفيتنام، وفي الثمانينات بين عقيدة ريغان والتحفظ الأوروبي، وفي العقد الأول من القرن الواحد والعشرين بين حربي أفغانستان والعراق – هذه المقارنة شهادة على النازع المثالي الأميركي، وعلى التوسل بالأعمال العسكرية إلى أداء دور عالمي فريد. والعقود الأخرى– من ثلاثينات القرن العشرين والتزام العزلة عن العالم إلى الخمسينات وغلبة تحفظ آيزنهاور عليها، فالسبعينات واصطباغها بصبغة واقعية نيكسون وكيسينجر وسعيهما في التعايش وعقد الأحلاف الإقليمية، ثم التسعينات وإمساك كلينتون عن التدخل، والعقد الثاني (2010) من القرن الواحد والعشرين ومحاولة أوباما الخروج من الحروب – شاهدة، في المقابل، على انتهاج سياسة واقعية سائقها الانكفاء والتحصين النسبي من الخارج. وموازنات الدفاع، علواً وهبوطاً، مرآة الانتقال من سياسة مقاتلة في العقود المزدوجة (الشفع) إلى المسالمة في العقود المفردة (الوتر).

مقالة «القوة والضعف» كتبت في ذروة إحدى مراحل انفلاش القوة الخارجي. وكان في المقدور كتابتها في 1980 – 1984، إبان الخلافات الأطلسية والأوروبية على الصواريخ، وعلى أنبوب الغاز السيبيري. وتصور كتابتها في أعوام ولايتي كلينتون يكاد يكون مستحيلاً، فيومها غلب معيار يقضي بألا يقتل جندي واحد على أرض المعركة. والمقالة ذاتها لا يُتصور أن تكتب اليوم في ولاية أوباما. فالتفوق العسكري الأميركي خول الرؤساء الأميركيين، قياساً إلى نظرائهم الأوروبيين، هامشاً عريضاً من القدرة على التصرف. وموارد القوة الأميركية اضطلعت بدور مؤثر في بلورة أهداف استراتيجية مناسبة. وهذه العلاقة الجدلية من السمات البارزة التي استخلصتها مقالة كاغان، ونبهت إليها. والفروق بين الثقافات السياسية المحلية في الولايات المتحدة، معظمها ناجم عن أحوال اقتصادية ترددت أصداؤها في مسألة إعمال القوة. ولاحظ بيتر تروبوفيتس أن تعريف المصلحة الوطنية الأميركية ليس واحداً في الولايات المتفرقة. وشدد مايكل ليند على الخلاف بين جنوب يميل إلى القوة والحرب وبين شمال شرقي مسالم. ويشارك والتر راسل ميد ليند تشخيصه، لكنه يخالفه في تعيين الشمال الشرقي موطناً لنازع المسالمة ويرى أن هذا النازع شائع في دوائر متفرقة من كل الولايات.

وتخلو البلدان الأوروبية من كتلة جاكسونية، على المثال الأميركي، تدعو إلى التدخل العسكري وتناضل في سبيله. وفي ألمانيا كتلة مسالمة مرصوصة، نظير الكتلة الجاكسونية وعلى خلاف ميولها. والكتلتان ذريعة يتذرع بها كاغان إلى تعميمه ومعارضته. والذريعة الأخرى هي التناقض بين القوة العسكرية ونهج بقاء الاتحاد الأوروبي. فغاية الاتحاد، بمعزل من مكوناته دولة دولة، هي إرساء علاقات آمنة ومسالمة في القارة التي عانت من الحروب المدمرة ما لم تعانه مناطق ودوائر أخرى. وأوروبا الاتحادية ليست فيديرالية مندمجة تجمع بين دولها هيئات ديموقراطية متماسكة، ولا هي كيان حكومي مشترك على شاكلة حلف شمال الأطلسي. ويتنازع الدفاع الأوروبي ميل إلى استحداث بنية جديدة، من جهة، وتمسك بهيكل «الناتو» المتين والفاعل، وبمرابطة القوات الأميركية على الأراضي الأوروبية، من جـهة أخرى. ويفاقم هذه التناقضات أو المنازعات تعثر أوروبا بتجدد التيارات القومية وأزمتها الاقتصادية المتعاظمة.

* مؤرخ، عن «بوليسي ريفيو» الاميركية، 4-5/2012،أعيد نشره في «كومونتير» الفرنسية عدد شتاء2013، إعداد منال نحاس

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً