إيلان بابيه.. عن عقيدة الإقصاء وعملية السلام والدولة الواحدة ثنائية القومية (2-2)

shello
shello 2014/03/19
Updated 2014/03/19 at 1:35 مساءً

qpn6c9x1

‹›

فلورنت بارات: كما قلتَ، عليك أن تضيف عنصر معاداة السامية إلى المسألة كذلك. عندما تسمع اللورد بلفور وخطاب السياسيين في ذلك الوقت، فستعرف أنهم أرادوا أن يعيش اليهود في فلسطين لأنهم لم يكونوا يريدون وجود اليهود في إنجلترا أو في أي مكان آخر في أوروبا. إن التاريخ أمر بالغ الأهمية. تحدثنا منذ بضع ساعات عن المعرفة والطريقة التي يتم نقلها بها. هل لك أن تخبرنا عن الكيفية التي يمكن بها للتاريخ والمعرفة، إذا تم تدريسهما بالشكل الصحيح، أن يقوما بتنوير الناس، وربما بتحسين الصراع؟
بابيه: أعتقد أننا قد أوضحنا ذلك مسبقاً. إذا لم يكن  لديك فهم ومنظور تاريخي، وإذا كنت لا تعرف الحقائق، فإنك ستقبل بذلك النوع من التصويرات السلبية التي تكونت لدى العالم والإسرائيليين عن الفلسطينيين. سوف أعطيك مثالاً واحداً عما يسمى “الإرهاب الفلسطيني”، والذي يأتي من وجهة النظر الإسرائيلية، وفي المنظور الغربي، من فراغ: “إننا لا نعرف لماذا يتسم هؤلاء الناس بالعنف، ربما يكون ذلك لأنهم مسلمون، ربما تكون تلك هي ثقافتهم السياسية”. لكنه عندما يكون لديك فهم تاريخي، فإنه يمكنك القول: “انتظر لحظة، إنني أفهم من أين يأتي هذا العنف، إنني أفهم مصدر العنف. إن استيطان بيتي بالقوة في الحقيقة، هو عمل من أعمال العنف. ربما أكونُ مخطئاً، وربما أكون محقاً في محاولتي المقاومة بالعنف، لكن الأمر كله يبدأ من لحظة غزو حيزي نفسها، المكان الذي أعيش فيه. بل ويترافق هذا الغزو برغبة في التخلص مني… ماذا يمكنني أن أفعل؟”. أعتقد أن البعد التاريخي مهم، أولاً لتحقيق فهم أفضل لسبب استمرار الصراع. السبب الثاني هو أننا لن ننجح أبداً في تغيير وجهات النظر السياسية حول القضية الفلسطينية إذا لم نشرح للناس كيف تم التلاعب بالمعرفة. ذلك مهم جداً لأنك تحتاج إلى فهم الكيفية التي يتم بها استخدام بعض الكلمات، مثل عملية السلام، وكيف يتم بث بعض الأفكار، مثل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، مثل الحديث عن بدائية الفلسطينيين، وهلم جرا. إنك تحتاج إلى فهم كيف تشكل هذه اللغة وسائل للتلاعب بالمعرفة، وكيف أنها موجودة هناك لإبراز وجهة نظر معينة، ومنع وجهة نظر أخرى من الخروج إلى الفضاء. أعتقد أنها ورقة ذات وجهين بطريقة تحتاج معها إلى فهم تاريخ المكان، لكنك تحتاج أيضاً إلى فهم قوة السرد، وكيف يتم بناؤه، وكيف يتم التلاعب به، والكيفية التي يمكن بها تحديه والطعن به. إن السرد الرئيسي الذي ما يزال الإسرائيليون يتعاقبون على تصويره هو هذه الفكرة عن أرض، والتي تقول إنها حتى لو لم تكن فارغة، فقد كان يشغلها أناس ليست لهم أي صلات حقيقية بالمكان، وفاقدون للشرعية. إنهم يفقدون الشرعية مرة لأنهم ليسوا موجودين، ثم يفقدون الشرعية مرة أخرى لأنهم نوع من البدو الرحل، ولذلك فإنهم لا يكترثون، ثم يفقدون الشرعية لكونهم عنيفين، أو لكونهم مسلمين بعد 11/9. هناك كل الوقت هذه الدورة من الكلمات والأفكار التي تحاول إقناعك بأن أي شيء يفعله الإسرائيلون، حتى وإن كنت غير راض عنه، لا يهم، لأنه لا يوجد أحد على الجانب الآخر لديه أي شيء مشروع ليعرضه، ولذلك يتوقف كل شيء على اللطف الإسرائيلي. لو أنك تدقق بعناية في لغة السلام منذ أوسلو، وحتى قبل ذلك -ولكنه أصبح أكثر بروزاً منذ أوسلو- فإن كل شيء إنما يتعلق بالتنازلات الإسرائيلية: اللغة هي التنازل، سوف يقدم الإسرائيليون تنازلات للفلسطينيين، وبعد ذلك، هناك فرصة للسلام. إذا كانت هذه هي نقطة الانطلاق، فإنها لن تكون هناك أي مصالحة أبداً. أنا غزوت منزلك، لكنني سخي بما يكفي لأسمح لك بأن تعود وتأخذ الأريكة معك إلى المكان الجديد. ذلك يشكل بالكاد حواراً يريد تسوية صراع؛ بل انه يكاد يكون أكثر إذلالاً من فعل الغزو نفسه.
بارات: المؤرخون غير موضوعيين، أليس كذلك؟ على سبيل المثال، كيف يمكن أن تتفق أنت وبيني موريس على وقائع العام 47/48، لكنكما تخلصان إلى استنتاجات مختلفة جداً؟ كيف تتعامل مع ذلك؟
بابيه: أولاً وقبل كل شيء، أعتقد أن هناك بنية تحتية واقعية. وعلينا أن نعرفها جميعاً. وبهذا المعنى، من الجيد أن بيني موريس توجه إلى الميدان على الأقل ليعلن فكرة وجوب التوقف عن هراء القول بأن الفلسطينيين غادروا طواعية في العام 1948. كان هذا النقاش قائماً على الوقائع: هل غادروا طوعاً أم أنهم طردوا؟ إن ما تشعر به من هذه المناقشة عندما تستمر هو أن هذه ليست هي القضية الأكثر أهمية، لأننا كنا نعلم قبل ظهور المؤرخين في إسرائيل أن الفلسطينيين كانوا يطردون، لكننا لم نصدق الفلسطينيين فقط. كانوا 5 ملايين لاجئ فلسطيني، وظلوا يقولون لنا: “نحن طردنا” وكنا نقول: “كلا، إنكم فلسطينيون، عندما تقولون ذلك، نحن لا نصدقكم”. تغير الأمر فقط عندما جاء المؤرخون الإسرائيليون إلى القول: “أتعرف، إنهم على حق”، كانت لديهم الوثائق التي أكدت ما كان الفلسطينيون يقولونه، حتى أنهم أصبحوا يقولون الحقيقة فجأة. كان ذلك مجرد خطوة أولى، ولم يكن الشيء الأكثر أهمية هو ما حدث، وإنما ما يجب أن نتعلمه مما حدث؟ ما هي استنتاجاتنا؟ وهذا نقاش أخلاقي وأيديولوجي- إنه أيديولوجي. إن المحاولة المصطنعة للقول بأن المؤرخين يمكن أن يتعاملوا فقط مع ما حدث، لا أن يقولوا أي شيء عن ما هي الآثار المترتبة والتداعيات، هي مجرد مقاربات زائفة، والتي يمكن مشاهدتها في عمل موريس الخاص. إنه يكتب في كتابه الأول أنه يشعر بالأسف قليلاً لما تم فعله في العام 1948، وفي كتابه الأخير، يقول أنه يشعر بالأسف لأن الإسرائيليين لم يكملوا عملية التطهير العرقي. إنه لم يغير حقيقة واحدة في كلا الكتابين، إنها نفس الحقائق، لكن تمت كتابة الكتابين بشكل مختلف جداً: كتاب لا يحب فكرة التطهير العرقي، وكتاب آخر يؤيدها، ولا يبررها في الماضي فقط، وإنما يؤيدها كخطة للمستقبل.
