إعادة إحياء الجهاد في اليمن

shello
shello 2014/06/04
Updated 2014/06/04 at 9:46 صباحًا

qm06eqbr

‹›

صنعاء، اليمن–  في الصيف الماضي، سار رجل بيد صناعية داخلاً إلى مكتب للأمن في شرق اليمن قابضاً على رسالة بيده. كانت تلك هي محاولته الثانية. فقبل بضعة أشهر، في أواخر العام 2012، بعد وقت قصير من انهيار حكومة الرئيس علي عبد الله صالح أمام الاحتجاجات الواسعة، كان الرجل قد دخل المكتب نفسه مع رسالة تطلب تعيينه نائباً لمدير أمن المكلا، المدينة الميناء الكبيرة الواقعة على ساحل اليمن الجنوبي.
في تلك المرة، تجاهله ضباط الأمن. كانوا يعرفون من هو بالضبط وأرادوا أن لا تكون لهم أي صلة به، وفقاً لأحد الضباط الذين رأوا الرسالة. أما في هذه المرة، فكان الرجل ذو اليد اليسرى المفقودة قد هيأ نفسه بشكل أفضل. فخفض سقفه وطلب أن يكون “مساعداً” لمدير الأمن فقط، كما حشد لنفسه الدعم في العاصمة صنعاء. ولم يكن لدى الضباط المحليين أي خيار. كان عليهم أن يعطوه الوظيفة. لقد أصبح جمال النهدي الآن ضابط أمن.
وفقاً لعملاء في الأمن، وأعضاء من البرلمان، ومسؤولين حكوميين، فقد تكررت مشاهد مشابهة في كامل أنحاء اليمن في الأشهر الأخيرة. لكن قضية النهدي تبرز وتتميز بسبب تاريخه الشخصي. فقبل عقدين من دخوله إلى مكتب الأمن في المكلا، كان النهدي هو العقل المدبر الذي هندس هجوم القاعدة الأول على الولايات المتحدة.
مثل المئات من اليمنيين الآخرين من أبناء جيله، كان النهدي قد سافر إلى أفغانستان ليقاتل السوفيات في الثمانينيات. وقرب نهاية الحرب، انضم إلى منظمة بن لادن الجديدة. وبعد وقت ليس بالطويل من عودته إلى الوطن، في كانون الأول (ديسمبر) 1992، استدعاه بن لادن للقيام بهمة.
كان بن لادن قد هجر السعودية مسبقاً بسبب الإحباط من تزايد روابط العائلة المالكة مع الولايات المتحدة في أعقاب حرب الخليج الأولى، واستقر بعد ذلك في مزرعة في السودان، حيث استطاع أن يتعقب السياسات المتحولة للشرق الأوسط. وبينما كان يقبع مكتئباً في منفاه الذي فرضه على نفسه، لم يكن بن لادن يحب ما يراه. لم يظهر الجنود الأميركيون الذين تدفقوا إلى العربية السعودية لحماية المملكة من صدام حسين أي علامات على مغادرة البلاد. وقد اعتبر بن لادن شبه الجزيرة أرضاً مقدسة، ونظر إلى وجود الجنود كجزء من مؤامرة أميركية للاستيلاء على المنطقة.
عندما أرسلت الولايات المتحدة قوات إلى الصومال في كانون الأول (ديسمبر) 1992، كجزء من “عملية استعادة الأمل”، واستخدم بعض رجال البحرية مدينة عدن اليمنية كنقطة انطلاق، أحس بن لادن بأنه رأى ما يكفي. ولما بات مقتنعاً بأن الولايات المتحدة كانت تستخدم الحرب مرة أخرى كعذر لوضع الجنود على تراب شبه الجزيرة، اختار استعمال القوة. وسوف تمر تسع سنوات أخرى قبل أن يعرف معظم الأميركيين اسمه، لكن بن لادن كان قد حدد خياراته. لقد أصبح في حالة حرب مع الولايات المتحدة.
في 29 كانون الأول (ديسمبر) من العام 1992، وضع النهدي خطط بن لادن قيد العمل. وقد أراد النهدي تنفيذ انفجارين متزامنين: واحد في فندق عدن موفينبيك والآخر في فندق منتجع آخر “المهر الذهبي”؛ حيث أشارت استخباراته إلى أن جنود البحرية الأميركية يقيمون هناك. وقام النهدي وأحد المساعدين بزرع قنبلة في فندق المهر الذهبي، ثم انتقلا عبر البلدة إلى الموفينبيك. لكن شيئاً ما حدث خطأ بينما كان يزرع الشحنات الناسفة، وانفجرت القنبلة قبل أوانها، ممزقة معظم أجزاء يده اليسرى.
بعد بضع دقائق، انفجرت القنبلة في المهر الذهبي حسب البرنامج، ومزقت جزءاً من الفندق وقتلت شخصين. لكن النهدي كان قد اختار الفندق الخطأ؛ لم يكن رجال البحرية الأميركية يقيمون هناك، واستطاعت قنبلته أن تقتل سائحاً وعاملاً محلياً في الفندق فقط. كان أول هجوم تشنه القاعدة على الولايات المتحدة فشلاً ذريعاً.
في ذلك الوقت، لم يكد أحد يلحظ المحاولة الفاشلة؛ كان الأمر مجرد انفجار إضافي في بلد يمور بالعنف. وكانت الحادثة كلها أكثر قليلاً من مجرد حاشية هامشية في تاريخ حقبة ما قبل حرب أميركا مع القاعدة، لو أن اللاعبين ظلوا في الماضي. ولكن، وبعد أكثر من عقدين من زرعه لتلك القنابل، عاد النهدي -الرجل الذي خطط هجوم القاعدة الأول على الولايات المتحدة- إلى الظهور، وهذه المرة أصبح يقاتل ظاهرياً في صف الطرف الآخر.
ورغم أن من غير الواضح مقدار الدرجات التي تحولت بها نظرة النهدي إلى الجهاد العنيف خلال العقدين الماضيين، فإن منصبه الجديد -كضابط كبير في وزارة الداخلية اليمنية- يثير الكثير من الأسئلة حول المدى الذي تسلل فيه الجهاديون والمتعاطفون مع القاعدة واخترقوا الأجهزة الأمنية في اليمن، في الوقت الذي تصب فيه الولايات المتحدة ملايين الدولارات في البلد في سياق جهد يرمي إلى محاربة الجماعات الإرهابية.
عندما اتصل به فريق موقع “بز فيد”، قال النهدي إنه يؤدي عملاً عظيماً وهو يواجه عدم الاستقرار وتحييد القاعدة. لكنه رفض مناقشة تفجيرات العام 1992. وقال: “إنني الآن عقيد في وزارة الداخلية، وقد تم تعييني مساعداً لمدير الأمن في مدينة المكلا”.
ليس النهدي هو المتشدد الوحيد الذي يعثر على مهنة ثانية كضابط في الأمن اليمني. ففي فترة السنتين والنصف التي مرت منذ تنحي صالح عن السلطة، ظل اليمن وسط تحول عسكري فوضوي، والذي يبدو أن عناصر في النظام القديم قد استغلته بمساعدة المتعاطفين مع الجهاديين للحصول على مناصب في المؤسسة الأمنية اليمنية.
في ظل وجود دعم محلي محدود، قبل عبد ربه منصور هادي، الرئيس اليمني الجديد، بالمساعدة من الأطراف كافة. فقد رحب بالمشورة والمساعدات الأميركية التي كانت قد نضبت خلال الأيام الأكثر دموية من الانتفاضة اليمنية. (المساعدة التي هبطت بشكل حاد إلى 147 مليون دولار في العام 2011، عادت فتضاعفت تقريباً عندما تولى هادي منصب الرئاسة في العام 2012). وفي الوقت نفسه، قام هادي بتشكيل حكومة ائتلافية مع إسلاميين محليين، وأسند إليهم العديد من الحقائب الحكومية المرموقة. وربما الأهم من هذا كله، أن هادي استبقى عناصر مشكوكاً فيها من النظام القديم، والذين كانت الولايات المتحدة قد اشتبهت منذ وقت طويل بأنهم يحاربون القاعدة في العلن ويخطبون ودها في السر.
إحدى الشخصيات الأكثر إثارة للجدل من بين هؤلاء المتبقين من النظام القديم هو جنرال في الثامنة والستين من عمره، يدعى علي محسن الأحمر. وكان الأحمر هذا بمثابة القبضة الحديدية للنظام لسنوات طويلة، وعضواً موثوقاً في دائرة صالح الداخلية، والذي أبقى أعداء الرئيس المحليين بعيدين بالعمل كقناة غير رسمية بين الجيش والجهاديين. وفي العام 1994، قام بتجنيد العشرات من المحاربين القدامى في أفغانستان لمحاربة الاشتراكيين خلال حرب أهلية قصيرة -وإنما دموية. وبعد ست سنوات من ذلك، تساءل محققون أميركيون عما إذا كان بعض نفس أولئك الرجال كانوا متورطين في الهجوم على المدمرة الأميركية “يو أس أس كول”، التي تعرضت لهجوم منظمة القاعدة بينما كانت تعيد التزود بالوقود في عدن في تشرين الأول (أكتوبر) 2000، والذي خلف 17 بحاراً من طاقمها قتلى. لكن الأحمر انشق عن حكومة صالح في شهر آذار (مارس) 2011، ربما بعد أن رأى المؤشرات الواضحة على وجهة الأحداث، وأعاد منذئذ صناعة نفسه كحليف لا غنى عنه للرئيس اليمني الجديد. وبقدر ما كان الأحمر مفيداً لهادي في موازنة وتعويض العناصر الأخرى من النظام القديم، فقد أحضر الجنرال معه أيضاً قدراً كبيراً من المتاع القديم أيضاً.
ثمة مخاوف من أن الأحمر يقوم مرة أخرى بتجنيد المتشددين والمتعاطفين الجهاديين، وإنما بإعطائهم هذه المرة مناصب رسمية في داخل الأجهزة الأمنية المختلفة ووكالات الجيش. ووفقاً لعبد الله المقطري، رئيس لجنة ميزانية الدولة والمحاسبة النهائية في البرلمان اليمني، فإن عدد المناصب الجديدة يدور بشكل أو آخر حول 200.000. لكنه لا يستطيع هو أو أي أحد آخر في الحكومة معرفة ما إذا كان هذا الرقم دقيقاً -فهناك ممارسة يمنية راسخة منذ وقت طويل، هي تضخيم الأعداد حتى يستطيع الجنرالات أن يضعوا في جيوبهم الرواتب الفائضة لأولئك الذين يُسمون “المستَخدَمين الأشباح”.
لكن المعروف هو أن بضعة آلاف من المجندين على الأقل موجودون فعلاً، وقد أوكلت إليهم مهمات مثل حماية المباني الحكومية والعمل كحراس في السجون. وترافق ضمهم إلى الأجهزة الأمنية اليمنية مع تصاعد في وتيرة الهجمات وعمليات الهروب من السجون في اليمن.
إحدى عمليات الفرار من السجن، والتي وقعت يوم 13 شباط (فبراير) أفضت إلى تحرير 19 من مقاتلي القاعدة على الأقل. ووفقاً لتقرير لوكالة رويترز، والذي أكدته روايات مشابهة في وسائل الإعلام المحلية، فإن مسؤولي وزارة الداخلية كانوا يعلمون مسبقاً بأمر عملية الهروب المخططة قبل شهرين من حدوثها، لكنهم لم يفعلوا أي شيء لمنعها مع ذلك. وتروي القاعدة نفسها قصة مشابهة. ففي شريط فيديو بُث يوم 29 آذار (مارس) في مناسبة الاحتفال بعودة السجناء الهاربين، زعم شخص في القاعدة بأن الرجال تلقوا المساعدة من ضباط في داخل السجن.
على المدى السنوات القليلة الماضية، أعادت الولايات المتحدة تركيز انتباهها على اليمن في محاولة لمحاربة القاعدة، وقامت بزيادة المساعدات وكثفت من الضربات بواسطة الطائرات بدون طيار. لكنه يبدو أن عناصر في الحكومة اليمنية يلعبون لعبة مزدوجة في الوقت نفسه؛ حيث يستقبلون مساعدات الولايات المتحدة بيد، ويساعدون المتشددين باليد الأخرى.

صهيب الموسوا، جيورجي جونسون* – (بَز فيد وورلد)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً