إيلان بابيه.. عن عقيدة الإقصاء وعملية السلام والدولة الواحدة ثنائية القومية (2-1)

shello
shello 2014/03/18
Updated 2014/03/18 at 10:37 صباحًا

k5nz32vy

للأسف، لم تستطع الرواية العربية للصراع العربي-الصهيوني أن تساعد نفسها كثيراً، لمختلف الأسباب الذاتية والموضوعية. وقد شكل خسران معركة الرواية جانباً عضوياً من خسارة الأرض العربية والموقف العالمي على حد سواء. وكان جزء من الحرب على روايتنا هو تكذيبها باعتبارها روايتنا “المعادية” للآخر اليهودي، تحت عنوان معاداة السامية وما شابه. لذلك، يقدم اشتراك مفكرين ومؤرخين من الجانب الآخر في تفنيد الرواية الصهيونية السائدة خدمة لا تقدر بثمن، ليس للفلسطينيين والعرب وحسب، وإنما للحقيقة كفكرة.
في هذا الإطار المهم، ثمة القليلون من المؤرخين، إن كان ثمة أحد، ممن اشتغلوا مثل المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه في الحفر العميق على أصل دولة الكيان ونشأتها والأساليب التي انتهجتها لإفراغ فلسطين من أهلها. ويعتبر كتابه “التطهير العرقي لفلسطين” الذي صدر في العام 2006 واحدة من أكثر الوثائق أهمية على الإطلاق للكيفية التي تم بها اقتلاع 75.000 فلسطيني من ديارهم، في تطبيق للخطة التي وضعها القادة الصهاينة في العام 1947. وقد تسبب انتقاد إيلان بابيه المستمر لدولة الكيان بقيام نظرائه من الأكاديميين الإسرائيليين بعزله. ثم أفضى دعمه لحملة المقاطعة الأكاديمية ضد الكيان في العام 2005 إلى طلب رئيس جامعة حيفا إليه أن يستقيل من التدريس هناك، فانتقل منذئذ إلى المملكة المتحدة، دون أن يتحول عن مواقفه الثابتة تجاه مؤسسة الاحتلال ومناصرته للفلسطينيين. ويتحدث بابيه عن الأسباب التي جعلته يغادر كلية العلوم السياسية بجامعة حيفا ويقبل الأستاذية بجامعة “أكستر” في بريطانيا، فيقول في حوار مع صحيفة معاريف الإسرائيلية: “إن من يواجه الحقائق التي تربى عليها مجتمعه يتحمل الكثير من العداوة والحسد والكراهية. يجب على الإنسان أن يأخذ إجازة من هذا، يؤسفني أنني كنت كبش فداء للمجتمع الإسرائيلي. لن أتنازل عن الحقيقة ولكن ليس من اللطيف تحمل هذه العداوة. السبب الثاني هو الترقية الأكاديمية، أنا شخص أكاديمي ويستحيل بالنسبة لي العمل كمؤرخ محترف في إسرائيل. أقوم بدراسة أمور يصعب على المجتمع الإسرائيلي تقبلها. هم لا يقومون بترقيتي بسبب آرائي. كل من نشر 12 كتابا تتم ترقيته إلى درجة بروفيسور في أي مكان آخر بالعالم، وقد عرضوا عليّ منصب “بروفيسور” في جامعة أكستر”.
وكما يؤكد في المقابلة التالية، فإنه يرى في حل الدولتين ظلماً كبيراً للفلسطينيين، خاصة  أن “الدولة الفلسطينية التي يجري الحديث عنها مؤخراً لا تتجاوز مساحتها 11 % من فلسطين التاريخية. ويتساءل بابيه عن مصير الفلسطينيين الآخرين الذين لن تتسع لهم هذه الدولة، وأين سيذهبون. ولذلك، يرى أن الحل الأكثر عدالة يكمن في فكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية، حيث يعود اللاجئون الفلسطينيون إلى وطنهم ويعيشون في دولة ديمقراطية متساوية الحقوق.
في هذه المقابلة، يبين بابيه أيضاً كيف تستخدم دولة الاحتلال نظام التعليم في مسح أدمغة الأجيال وتلقينهم بحيث يصبح انخراطهم في المؤسسة الصهيونية الاستعمارية عقيدة يصعب الفكاك منها. كما يبين التناقض الأساسي الذي قامت عليه فكرة استعمار فلسطين، حين قام الصهاينة الأوائل العلمانيون في معظمهم باستخدام الفكرة الدينية عن منح الله فلسطين لليهود لتبرير مشروعهم الاستيطاني. وعلى عكس الكثير من الخطاب السائد اليوم، يسمي بابيه المقاومة العنيفة للفلسطينيين باسمها: مقاومة، والتي لا يمكن تجنبها عندما يحتل الغزاة حيزهم مع نية إقصائهم تماماً. ويضع بابيه هذه المسألة في سياق تفسير اللغة التي تستغل لتشكيل السرد بطريقة ماكرة، تبرز صوتاً وتكتم آخر.
في “عملية السلام” التي ينتقدها بابيه بشدة، يقول إن الكلمة المستخدمة فيها منذ أوسلو هي “التنازلات” من الجانب الإسرائيلي، وأن هيمنة هذه المفردة عليها لن تصل بأحد إلى المصالحة أبداً، لأن الحديث عن تنازل الغازي لصاحب الأرض يكون أكثر إذلالاَ له من الاحتلال نفسه. وينبغي أن يكون من المفيد للقيادة الفلسطينية أن تستمع إلى ما يقوله هذا المؤرخ الذي يبدو أكثر غيرة على الحق الفلسطيني من بعض أهله. وهو يعتقد أن كل مناصري الفلسطينيين يجب أن ينبهوا هذه القيادة إلى الخطأ الذي ترتكبه إذا هي قبلت بشروط السلام كما هي مطروحة مؤخراً.
ينتمي إيلان بابي (أو بابيه) إلى تيار المؤرخين الجدد الذين قاموا بإعادة كتابة التاريخ الإسرائيلي وتاريخ الصهيونية بالطريقة التي تتعارض مع الرواية الرسمية لمؤسسة الاحتلال في فلسطين. وقد زاول التدريس بجامعة حيفا، كما ذكر، وهو يدرس حاليا بجامعة إكستر. ويعتبر من أبرز دعاة حل الدولة الواحدة (للقضية الفلسطينية)، كما يشرح في هذه المقابلة. وهو أيضاً من مؤيدي مقاطعة المؤسسات التعليمية الإسرائيلية، في إطار حملة المقاطعة الدولية للكيان ونصرة الفلسطينيين. يقول بابيه عن ذلك في مقال كان قد نشره في صحيفة الغارديان البريطانية: “المقاطعة والضغط الخارجي لم يستعملا أبدا في حالة إسرائيل، وهي دولة تطمع لأن تكون جزءا في العالم المتحضر الديمقراطي. تمتعت إسرائيل بالفعل بوضع كهذا منذ أن تم خلقها في 1948 ونجحت في مقاومة قرارات الأمم المتحدة العديدة التي أدانت سياساتها، واكثر من هذا، خططت للحصول على وضع متميز داخل الاتحاد الأوروبي. تجسد المكانة المرتفعة للمؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية في المجتمع البحثي العالمي هذا الدعم الغربي لإسرائيل باعتبارها “الديمقراطية الوحيدة” في الشرق الأوسط. يمكن للجيش الإسرائيلي والشاباك المضي، وسوف يمضيان، في تدمير البيوت، طرد العائلات، إهانة المواطنين والقتل اليومي للنساء والأطفال بدون أن تتم محاسبتهما محليا أو دوليا، محميين بهذا الدعم الخاص للمؤسسة الأكاديمية وبوسائل الإعلام الثقافية الأخرى”.
لكل هذه المواقف، تعرض إيلان بابيه للكثير من النقد في إسرائيل بسبب تأييده للحقوق الفلسطينية في عودة اللاجئين وفي مقاومة الاحتلال. وتلقي هذه المقابلة بعض الضوء على تصوراته عن مختلف القضايا المتعلقة بتركيبة الكيان وسياساته، وما يتصور أنه الطرق الأفضل للتعامل مع متغيرات القضية الفلسطينية، وقد أجرى هذا الحوار معه الإعلامي فلورنت بارات، لصالح موقع “الحيطان لها آذان: حوارات من أجل فلسطين”.
ونشر الحوار هناك بتاريخ 22 كانون الأول (ديسمبر) 2013 تحت عنوان: Conversation with Ilan Pappe: We Don’t Have the Luxury to Wait Any Longer

فلورنت بارات: إيلان، أنت مؤرخ، وقد نشرت العديد من الكتب، من بينها كتابك الشهير والجدلي بالنسبة للبعض، والذي نشر في العام 2006 “التطهير العرقي لفلسطين”. وفي العام 2007، انتقلت إلى إنجلترا حيث تقوم الآن بتدريس التاريخ في جامعة إكستر. أنت جزء ممن يسميهم البعض “المؤرخون الجدد”، وتقدم تحليلاً وسرداً جديدين لتاريخ الصهيونية وتاريخ خلق إسرائيل. وقد اتخذت بعض المواقف الراديكالية ضد دولة إسرائيل. لماذا ومتى قررتَ الوقوف في جانب الفلسطينيين؟ وماذا كانت تداعيات ذلك على كونك إسرائيلياً؟
إيلان بابيه: تغيير وجهة النظر حول مثل هذه القضية الحاسمة هو رحلة طويلة، إنه لا يحدث في يوم، ولا يحدث بسبب حدث واحد. لقد حاولت في واحد من كتبي، “خارج الإطار”، أن أصف هذه الرحلة خروجاً من الصهيونية إلى موقف نقدي ضد الصهيونية. ولو كان لي أن أختار حدثاً تكوينياً، والذي غيّر حقاً وجهة نظري بطريقة درامية، فإنه سيكون هجوم الإسرائيليين على لبنان في العام 1982. بالنسبة لنا نحن الذين نشأنا في إسرائيل، كانت تلك أول حرب لا يكون عليها توافق في الآراء، الحرب الأولى التي كان من الواضح أنها حرب اختيار: لم تتعرض إسرائيل إلى الهجوم، وإنما إسرائيل هي التي هاجمت. ثم حدثت الانتفاضة الأولى. كانت هذه الأحداث تفتح الأعين بالعديد من الطرق بالنسبة للناس من أمثالي الذين لديهم أصلاً بعض الشكوك حول الصهيونية، حول النسخة التاريخية التي تعلمناها في المدرسة.
إنها رحلة طويلة، وبمجرد أن تبدأها، فإنك تواجه مجتمعك الخاص، بل انك تواجه حتى عائلتك نفسها، وهو ليس موقفاً من الجميل أن تكون فيه. الناس الذين يعرفون إسرائيل يعرفون أنها مجتمع حميمي وحيوي جداً. وهكذا، فإنك إذا وقفت ضده، فإنك ستشعر بذلك في كل جانب من جوانب حياتك. وأعتقد أن هذا واحد من الأسباب التي تجعل الناس من أمثالي يأخذون وقتاً أطول قليلاً حتى يصلوا إلى النقطة التي يقولون فيها: ليس ثمة عودة: ينبغي أن تلتزم بهذه الآراء مهما تكن التداعيات.
فرانك بارات: إنني أجد ما تقوله عن إسرائيل مثيراً جداً للاهتمام. معظم الدول القومية تكون بارعة جداً في الدعاية، لكن إسرائيل نقلت هذا النشاط إلى مستوى آخر. أنا أعرف شخصاً ما، وتعرفه أنت أيضاً، نوريت بيليد-الهانان، التي كتبت كتاباً عن الطريقة التي يتم بها تصوير العرب في الكتب المدرسية الإسرائيلية، حتى تكشف للعالم عن كمية غسل المخ وطبيعة الدعاية في إسرائيل، والتي تبدأ من سن مبكرة جداً. هل يمكنك أن تخبرنا المزيد عن ذلك المجتمع، بما أنك كنت قد خبرت هذا بنفسك أيضاً؟
بابيه: هذا صحيح في واقع الأمر. إنه مجتمع ملقّن جداً، ربما أكثر من معظم المجتمعات الغربية، وأكثر من المجتمعات غير الغربية. ليس الناس هناك ملقنين بالإكراه، بل هو تلقين قوي يبدأ من اللحظة التي تولد فيها ويستمر إلى اللحظة التي تموت فيها. وهم لا يتوقعون منك الخروج منه لأنك تكون سابحاً في هذا السائل. ما تقوله نوريت بيليد الهانان في كتبها، هو أنك يمكن أن تقارن الحياة بتجربة شخص متدين يصبح ملحداً، لكنه يظل يعتقد مع ذلك بأن الله ربما يكون موجوداً هناك، وربما سيعاقبه ويعاقبك لأنكم تدنسون الدين، وما إلى ذلك. ينبغي على المرء أن يفكر في الطريقة التي تربى بها، والتي تجعله يؤمن بأن هناك بعض الحقائق البدهية في الحياة، والتي إذا تحديتها، فإنك تحتاج إلى تطهير نفسك حتى النخاع لتضمن قدرتك على المضي قدماً، وإلا فستصاحبك كل تلك الشكوك كل الوقت. كان ذلك قوياً جداً. لكنني أعتقد أن هناك فارقاً بين جيلي والجيل الحالي من أبناء نوريت وأبنائي أنا: أنهم يعرفون أكثر مما كنا نعرف بسبب الإنترنت وما يجري. أعتقد أنه أصبح من الأكثر صعوبة بالنسبة للإسرائيليين الآن أن يعتمدوا فقط على التلقين، على الرغم من أن المؤسسة تقوم بعمل جيد بهذا الصدد. هناك قلة قليلة جداً من شباب إسرائيل الذين يتحدون فكرة الصهيونية. آمل أن يكون العالم أصبح أكثر انفتاحاً مع ما حدث في العالم العربي كذلك: كان المرء يعتقد أنها مجتمعات منغلقة، ولن تعرف ما يجري، لذلك آمل أن يكون هذا قد تغير هناك. أما بالنسبة لنا، فإننا كنا كما لو أننا محشورون في فقاعة، لم نكن نعرف أن هناك وجوداً آخر مختلفاً، وكان من الصعب جداً الخروج من الفقاعة.
بارات: أعتقد أن الجيل الأكبر سناً، جيلك، جيل الناس من أمثل نوريت، ومقدار التنافر المعرفي كذلك عندما تكون قد آمنت بشيء بقوة كل حياتك، ولو أنني أعتقد أن الواقع يُظهر بعد حين أنك مخطئ، أعتقد أن من الصعب جداً عليكم أن تقبلوا بأنكم كنتم مخطئين طوال، دعنا نقول 30 أو 40 عاماً من حياتكم. إنك ترى هذا في كل الأوقات، في المناسبات التي ترى فيها دائماً نفس الأشخاص وهم يأتون إلى كل حدث فلسطيني مفرد، أفكر دائماً أنهم يعرفون بقدر ما أعرف عن فلسطين ويعرفون حقائقها. كيف يحدث أنهم ما يزالون يدافعون عن إسرائيل بقوة؟ أعتقد لأن ذلك هو أشبه برحلة شخصية وعاطفية، من الصعب للغاية بالنسبة لهم أن يصلوا إلى إدراك أنهم كانوا مخطئين، وأن كل حياتهم كانت، بطريقة ما، محض خرافة؟
بابيه: نعم، أعتقد أنه ينبغي علينا أيضاً إيضاح أنه مثلما في حالة أي وضع استعماري، حيث يكون لديك نضال ضد الاستعمار، فإن هناك الكثير من العنف لا بد أن ينشأ في الجو. وعندما تكون قد ربيت ونشِّئت بطريقة معينة، وحيث تدفع سياسات حكومتك الخاصة وإجراءاتها بالطرف الآخر إلى اتخاذ بعض الإجراءات العنيفة كذلك، فإنك تعتقد أن وجهة نظرك صحيحة موضوعياً، لأنك ترى أن هناك انتحاريين، وعنفا وصواريخ يتم إطلاقها من غزة. علينا أن نفهم أيضاً أنه جرت مناقشة هذه الحاجة إلى الخروج وفحصها في سياق هذا العنف المقيم. من الصعب جداً على الإسرائيليين أن يفصلوا بين العنف وبين التجربة والأسباب التي كانت وراء نشوء ذلك العنف. لعل من أصعب الأمور هو أن يشرح المرء للإسرائيليين عن ما هو السبب وما هي النتيجة. معرفة ما الذي يجلب ذلك العنف وعدم اعتباره وكأنه يأتي فقط من الفراغ. وبهذا، لا يكون للإسرائيليين خيار آخر سوى البقاء حيث هم.
بارات: هذه هي مشكلة المعرفة والتعليم. أعتقد أنها تأتي أيضاً من حقيقة أن وسائل إعلام الاتجاه السائد أو نظام التعليم، بل وحتى أكثر في إسرائيل، لا تقوم بعملها. عندما تسمع الناس هنا يقولون: “ماذا تريد من إسرائيل أن تفعل؟ إن حماس ترسل مائة وخمسين صاروخاً في اليوم إلى سديروت، وعليهم أن يردوا”. أفكر في تاريخ يكون فيه التاريخ فترة قصيرة جداً، إننا لا نتحدث عن 6 أشهر، إننا نتحدث عن الأسبوع الماضي، لن تتوقف دورة العنف أبداً لأن العمل الصحيح غير مُنجز، والجزء الخاص بالتعليم غير منجز؟
بابيه: هذا صحيح. وأعتقد أن أحد التحديات الرئيسية هو إيجاد مساحة يتمكن فيها الإسرائيليون والغربيون من فهم الكيفية التي بدأ بها الأمر كله. حتى المستوطنون الصهاينة الأوائل عندما جاؤوا وأدركوا أن ما كانوا يظنون أنه أرض فارغة، أو أنها أرضهم على الأقل، إنما كانت مليئة بالعرب، اعتبروا هؤلاء الناس أجانب، غرباء عنيفين كانوا قد استولوا على أرضهم. إنها هذه البنية التحتية التي بنوها عن الجانب الآخر هي التي تغذي كل رؤى وتصورات الإسرائيليين. إنها عملية نزع الأنسنة عن الفلسطينيين والتي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. كيف يمكن أن تشرح لأناس هم في الحقيقة نتاج لهذا التغريب للفلسطينيين؟ إنها واحدة من أكبر المهام لأي شخص ينخرط في نوع من التعليم البديل أو يحاول إيصال رسالة مختلفة للمجتمع الإسرائيلي-اليهودي.
بارات: وهذا هو ما يدور عملك حوله، العودة إلى التاريخ، ودراسة الواقع والمحفوظات. العودة إلى التاريخ، بعض الناس يقولون أن هذا الصراع بدأ في العام 1948، ويقول البعض الآخر أنه بدأ في العام 1967. أود منك أن تتحدث عما كان –تاريخياً- الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواخر الثلاثينيات، وعن الثورة التي قامت بشكل أساسي ضد الإمبريالية البريطانية، وكذلك عن الهجرة الصهيونية الضخمة؟
بابيه: أعتقد أنه من المهم أن نعود حتى إلى وقت أبكر من العام 1936. من أجل فهم المسألة، عليك أن تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر عندما ظهرت الصهيونية كحركة. كان لها اثنان من الأهداف النبيلة، أحدهما إيجاد مكان آمن لليهود الذين يشعرون بعدم الأمان في مناخ من معاداة السامية المتزايدة، وكان الآخر إرادة بعض اليهود إعادة تعريف أنفسهم في مجموعة قومية، وليس فقط كدين. وبدأت المشكلة عندما اختاروا فلسطين كمنطقة يمكن فيها تحقيق هذين الدافعين معاً. كان من الواضح، لأن الأرض كانت مسكونة أن عليك أن تفعل ذلك بالقوة، وكان عليك التفكير في تهجير سكانها من الشعب الأصلي. وقد استغرق الأمر وقتاً حتى أدرك المجتمع الفلسطيني أن هذه كانت الخطة. حتى أن وعد بلفور لم يوقظ الناس عندما تم تبنيه في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1917؛ إنه لم يدفع الفلسطينيين إلى الثورة ضد السياسة البريطانية أو الاستراتيجية الصهيونية. وبحلول العام 1936، كان بإمكانك أن ترى بالفعل بداية النتيجة الحقيقية لهذه الاستراتيجية: تم طرد الفلسطينيين من الأراضي التي كانت قد اشترتها الحركة الصهيونية؛ فقد الفلسطينيون وظائفهم بسبب الاستراتيجية الصهيونية التي استهدفت السيطرة على سوق العمل. كان من الواضح جدا أن المشكلة اليهودية الأوروبية كانت على وشك أن تُحل في فلسطين. كل هذه العوامل الثلاثة دفعت الفلسطينيين لأول مرة إلى القول: “سوف نقوم بفعل شيء حيال ذلك”، وحاولوا الثورة. وكنتَ في حاجة إلى كل جبروت الإمبراطورية البريطانية من أجل وقف هذه الثورة، كما حدث فعلاً. وقد استغرقهم الأمر 3 سنوات؛ استخدموا ذخيرة من الإجراءات القمعية ضد الفلسطينيين، والتي كانت سيئة بمثل سوء تلك التي سيستخدمها الإسرائيليون في وقت لاحق لقمع الانتفاضات الفلسطينية في العامين 1987 و2000.
بارات: كانت ثورة 36 هذه ثورة شعبية جداً، كان “الفلاحون”، المزارعون هم الذين حملوا السلاح. وقد أدركت لدى قراءة كتابك أيضاً أن هذه الثورة، بعد أن تم سحقها بعنف، ساعدت الهاغاناه فعلاً في العام 47/48. كان الفلسطينيون ضعيفين حقاً في ذلك الوقت، لأن جميع القادة وجميع العناصر المقاتلة المحتملة كانوا قد قتلوا أو اضطروا للذهاب إلى المنفى في العام 1936؟
بابيه: بالتأكيد. كانت النخبة السياسية الفلسطينية تعيش في مدن فلسطين، لكن الضحايا الرئيسيين للصهيونية حتى الثلاثينيات كانوا في الريف. هذا هو السبب في أن الثورة بدأت هناك، لكن هناك قطاعات من النخبة الحضرية التي انضمت إليهم. كما قلتَ، لقد أشرت في أحد كتبي إلى أن البريطانيين قتلوا أو سجنوا معظم المنتمين إلى النخبة السياسية الفلسطينية والجيش، أو النخبة العسكرية المحتملة. لقد خلقوا مجتمعاً فلسطينياً كان أعزل تماماً في العام 1947 عندما بدأت أول الأعمال الصهيونية، مع معرفة أن الانتداب البريطاني وصل إلى نهايته. أعتقد أن ذلك كان له تأثير كبير في عدم قدرة الفلسطينيين على مقاومة التطهير العرقي لفلسطين بعد سنة من ذلك، في العام 1948.
بارات: أتاح عملك كمؤرخ تدمير معظم الأساطير حول إسرائيل. وإحدى تلك الأساطير هي أن إسرائيل أُنشئت لأن الكتاب المقدس أعطاها للشعب اليهودي. هل يمكن أن تخبرنا قليلاً عن ثيودور هرتزل الذي يعرف بأنه واحد من مؤسسي الصهيونية، والذي لم يكن متديناً على الإطلاق، حتى أنه لم يكن يتحدث اليديشية؟
بابيه: هذا صحيح. كان في الصهيونية عنصرٌ عادة ما ينساه المؤرخون. كان ذلك رغبة في علمنة الحياة اليهودية. إنك إذا ما علمنت الدين اليهودي، فإنه لا يمكنك استخدام الكتاب المقدس لاحقاً كتبرير لاحتلال فلسطين. كان ذلك خليطاً غريباً، يحلو لي أن أصفه بأنه حركة صنعها أناس لا يؤمنون بالله، ولكن الله وعدهم بفلسطين مع ذلك. أعتقد أن هذا الشيء يقع في صميم المشاكل الداخلية للمجتمع الإسرائيلي-اليهودي اليوم. من المهم أيضاً أن نفهم أنه حتى قبل هرتزل، كان هناك أشخاص فكروا بأنفسهم على أنهم صهاينة، لكنهم كانوا على علم بوجود الفلسطينيين في فلسطين. كانوا يفكرون في نوع مختلف من الصلات بفلسطين وبحلول أخرى لانعدام أمن اليهود في أوروبا، مثل أحاد هعام (اسمه الحقيقي هو آشر جيزنبيرغ) الذي قال إن فلسطين ربما تكون مجرد مركز روحي، وإن على اليهود، إذا كانوا يشعرون بعدم الأمان في أوروبا، أن يستقروا في أي مكان آخر خارج أوروبا أو أن يستقروا في مجتمعات أوروبية أكثر أمناً. كانت إحدى المجموعات المهمة من الناس الذين لم يسمحوا لهؤلاء بفعل ذلك هي جماعة المسيحيين الصهاينة الذين كانوا موجودين بالفعل في تلك الأيام، والذين كانوا يعتقدون بأن عودة اليهود إلى فلسطين تشكل جزءاً من مخطط إلهي. كانوا يريدون أن يعود اليهود إلى فلسطين لأنهم يمكن أن يعجلوا بذلك بالمجيء الثاني للمسيح، وكانوا معادين للسامية أيضاً. كان ذلك نوعاً من مشروع مزدوج يمكنهم من التخلص من اليهود في أوروبا في نفس الوقت أيضاً. أعتقد أن تلك كانت فترة مهمة ينبغي العودة إليها لفهم الكيفية التي عملت بها الإمبريالية البريطانية، والصهيونية المسيحية، وبالطبع القومية اليهودية، معاً كقوة هائلة تركت القليل جداً من الفرص للفلسطينيين عندما ظهرت آثارها على الأرض في نهاية المطاف في أواخر القرن التاسع عشر.

حاوره: فلورنت بارات

ترجمة وتقديم: علاء الدين أبو زينة– الغد الاردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً