أميركا ومعضلة الإمبريالية المتأخرة…بقلم:إيان بوروما

shello
shello 2014/06/17
Updated 2014/06/17 at 9:22 صباحًا

فهرس

نيويورك- يتعرض الرئيس الأميركي باراك أوباما للهجوم من قِبَل ما يُسمى بالصقور الليبرالية، التي تنتمي إلى يسار الوسط، فضلاً عن الهجوم الذي يشنه عليه أنصار التدخل الناشطون المنتمون إلى جناح اليمين –ويتهمونه فيه بأنه رئيس ضعيف، يقود أميركا التي سئمت الحرب (بل وحتى سئمت العالم) إلى التقهقر.يعتقد منتقدو أوباما، سواء على اليسار أو اليمين، أن الولايات المتحدة لديها مهمة فريدة تتمثل في فرض إرادتها على العالم. والفارق الوحيد هنا هو أن المنتمين إلى اليسار يبررون وجهة نظرهم بالحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، في حين لا يحتاج المنتمون إلى اليمين إلى أي مبرر من هذا القبيل، لأن أميركا تشكل بالنسبة لهم أعظم دولة على وجه الأرض.في الحالتين، تستند الفرضية القائلة بأن الولايات المتحدة لا بد أن تقود بالقوة إلى فكرة مفادها أن غياب قوة خيرة مهيمنة تراقب العالم، سيتسبب في انتشار الفوضى وانتقال زمام الأمور إلى قوى خبيثة. وقد عبر مقال حديث للمفكر المحافظ المتخصص في السياسة الخارجية، روبرت كاجان، عن هذا الرأي بوضوح شديد.يسوق كاجان حجة مفادها أنه لا يمكن الاعتماد على تصرف البلدان الأخرى بشكل مسؤول في غياب الزعامة الأميركية القوية. ومثله كمثل الصقور الآخرين، لا يكتفي بالتحذير من تصرف الحكام المستبدين بشكل سيئ إذا سنحت لهم الفرصة، وهو أمر محتمل بكل تأكيد، وإنما يؤكد أيضاً على وجوب وقف الحلفاء الديمقراطيين عند حدهم بقبضة مهيمنة محكمة أيضاً.في شرق آسيا على سبيل المثال، لا بد من “تطويق” الصين بحلفاء أقوياء للولايات المتحدة. لكنه في حال كانت اليابان، الحليفة الرئيسية لأميركا في المنطقة، “أكثر قوة وأقل اعتماداً على الولايات المتحدة في ضمان أمنها”، فإنه لا يجب أن تكون محل ثقة هي الأخرى.قد يكون كاجان محقاً عندما يتصور أن التقهقر الأميركي المتهور من شرق آسيا قد يؤدي إلى عواقب خطيرة. ولكن هذه الحجة تذكرنا بالمراحل الأخيرة من عمر الإمبراطوريات. فقد كانت القوى الإمبريالية الأوروبية في القرن العشرين تفكر بشكل مستمر في الاحتمال البعيد لحصول رعايا المستعمرات على استقلالهم، لكنها كانت ترى دوماً أن الأوان لم يحن بعد، ليس قبل أن يصبحوا مستعدين للاستقلال، وليس قبل أن يعلمهم سادتهم الغربيون كيف يعتنون بأنفسهم بشكل مسؤول. ولكن أحداً لم يقل لنا كم من الوقت قد يكون لازماً لتعليمهم.هنا يكمن تناقض الإمبريالية الاستعمارية. فما دام رعايا المستعمرات تحت العصا الإمبراطورية، فإنهم لن يبلغوا مرحلة الاستعداد أبدا، لأن سلطة إدارة شؤونهم بأنفسهم، سواء بشكل مسؤول أو غير مسؤول، كانت مسلوبة منهم أساساً.إن الإمبراطوريات قادرة على فرض النظام والاستقرار لفترة طويلة؛ ولكن الإمبرياليين -مثلهم مثل العديد من الأميركيين اليوم- لا بد أن ينال منهم الإرهاق والإجهاد ويضيق صدر رعاياهم بمرور الوقت. وبذلك يصبح النظام الإمبراطوري هشاً. وكما يلاحظ كاجان محقاً، فإن الفوضى تأتي غالباً في أعقاب انهيار النظام القديم في نهاية المطاف.كان هذا هو ما حدث في الهند في العام 1947 عندما رحل البريطانيون. فقد انفصلت باكستان، ومات ما يقرب من مليون هندوسي ومسلم في مذابح متبادلة. ولكن، هل يعني هذا حقاً أن الحكم البريطاني كان لابد أن يدوم لفترة أطول؟ إذا كان الأمر كذلك، فإلى متى؟ قد يكون من المعقول بنفس القدر أن نزعم أن الحكم الإمبراطوري المطول كان ليجعل التوترات العرقية أشد سوءا. فعلى أي حال، كانت تلك التوترات ناجمة إلى حد كبير عن سياسات “فَرِّق تَسُد” الاستعمارية.كذلك هو الحال اليوم إلى حد ما في ظل السلام الأميركي -وهو شكل من أشكال النظام العالمي الإمبراطوري الذي لم يكن قط إمبراطورية رسمية. والواقع أن مقارنة الوضع الأميركي بأغلب الإمبراطوريات السابقة كان حميداً نسبياً، وإن كان من السهل أن ينسى كثيرون كيف دمرت أميركا، زعيمة “العالم الحر”، قادة منتخبين ودعمت حكاماً مستبدين، كما فعلت في تشيلي وكوريا الجنوبية والسلفادور والأرجنتين وإندونيسيا وجواتيمالا، وهلم جراً.الواقع أن هذا “النظام الليبرالي” بقيادة الولايات المتحدة، والذي حظي بقدر كبير من الامتداح والإشادة، كان نتاجاً للحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، حيث كان من الضروري الإبقاء على ألمانيا واليابان تحت السيطرة، وكان لا بد من احتواء القوى الشيوعية، وكان لزاماً على بلدان أوروبا القديمة أن تتعلم كيف تتعايش في ما بينها في ظل مؤسسات موَحِّدة لعموم القوميات. وقد أصبح كل ذلك ممكناً بفضل أموال أميركا وقوتها العسكرية العاتية. وكانت النتيجة أن العالم الحر تحول في غرب أوروبا وشرق آسيا إلى تابع معتمد على الولايات المتحدة.بيد أن هذا الوضع من غير الممكن أن يدوم إلى الأبد. والواقع أن هذه الترتيبات بدأت تبلى وتهترئ بالفعل. وهنا يأتي دور المفارقة الإمبراطورية القديمة. فكلما طال أمد اعتماد الآخرين على الولايات المتحدة، أصبحوا أقل قدرة على الاعتماد على أنفسهم في رعاية شؤونهم، بما في ذلك أمنهم. والواقع أن الولايات المتحدة، مثلها في ذلك كمثل الأب المستبد، تكره غالباً -على الرغم من توبيخها لحلفائها لعجزهم عن الاعتماد على أنفسهم- فكرة أن تتخلى عن رعاياها التابعين الذين يصبحون جامحين حرونين على نحو متزايد.عندما وصلت حكومة جديدة إلى السلطة في اليابان في العام 2009 وحاولت كسر قالب ما بعد الحرب من خلال تحسين العلاقات مع الصين والسعي إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، سعت إدارة الرئيس أوباما إلى تقويض هذه الجهود. ويبدو أن الإمبراطورية غير الرسمية لا تستطيع أن تتحمل مثل هذا النوع من العصيان والتمرد.في خطابه الأخير حول السياسة الخارجية في الأكاديمية العسكرية الأميركية في وست بوينت، لم يذكر أوباما شرق آسيا إلا بالكاد. لكنه إذا كان لأي منطقة أن تستفيد من مبدأ أوباما، الذي يَعِد بالتحول من النهج العسكري إلى نهج أكثر ميلاً إلى السياسة في التعامل مع مشاكل المنطقة، فهي منطقة شرق آسيا.تبدو فطرة أوباما سليمة. فقد أدرك على الأقل حدود قوة أميركا في ما يتصل بفرض النظام العالمي بالقوة. ولا يعتمد نجاحه كرئيس على أفعاله الطيبة (بالرغم من كثرتها) بقدر ما يعتمد على التصرفات الغبية التي تجنبها، مثل التورط في المزيد من الحروب غير الضرورية.لكن هذا لا يحل المعضلة الإمبراطورية المتأخرة المتمثلة في كيفية تقليل الاعتماد على قوة مهيمنة من دون التسبب في المزيد من الطغيان والعنف. ولا بد أن تبدأ هذه العملية المؤلمة المحفوفة بالمخاطر في نهاية المطاف، وسوف يخدم أغراضها على النحو الأفضل أسلوب أوباما الحَذِر، وليس الخطاب المتشدد الخشن الذي يجري على ألسنة منتقديه

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً