إبداع الشباب في ثورات الربيع العربي: متعجل أم تلقائي؟ بقلم :مصطفى عطية جمعة

shello
shello 2018/06/23
Updated 2018/06/23 at 6:50 صباحًا


■ يقصد بالإبداع المتعجل هو: الكتابة المباشرة ساعة وقوع الحدث، والتي تأتي غالبا غير ناضجة، لأنها محملة بانفعالات كثيرة، ووعي فني قليل، لم تنضج بشكل كاف في أعماق المبدع، بل سارع إلى إخراجها نصوصا وقت انفعاله بها، فخرجت بكل عنفوانها وطزاجتها، وأيضا مباشرتها، فنلاحظ أن كثيرها تحريضي، قليلها جمالي، وأن مضمونها مكرور، وأسلوبها متشابه. لذا فإن أدبيات علم نفس الإبداع توصي أن يتمهل المبدع في إخراج نصه وإن اشتدت به نفسه، وتلظّى بها فؤاده، فعليه الانتظار حتى تختمر التجربة، ويصهرها في بوتقة ذاته، ومن ثم تخرج ناضجة، قد استوفى الشاعر الفكرة والإحساس، والتركيب والصورة.
ولنا في الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى مثال على ذلك، فقد قيل إنه كان ينظم القصيدة في شهر، ويهذبها في سنة، فكانت قصائده تسمى الحوليات. وقيل أيضا: إن ديدنه: نظم في أربعة أشهر، وتهذيبها في أربعة أشهر، ثم عرضها على خاصة الشعراء في أربعة أشهر، فلا ينشدها للناس إلا بعد حول كامل. فكانت قصائده تسمى الحوليات، لذا بقي شعره، وكان له الصدارة في الموروث الشعري في العصر الجاهلي، وبالطبع هو من شعراء المعلقات .
وقد كان عمر بن الخطاب شديد الإعجاب بزهير، أكد هذا ابن عباس إذ قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في أول غزوة غزاها، فقال لي: أنشدني لشاعر الشعراء، قلت: ومن هو يا أمير المؤمنين ؟ « قال : ابن أبي سُلمى، قلت: وبم صار كذلك ؟ قال: لا يتبع حوشي الكلام، ولا يعاظل في المنطق، ولا يقول إلا ما يعرف ولا يمتدح أحداً إلا بما فيه.
مقولة عمر بن الخطاب تعبر عن ذائقة رائعة للشعر، ومعرفة عميقة بالشعراء، وتقييم دقيق لشعرية زهير، الذي لا ينجرف إبداعيا وراء حوشي الكلام، والحُوشِيُّ هو : الغَامِضُ المُشْكِلُ من الكَلامِ، وغَرِيبهُ ووَحْشِيُّهُ، وأن يركب الشاعر منه ما ليس بمستعمل إلا في الفرط، ولا يتكلم به إلا شاذًا. أما المعاظلة في المنطق فهي: هي كون الكلام خفيّ الدّلالة على المعنى المراد به بحيث تكون الألفاظ غير مُرتبة على وفق ترتيب المعاني، وينشأ ذلك التّعقيد من تقديم أو تأخير أو فصل بأجنبي بين الكلمات التي يجب أن تتجاور ويتصل بعضها ببعض وهو مذموم، لأنه يُوجب اختلال المعنى واضطرابه، من وضع ألفاظه في غير المواضع اللّائقة بها.
أما مقولة «لا يمدح الرجل إلا بما فيه « هذه العبارة بقدر ما أنها تحمل قيمة أخلاقية إلا أنها تحمل قيمة فنية أيضاً وهي ما يعرف في النقد الحديث «بالصدق الفني» ويشمل صدق العبارة وصدق العاطفة. وهذا ناتج عن انفعال حقيقي.
لذا نجد كبار المبدعين في الأدب العالمي يكتبون عن الأحداث المهمة التي عاصروها بعد انقضاء فترة من الزمن، حتى تكون نضجت في وعيهم، وغابت عنها السكرة، وحضرت الفكرة، والرؤية الشاعرية.
على الجانب الآخر، هناك ما يسمى بالإبداع التلقائي، الذي يبدو في الفولكلور الشعبي، والأغاني، والكتابات الجدارية، والتعليقات والنكات والطرائف، وغير ذلك، وهو إبداع جميل، وكم الصدق فيه عال، ويندرج تحته ما يسمى بالفن الفطري. وهو في مجمله لا يتعارض مع صهر الإبداع في النفس، فمن سمات الإبداع التلقائي القصر والإيجاز والتكثيف، بعكس الإبداع الناضج الذي يمتاز بالطول نسبيا، والعناية بالبنية والأسلوب والتراكيب.
وبالنظر إلى إبداعات ثورات الربيع العربي، فقد رأى المبدعون الشباب الثورة شبابية في الأساس، فلا دور للكبار فيها، وإن حضروا وهتفوا وصرخوا وبكوا، وأن الثورات العربية السابقة ما كانت إلا حركات جماهيرية محدودة دعّمتها السلطات الحاكمة، التي نالت الحكم بانقلابات عسكرية ومن ثم ارتدوا مسوح الثوار، ليضفوا على شرعيتهم ما يسمونه الشرعية الثورية.
لقد كان عود الثقاب الذي أشعل الثورات شابا تونسيا محبطا حرق نفسه حتى الموت يأسا من الإصلاح، ورفضا لهيمنة الشرطة وقطعها لرزقه البسيط. ولم يتوقع «البوعزيزي» أن يكون سببا في انفجار الأوضاع في تونس، وامتدادها إلى جماهير الأمة العربية. فالشباب هم الذين تفاعلوا على مواقع التواصل الاجتماعي، وجمّعوا أنفسهم في صفحاتهم الثورية، قبل نزولهم إلى الشوارع، مصفقين داعين جموع الشعب للانضمام لهم.
لقد تراوحت إبداعات الشباب بين الزعيق العالي، والوصف المفصل لأحداث الثورة من خلال عشرات الكتب ومئات النصوص الشعرية، وهذا عائد إلى دخول كثير من الشباب ضعيفي المواهب معترك الكتابة الإبداعية الثورية، أو أنهم كتبوا نصوصهم في الميادين الثورية، لدعم المسيرات الجماهيرية وتحميسهم، ومن ثم جمعوا هذه النصوص في دواوين صدرت بعد ذلك، وقد خرجت في لحظة ثورية شديدة الانفعالية، متدفقة العواطف، فغلبت عليها الخطابية والوعظية.
وقد ردّ الشباب على من اتهمهم بالمباشرة بأن الفعل الثوري ولحظته يتطلب هذا اللون من الكتابة، فلا مجال للرمز والصورة والإلغاز. وهو رد غير أدبي، فالإبداع جماليات في النهاية، أيا كانت لحظته التي يعبّر عنها، فهو سيبقى بعد انتهاء الموقف الثوري، وعودة الجماهير إلى بيوتها . فالشعر مثلا له شروطه الجمالية، التي ترتقي به من دائرة الكلام العادي إلى النص الشعري الراقي جماليا ورؤيويا.
وهذا لا يمنعنا من قبول الإبداعات المواكبة للحدث، شريطة أن تراعي الشروط الفنية، ولا بأس من ذلك من وجود المباشرة الموظفة، والخطابية المحمّسة.
فمن نصوص الثورة، ما سطره شاعر شاب له باع في التجربة الشعرية، وهو كريم عبد السلام في ديوانه «قنابل مسيلة للدموع «، فيقول :
عندما صرخنا «يسقط الديكتاتور»
اكتشفنا أن سجونا رهيبة مصنوعة من الرمل
وأن مدنا كاملة مبنية من الرمل
وأن القادة المرعبين،
والطغاة القساة،
والعساكر ذوي العربات المصفحة،
والسياسيين المفوهين،
والحزبيين التجار،
مجبولون من الرمل
وأن الرمل لم يكن يحتاج حتى ينهار
إلا إلى موجة صاخبة من البحر
الذي غافل الجميع واستقر في ميدان التحرير».
هذا النص وغيره كثير في الديوان لا يخرج عما قيل في الميدان والفضاء الإلكتروني والإعلام المؤيد للثورة، حيث غلب الإسهاب الفكري، والنعوت المكررة، والتراكيب قريبة النثرية مثل السياسيين المفوهين، والحزبيين التجار، والقادة المرعبين، والطغاة القساة، ورمز «الرمل» المستهلك في دلالته.
على جانب آخر، فاجأتنا إبداعات العامة والبسطاء، هؤلاء البسطاء الذين ثاروا وأرادوا أن تكون ثورتهم سلمية، فأبدعوا غناء وهتافا ولوحات وجداريات، مما جعل الكثيرين يطلقون نعوتا على الثورات العربية خاصة الثورة المصرية والتونسية، فهناك من سمى الثورة المصرية بالثورة الضاحكة، لكثرة ما أبدع الثوار من أشياء تدفعنا للابتسام، بل والضحك إلى الثمالة، ناهيك عن النكات والحكايات التي صاحبت فعاليات الثورة في مختلف الميادين، وفي الفضاء الإلكتروني، لتكشف لنا عن وعي كبير، تملكه الجماهير، إزاء الأحداث الكبرى، وعدم انخداعها بالشعارات السياسية التي يروجها البعض، فهم يتوقون للحريات والعدالة.
إذن يمكن القول إن إبداعات الجماهير التلقائية بمختلف أشكالها وأنماطها القولية والمرسومة والمكتوبة قد مثّلت إبداعا شعبيا موازيا لسائر الإبداعات الأخرى.

٭ أكاديمي مصري
القدس العربي

Share this Article