بارات: سوف يحين الوقت الآن لفاصل موسيقي. إيلان، لقد اخترتَ أغنيتين تريد الاستماع إليهما. هل يمكن أن تقدم لنا الأولى، وربما تقول لنا الأسباب التي جعلتك تختارها؟
بابيه: المادة الأولى هي أغنية لكات ستيفنز، اسمها “قطار السلام”. لطالما أحببت كات ستيفنز. إنني من نتاج السبعينيات، وهو واحد من أبطالي الموسيقيين. كما أنني أحب أيضاً خطوته الجريئة جداً باعتناقه الإسلام وعدم الفزع من كل ما قيل عنه. أعتقد أن هناك بعض الصدق في هذا الرجل. هذه الأغنية، بالنسبة لي، كانت غامرة ولو أنني لست متأكداً أنه يعني نفس الأشياء التي أعنيها، لكن هذا لا يهم! إنها تلخص ما كنت أتشوف دائماً إليه: أن نشاهد قطار السلام هذا وهو يأتي إلى إسرائيل وفلسطين. عليك أن تفهم من هو السائق ومن هم الركاب. كنت قد كتبت في أحد مقالاتي (لا أتذكر أي واحد منها…) ثمة فرق بين قطار سلام يأخذنا جميعاً إلى وجهة أفضل، والتي هي عملية السلام التي ليست لدينا، وبين قطار السلام الذي يدوس الجميع في الطريق إلى ما يسمى السلام، والذي أعتقد أنه عملية السلام الحالية لدينا، لذلك يشكل هذا مجازاً قوياً جداً بالنسبة لي.
بارات: لقد انتقلتَ إلى إكستر في المملكة المتحدة في العام 2007، لكنك ما تزال تعود إلى إسرائيل في كثير من الأحيان. كيف تطور الوضع في إسرائيل في السنوات القليلة الأخيرة؟
بابيه: إن مهمة تغيير المجتمع اليهودي من الداخل هي مهمة صعبة. يبدو أن هذا المجتمع يصبح أكثر وأكثر تخندقاً حول مواقفه. كلما فكرت في ذلك أكثر، أصبحت أكثر يأساً من النجاح في تغييره من الداخل. على الجانب الآخر، هناك عدد متزايد من الشباب الذين يبدو أنهم بدأوا يفهمون الواقع بطريقة مختلفة. هناك عدد قليل جداً منهم، لكنني لا أتذكر وجود مثل هذا الجيل من الشباب في إسرائيل من قبل. وهكذا، وحتى لو أن المستقبل المنظور لا ينطوي على أي فرصة للتغيير من الداخل، فإن هناك دلائل على أنه مع الضغط من الخارج، فإن هناك مجموعة من الناس هناك، الذين ربما يستطيع المرء معهم خلق مجتمع مختلف في المستقبل. إنك إذا قارنت إسرائيل اليوم مع إسرائيل التي تركتها، أو إسرائيل التي نشأت فيها، فإن الاتجاه هو أنها تصبح أكثر شوفينية، وتمركزاً حول الاعتبارات الإثنية، وأكثر تعنتاً، وهو ما يجعلنا جميعاً نشعر بأن السلام والمصالحة يظلان بعيدين جداً إذا اعتمدنا فقط على أملنا بأن يتغير المجتمع اليهودي من الداخل.
بارات: هل يجب علينا بالتالي وضع كل طاقتنا في ممارسة الضغط من الخارج، أم أنه ما يزال علينا أن نتحدث إلى الإسرائيليين من أجل محاولة جعلهم يغيرون وجهات نظرهم؟
بابيه: إن السبب في أننا جميعاً نناقش هذا هو أن آلة الدمار على الأرض لا تتوقف ليوم واحد. ولذلك، فإننا لا نملك ترف الانتظار لفترة أطول. الوقت ليس في صالحنا. نحن نعلم أننا بينما ننتظر، فإن الكثير من الأشياء الفظيعة تحدث على الأرض. نحن نعرف أيضاً أن هناك علاقة بين تلك الأشياء الفظيعة التي تحدث وبين إدراك الإسرائيليين أن هناك ثمناً سيترتب على ما يفعلونه. وإذا كانوا لا يدفعون ثمناً لما يفعلون، فسيدفعهم ذلك حتى إلى المزيد من تسريع استراتيجية التطهير العرقي. وبالتالي، الأمر خليط. إننا في حاجة ماسة إلى إيجاد نظام نستطيع به وقف ما يجري الآن، على أرض الواقع، وكذلك منع ما هو على وشك الحدوث أيضاً. إننا في حاجة إلى نموذج قوي للضغط من الخارج. وبالقدر الذي يهم الناس في الخارج، المجتمع المدني الدولي، فإنني أعتقد أن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات من إسرائيل تظل جيدة بالحد الذي يمكن أن تصل إليه. مع ذلك، لا يمكن أن تكون هذه الحركة هي النموذج أو العامل الوحيد. هناك اثنان من العوامل الإضافية اللازمة لجعلها عملية ناجحة. أحدهما على الجانب الفلسطيني. تتعين تسوية مسألة التمثيل. ويحتاج هذا الأمر إلى حل جيد. ثانياً، يجب أن يكون لدينا نوع من النظام التعليمي، في الداخل، الذي يأخذ وقته لتثقيف اليهود الإسرائيليين حول واقع مختلف، والمنافع التي سوف يجلبها لهم. إذا عملت هذه العوامل جميعاً بشكل جيد، وأصبح لدينا نهج أكثر شمولية بخصوص مسألة المصالحة، فإن الأمور يمكن أن تتغير.
بارات: بوصفك مدرسا، ألن تكون أكثر فائدة بالتدريس في إسرائيل بدلاً من الخارج؟ هل يمكن أن تكون المعلم الذي أنتَ عليه في المملكة المتحدة إذا كنت في إسرائيل؟
بابيه: لا أعتقد أنني أريد أن أكون مدرساً في جامعة على أي حال. الجامعات ليست هي أفضل مكان لتعليم الناس عن واقع الحياة، أو التي يمكن أن تغير وجهة نظرهم. الجامعات الآن أصبحت مواقع لشغل الوظائف، وليس للمعرفة والتعليم. إنني أدرّس في إسرائيل أيضاً، بطريقتي الخاصة، من خلال مقالاتي، ومن خلال الكمية الضئيلة من الخطابة والتحدث إلى الجمهور كلما سمح لي بهما. وأود أن يستمر هذا. إنني أشعر أن ما أقوم به في بريطانيا يعمل في مسألة الضغط من الخارج أقل من التعليم. لا يمكنك الحفاظ على حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات من إسرائيل دون أن تشرح للناس لماذا هي ضرورية، ومنحهم الأدوات والخلفية التي يحتاجونها لفهمها. لإضفاء الشرعية عليها. إننا لا نتوقف عن أن نكون معلمين ومربين، فضلاً عن كوننا ناشطين كل وقت. من المهم محاولة الجمع بين الأمرين، وإيجاد الوقت اللازم للأنشطة السياسية التي تزوالها وبين العملية التعليمية. لا يمكننا أن نكون نافذي الصبر إذا لم يفهم الناس الأمر على الفور. علينا أن نتحلى بالصبر، وأن نشرح مواقفنا مراراً وتكراراً حتى يفهمها الناس.
بارات: إنني مهتم جداً بمسألة التضامن. بمعناها الحقيقي. بوصفنا غير فلسطينيين، ما الذي يعنيه التضامن؟ من هم الذين نقف تضامناً معهم؟ ماذا لو كان من يمثل الفلسطينيين يقرر أنهم يريدون دولة على 11 % من فلسطين التاريخية، وأنهم يريدون دولة رأسمالية على نمط الليبرالية الجديدة. كيف يُفترض بي أن أقف متضامناً مع ذلك؟
بابيه: أولاً وقبل كل شيء، التضامن يكون مع ضحايا سياسة وأيديولوجية معينة، حتى لو لم يكن هؤلاء الضحايا ممثَّلين. إنك متضامن مع معاناتهم وتدعم محاولتهم الخروج من هذه المعاناة. إنك تثير الآن مسألة مثيرة للاهتمام. أعتقد أن جزءاً من التضامن هو مثل الصداقة الجيدة. كصديق جيد، يمكنك أن تخبر صديقك بأنك تفهم ما يقوم به، لكنك تعتقد أنه خطأ. أولئك منا المتضامنون مع الشعب الفلسطيني، نجد أنفسنا، عندما يتعلق الأمر بمناقشاتنا مع الأصدقاء الجيدين الذين ما يزالون يدعمون عملية السلام، وحل الدولتين، نجد أنفسنا في اختلاف معهم. إن جزءاً من دورنا هو أن نقول لهم إننا نعتقد أنهم مخطئون. الفرضية في سؤالك غير واقعية. لن يوافق فلسطيني واحد على هذا الحل أبداً. ومع ذلك، وإذا ما حدث ذلك، نعم، ربما سيكون علينا أن نعيد النظر في فكرة التضامن كلها. إن هذه المناقشات عضوية وتنبع من الوضع، إننا لا نبتكرها. إذا كان لديك موقف بين دولة واحدة أو دولتين، أو أي نوع من الوسائل ينبغي أن يتبناها الفلسطينيون، فإنك تصبح متصلاً بالقضايا التي لدى الفلسطينيين أنفسهم، وبذلك لا تكون دخيلاً. إنك سوف تخون تضامنك إذا توقفت عن تبني موقف من المناقشات الحالية والمهمة. أعلم أن هناك في بعض الأحيان موقفا قوميا يقول إنه لأنك لست فلسطينياً، فإنه لا يمكنك التعليق ولا يحق أن يكون لك رأي. بالنسبة لي، تُصنع الحركات من الناس، والناس يختلفون عن بعضهم بعضا. لن يتصرف الجميع وفقاً لنفس القواعد. أعتقد أن التضامن أيضاً هو الاتفاق على ما يكون فعله صواباً وما يكون خطأ. ما هي حدود إشراك الناس من الخارج؟ لا توجد إجابة دوغمائية على ذلك. في العادة، عندما يقول شخص ما شيئاً من قبيل أنك لا تستطيع أن تدعو إلى دولة واحدة إذا كنت غير فلسطيني أو إسرائيلي، فإن ذلك عادة ما يكون هدفه خنق النقاش. لا ينبغي أن نضيع وقتاً طويلاً على هذا السؤال. الآن، أعتقد أن كل شخص منخرط يعرف ماذا يعني التضامن، وما الذي يبيح لك أن تفعله.
بارات: دعنا نتحدث عن “الحل”. هل هناك حقاً نقاش يجري الآن حول هذا الموضوع؟ حل الدولتين، بالقدر الذي يعني المؤسسات، والحكومات، ما يزال يبدو أنه الحل الوحيد المطروح على الطاولة. وعندما تذكر الدولة الواحدة، فإن الناس إما يعتبرونك طوباوياً أو يقولون إنك ضد حق اليهود في تقرير المصير. حتى ما يسمى بالقادة السياسيين الفلسطينيين، بالرغم مما يحدث على أرض الواقع، ما يزالون يدعمون حل الدولتين. الحل الأكثر عقلانية وإنسانية، والذي يجب أن يكون الدولة الواحدة، ما يزال لا يناقش ولا يجري التفكير فيه بما فيه الكفاية من حيث جوانبه العملية، والكيفية التي يمكن بها الوصول إلى هناك.
بابيه: أعتقد أن هناك أمرين يجريان. أحدهما هو مسألة التمثيل الفلسطيني. لقد أصبح الناس الذين يدّعون أنهم يمثلون الفلسطينيين من الضفة الغربية هم ممثلو الشعب الفلسطيني بأكمله. بالقدر الذي يخص الضفة الغربية، فإنك ترى حل الدولتين جذاباً. إنه يمكن أن يعني نهاية السيطرة العسكرية على حياتهم. يمكن للمرء أن يفهم ذلك. لكن هذا يتجاهل الفلسطينيين الآخرين -اللاجئين، اللاجئين من غزة وأولئك الذين يعيشون داخل إسرائيل. هذه واحدة من الصعوبات. لديك مجموعات معينة من الفلسطينيين الذين يعتقدون -خطأ في رأيي- أن هذه هي أسرع وسيلة لإنهاء الاحتلال. لا أعتقد ذلك. إنك تكون محقاً تماماً عندما تقول إن اتفاق أوسلو كفِل استمرار الاحتلال، وليس نهايته. السبب الثاني هو أن لحل الدولتين حلقة منطقية تحيط به. إنه فكرة غربية جداً. اختراع استعماري تم تطبيقه في الهند وأفريقيا. فكرة التقسيم هذه. في حين أن العالم غير الغربي هو عالم أكثر شمولية بكثير. لقد أصبح ذلك نوعاً من الدِّين إلى حد أن أحداً لم يعد يستنطقه بعد الآن. أنت تحاول أن تخمن أفضل السبل للوصول إلى هناك. وهذا مستغرب. في رأيي أنه يجعل أناساً أذكياء جداً يعتنقونه كدين يحكم منطقهم. وإذا أنت شككت في عقلانيته، فإنك تصبح محلاً للنقد. هذا  في حين أن الكثير من الناس في الغرب يتشبثون به. لا شيء على أرض الواقع يمكن أن يغير عقولهم على الإطلاق. إنكَ على حق بطبيعة الحال. سوف يظهر لك قضاء خمس دقائق على الأرض أن الدولة الواحدة قائمة هناك بالفعل. إنها نظام غير ديمقراطي، نظام فصل عنصري. ولذلك، أنت تحتاج فقط إلى التفكير في كيفية تغيير هذا النظام. أنت لا تحتاج إلى التفكير في حل دولتين. إنك تحتاج إلى التفكير بكيفية تغيير العلاقات بين المجتمعات. بكيف تؤثر على هيكل السلطة القائم.
بارات: حسناً. إذن، كما تقول، لماذا ما يزال أناس أذكياء جداً، ومنطقيون جداً، يقولون إن حل الدولتين هو الخطوة الإجبارية، الخطوة الأولى التي لا مفر منها، نحو شيء أفضل. لقد ذهبتُ إلى محاضرات حول هذا، لكنني ما أزال لا أفهمه. كيف يمكن لهذا أن يعمل في الممارسة؟
بابيه: مرة أخرى، يعود ذلك إلى مذهب عقلي غربي في النظر إلى الواقع. وهو يقول: إنني أستطيع أن أدعو وأدافع فقط عما يمكنني الحصول عليه، وليس ما أريد. في هذه اللحظة من الزمن، يبدو أن لديك ما يشبه ائتلافاً واسعاً يلتئم حول حل دولتين، ولذلك اعمل عليه. إنك لا تقيّم فضائله، ولا بعده الأخلاقي، حتى لو كانت إمكانيته لتغيير الواقع مؤجلة إلى وقت لاحق. إنه مثل تلك النكتة اليهودية عن الشخص الذي يفقد المفتاح، ويبحث عنه فقط حيث يوجد ضوء، وليس حيث أضاعه. حل الدولتين هو الضوء، إنه ليس المفتاح. يفكرون: هناك ضوء، لذلك دعونا نذهب إلى هناك. لا بد أن للأمر علاقة بالتنوير. هذه الفكرة تشكل نهجاً معقولاً جداً. وهي بالطبع معقولة إلى حد ما. لكنها مجنونة تماماً لأنه ليس لها أي علاقة بالصراع. إن لها علاقة بالطريقة التي تريد بها إسرائيل أن يقبل العالم هذه الفكرة، التي تم بناؤها في العام 1967، من أنها تحتاج معظم الأراضي التي احتلتها عندئد، ولكنها مستعدة للسماح ببعض الحكم الذاتي للفلسطينيين في تلك الأراضي. هذا هو موضوع النقاش في إسرائيل. إنه لا يدور أبداً عن المبادئ. إن الشيء الذي تحتاجه إسرائيل دائماً هو الدعم الدولي. إنها تحتاج مصادقة المجتمع الدولي على سياستها ووضع ختمه عليها. كما أنها في حاجة إلى ممثل فلسطيني. في العام 1993 فاجأتها منظمة التحرير الفلسطينية عندما وافقت على القبول بمنطقة حكم ذاتي صغيرة على جزء صغير من الضفة الغربية وترك كل ما تبقى لإسرائيل. هذا هو حل الدولتين الذي يريد الجميع أن يقنعنا بأنه السبيل الوحيد للمضي قدماً. المشكلة أنه ليس هناك فلسطيني واحد يمكن أن يعيش مع هذا. ومن هنا يأتي استمرار الصراع.
بارات: إدوارد سعيد توفي قبل عشر سنوات. كان واحداً من آخر الفلسطينيين، إلى جانب محمود درويش، الذين تنظر إليهم غالبية الفلسطينيين بإجلال. أنا أعلم أنك تعرفه جيداً. هل يمكن أن تختم بأن تقول لنا بضع كلمات عن إدوارد سعيد والدور الذي لعبه خلال حياته؟
بابيه: إننا نفتقده كثيراً. لا أعتقد أن الفلسطينيين فقط هم الذين تطلعوا إليه من أجل الإلهام. كان واحداً من أعظم المفكرين في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد تطلعنا جميعاً إليه طلباً للإلهام، في أسئلة المعرفة والأخلاق، والنشاط السياسي، وليس حول فلسطين فحسب. إننا نفتقد نهجه الشمولي، قدرته على رؤية الأشياء من فوق بطريقة أكثر صحية. عندما تفقد شخصاً مثل هذا، يتبقى لديك أناس يأخذون التشرذم الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين ويتصرفون كما لو انه هو الواقع في حد ذاته. إن ما نحتاج إليه هو التغلب على التجزؤ الفكري والمادي والثقافي الذي تفرضه إسرائيل علينا، على الفلسطينيين واليهود معاً، والنضال من أجل العودة إلى شيء أكثر عضوية وتكاملاً بكثير، بحيث يمكن أن يكون للجيل الثالث من المستوطنين اليهود ولشعب فلسطين وسكانها الأصليين مستقبل معاً.
فلورانت بارات: سؤال أخير الآن. إيلان، هل تعمل على تأليف كتاب في الوقت الحالي؟
إيلان بابيه: لدي عدة كتب في الواقع. أحدها سيخرج إلى النور في الشتاء المقبل. عنوانه ” فكرة إسرائيل”، وهو تأريخ لكيفية إنتاج المعرفة في إسرائيل. وفي العام 2015، سيصدر كتابي الآخر حول تاريخ إسرائيل في احتلال الضفة الغربية، بعنوان “سجن فلسطين العملاق”.

حاوره: فلورنت بارات ترجمة وتقديم: علاء الدين أبو زينة

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً