إيران والغرب.. تفكيك الجدار

shello
shello 2014/02/26
Updated 2014/02/26 at 3:32 مساءً

فهرس

لم تستطع حتى هطولات الثلوج القياسية هذا الشهر أن تصيب المزاج العام بالفتور في العاصمة الإيرانية، طهران. كانت الآمال بأن الاقتصاد الذي أعاقته العقوبات الدولية طويلاً قد يشرع في النمو قريباً تتصاعد منذ اللحظة التي انتُخب فيها حسن روحاني رئيساً لإيران في شهر حزيران (يونيو) الماضي. ثم حلقت هذه الآمال منذ توقيع الاتفاق الانتقالي في تشرين الثاني (نوفمبر) بين إيران وقوى العالم الست، بقيادة أميركا، حول برنامج البلد النووي المثير للجدل. وتهدف المزيد من المحادثات -الجولة الأخيرة من المفاوضات التي افتُتحت في فيينا يوم 18 شباط (فبراير)- إلى تأمين اتفاق شامل ينهي الأزمة النووية القائمة منذ عقد.
يقول أحد سكان طهران: “على الأقل، لدينا سبب لنكون مبتهجين”. وينكر القليلون حقيقة أن الجو الذي سادته الانقسامات في ظل حكم سلف السيد روحاني، محمود أحمدي نجاد، قد تغير. إن للرئيس الجديد لمسة تعاونية، حيث يعمل مع البرلمان -على سبيل المثال- لتمرير أول ميزانية في زمن قياسي. وفي تضاد مع مساجلات السيد أحمدي نجاد المعادية لإسرائيل، يتجنب السيد روحاني ذكر الدولة اليهودية ويتعامل بلطف مع المجتمع اليهودي الصغير في إيران. وقد سلم في الفترة الأخيرة تبرعاً حكومياً سخياً لمستشفى يهودي في طهران، على سبيل المثال. وبعد سنوات من انخفاض القيمة الثابت، استقرت عملة إيران أخيراً. ويعتقد صندوق النقد الدولي بأن معدل التضخم في إيران قد انخفض في الأشهر الستة الأخيرة من العام 2013 من 45 % إلى ما دون 30 %.
في كانون الثاني (يناير)، سافر السيد روحاني، رجل الدين الاجتماعي -وإنما الفولاذي أيضاً- إلى دافوس، عش الرأسمالية وأيقونتها، ليعلن أن إيران منفتحة على “الانخراط البناء”. وأعلن وزير نفطه، بيجان زانغانه، أنه لا يريد سوى رفع مبيعات إيران النفطية أربعة أضعاف عن مستواها الحالي الذي نضبته العقوبات، والبالغ 1.2 مليون برميل في اليوم. ويوم 2 شباط (فبراير)، كانت 100 شركة كبيرة فرنسية متواجدة في طهران لإجراء محادثات تجارية. ووفقاً لطاحونة الإشاعات المحلية، فإن المسؤولين التنفيذيين الأوروبيين ليسوا الوحيدين الذين ينسربون في أروقة وزارة النفط: هناك أميركيون أيضاً.
الرافضون كثيرون
مع ذلك، تبقى ثمة الكثير من العقبات أمام التحسن المقيم لحياة الإيرانيين اليومية. ما يزال المعارضون لمبادرات البلد الحالية كثيرون. ويهدد المشرعون الأميركيون بفرض عقوبات جديدة -حتى الآن بلا نتيجة. وبنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، وصف الصفقة بأنها “غلطة تاريخية”. ويمكن العثور على المتشككين في طهران أيضاً. ومع أن هناك اعترافاً بأن السيد روحاني سياسي حكيم يتمتع بدعم شعبي قوي، فإنه يواجه معارضة قوية في شكل المنظرين الثوريين والعسكريين. وبالنسبة لهؤلاء، سوف يكون الانفراج لعنة.
حسين شريعتمداري، رئيس التحرير البارز لصحيفة كيهان المحافظة، يعارض عدم رغبة الحكومة في الكشف عن تفاصيل المفاوضات النووية، في وقت تسود فيه الثرثرة الأميركية حول الموضوع. ويشكو السيد شريعتمداري من أن القوى الأجنبية لم تعترف في أي وقت بـ”حق” الجمهورية الإسلامية الذي يكثر الكلام عنه في تخصيب اليورانيوم، في حين يعتقد النظام بأن هذا كان الهدف الذي تعرضت إيران بسببه للعقوبات وأعمال التخريب، مثل اغتيال أربعة من علمائها النوويين.
محافظو إيران معتادون على اصطياد الرؤساء المعتدلين؛ كانوا قبل هذا قد دفعوا إلى النسيان بسلف السيد أحمدي نجاد، الإصلاحي النبيل الذي يدعى محمد خاتمي. ما تحركوا ضد واحد من حلفاء السيد روحاني، صادق زيباكالام، أستاذ العلوم السياسية الذي تجرأ مؤخراً على التساؤل عما حققته جهود إيران النووية لبلد تنافس مؤشراته التنموية مؤشرات البلدان الأفريقية. وقال زيباكالام إن هناك أكثر من خمسة ملايين إيراني عاطلون عن العمل، فيما يقوم الجفاف بتخريب البلد وبنيته الزراعية. ومنذ ذلك الحين، يواجه الرجل تهمة “إضعاف النظام”.
لكن السيد روحاني مصنوع من مادة أكثر صلابة من القادة السابقين فيما يبدو. ففي يوم 4 شباط (فبراير)، وصف منتقدي الصفقة النووية بأنهم “بالكاد يعرفون القراءة والكتابة”. وبعد يوم واحد، تمكن بنجاح من ترهيب المتشددين الذين يسيطرون على احتكار بث الدولة وإجبارهم على عكس القرار المفاجئ بعدم بث مقابلة كان مقرراً إجراؤها معه.
قبل عقد من الزمان، كان استياء الزعيم الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي، هو الذي أودى بحكومة السيد خاتمي الإصلاحي إلى الفشل. وتبقى قدرة السيد روحاني على الازدهار كامنة أيضاً في يد آية الله، التي تتحكم في كثير من مفاصل “الدولة العميقة” في إيران. كان موقف السيد خامنئي تجاه العملية الدبلوماسية غامضاً بطريقة محسوبة، وقال في كلمة ألقاها يوم 17 شباط (فبراير) عشية محادثات فيينا، إن إيران “لن تخرق ما بدأته”. لكنه اعترف أيضاً بأنه ليس متفائلاً. وقال إن إيران لا ينبغي أن تعول على المحادثات، وإنما يجب أن تعتمد على قدراتها المحلية التي “لا قرار لها”.
يأمل الإيرانيون الذين صوتوا للسيد روحاني حتى يتمكن من تخفيف آلام عقوبات بأن تكون كلمات المرشد الأعلى مجرد خدعة دبلوماسية بحتة. ولكن السيد خامنئي معروف بأنه يدعم أولاً، ثم ينأى بنفسه عن الرؤساء المنتخبين في المستوى الأدنى منه. وفي حال أخفقت إحدى الحكومات، فسوف يُنظر إلى آية الله على أنه الحكيم الذي لا غنى عنه لإنشاء حكومة جديدة.
يمكن أن تكون لا-أدرية السيد خامنئي المعلنة حول غزوات السيد روحاني الدبلوماسية بمثابة بوليصة تأمين ضد احتمال فشل هذه الغزوات. وعلى قدم المساواة، وكما يحذر أحد المسؤولين السابقين، قد يخشى آية الله من أن نجاح الرئيس ربما يعطي دفعة كبيرة جداً لآفاق الإصلاحيين في الانتخابات المقبلة على مدى الثمانية عشر شهراً المقبلة، سواء للبرلمان أو مجلس الخبراء -هيئة رجال الدين الذين يختارهم جزئياً آية الله، والتي تقوم من بين أمور أخرى باختيار المرشد الأعلى. ولو حدث أن فقد المحافظون الموالون السيطرة على تلك الهيئات، كما يقول المسؤول السابق، فإنهم يمكن أن يصبحوا خارج السلطة لسنوات.
مع ذلك، ورغم كل ما يعرضونه من تبجح، فإن للمحافظين في إيران -المظفرين منذ وقت طويل- نقاط ضعفهم الخاصة. ربما يكون الدعم العلني للبرنامج النووي الذي كلف، حسب بعض التقديرات، ما يزيد على 400 مليار دولار عندما يتم الجمع بين النفقات والخسائر من العقوبات، أضعف مما يفترضه أنصار النظام. كما لا يمكن أن يخفق المحافظون في ملاحظة الحقائق الاقتصادية أيضاً. كان التركيز على تلك القدرات المحلية الأسطورية، وضرب مسألة العقوبات بعرض الحائط، هي الأسباب التي جعلت حكومة السيد أحمدي نجاد تعاني من انهيار الإيرادات، مما أجبر خليفته على التفاوض من موقف ضعف. وقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي في إيران بنسبة
1.5 % في العام الماضي، كما يقول صندوق النقد الدولي، وليس من المرجح أن يلتقط أنفاسه في العام 2014.
من دون تدفق عائدات النفط مرة أخرى، سوف تبدو حكومة السيد روحاني ببساطة وكأنها نسخة أكثر تعقلاً وأقل إسرافاً من سابقتها فحسب. ربما تتمكن ميزانيتها من كبح جماح التضخم، لكنه سيكون من الصعب عليها تغيير منحنى البطالة، ورفع مستويات المعيشة أو التعويض عن سنوات من نقص الاستثمارات. سوف تلزم معالجة سوء الإدارة، حتى عندما يتم رفع العقوبات بشكل كامل. وعندها فقط، يمكن أن تتحقق الآمال في إيران.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً