استبقاء ثقافة أبو غريب: الإساءة المريعة لنساء العراق

shello
shello 2014/02/18
Updated 2014/02/18 at 11:06 صباحًا

p3655651a893379145

قالت إسراء صلاح، المرأة العراقية المعتقلة، لمنظمة “هيومان رايتس ووتش” أثناء إدلائها بشهادتها التي تفطر القلب: “عندما وضعوا الكهرباء على جسمي أول الأمر لهثت وتيبس جسدي وشعرت بخروج مؤخرة رأسي”.
كانت إسراء (ليس اسمها الحقيقي) قد اعتقلت من جانب القوات الأميركية والعراقية في العام 2010، وتعرضت للتعذيب إلى حد الاعتراف باتهامات بالإرهاب لم تكن قد ارتكبتها. ووفق تقرير هيومان رايتس ووتش الذي جاء في 150 صفحة، فإنه “لا أحد في مأمن” في العراق. وقالت المنظمة في تقريرها الذي صدر يوم السادس من شباط (فبراير) الجاري أن هناك الآلاف من النساء العراقيات ما يزلن قابعات في السجون، حيث يخضعن لممارسات مشابهة لما ذكر، ويعتقلن من دون توجيه تهم لهن، ويتعرضن للضرب والاغتصاب.
في حالة إسراء، تلقت منتهى سوء المعاملة المهينة بصورة نمطية متكررة. وقد قيدت يداها بالأصفاد وأجبرت على الركوع على ركبتيها وتلقت الركلات في وجهها حتى انكسر فكها. وعندما رفضت التوقيع على الاعتراف، تم وصل أصفادها بالتيار الكهربائي.
أهلاً بكم إذن في العراق “المحرر”، حيث “الديمقراطية” المتبرعمة التي نادراً ما يتوقف المسؤولون الأميركيون عن التبجح بها. وليس ثمة إنكار لحقيقة أن الممارسات الوحشية للحكومة العراقية في ظل حكم نوري المالكي هي استمرار لنفس السياسات التي انتهجتها الإدارة العسكرية الأميركية التي حكمت العراق من العام 2003 حتى مغادرة القوات الأميركية للعراق في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2011.
كأن حالات ومممارسات التعذيب قد استقيت من نفس الكتاب الإرشادي. وهي في الحقيقة كذلك. لم تكن حالات التعذيب والإهانة التي مورست ضد السجناء العراقيين -من الرجال والنساء على حد سواء- في سجن أبو غريب حادثاً منعزلاً نفذته قلة من “الأولاد السيئين”. إن الساذج فقط هو الذي يمكن أن يشتري نظرية “الأولاد السيئين،” وليس لمجرد البشاعة وتكرار ممارسات إساءة المعاملة فقط. ومنذ تعرية واقع سجن أبو غريب مبكراً في العام 2004، ظهرت العديد من القصص المشابهة المدعومة بالدليل القاطع، ليس في العراق وحسب، وإنما في أفغانستان أيضاً. ولم تكن الجرائم قد ارتكبت من جانب الأميركيين فقط، وإنما أيضاً من جانب البريطانيين، ثم تبعهم العراقيون الذين وقع عليهم الاختيار للاستمرار في مهمة “الدمقرطة”.
“لا أحد في مأمن” عبارة تعبر عن بعض أفظع مظاهر إساءة معاملة النساء من جانب نظام العدل الجنائي في العراق. هناك تتفشى ظاهرة خطف النساء وتعذيبهن، بل وحتى إعدامهن بشكل واسع جداً، إلى درجة تجعل واقع العراقيات مثيراً للصدمة حتى بالنسبة لمعايير سجل البلد البائس في حقوق الانسان في الماضي. ولو كانت هذه الحقيقة ماثلة في سياق سياسي مختلف، لكانت الغضبة العالمية تجاهها عميقة جداً. وقد ذهب البعض في الإعلام الغربي “الليبرالي” تحت ضغط منظمات حقوق المرأة إلى توجيه دعوة من أجل المزيد من التدخل الإنساني، وحتى شن حرب. أما في حالة عراق اليوم، فإن من المرجح أن يلقى تقرير هيومان رايتس ووتش القليل من التغطية، حيث يتم تمييع الموضوع بشكل كبير إلى أن يطويه النسيان في نهاية المطاف.
في حقيقة الأمر، جاء بحث إساءة معاملة آلاف النساء -ناهيك عن عشرات الآلاف من الرجال وحدهم- في غمرة فراغ سياسي. وهناك بعض الحديث المرتبك يبدو وأنه يظهر منذ نشر التقرير المذكور، يقول بأن إساءة المعاملة تؤكد “ضعف حالة” النظام القضائي العراقي. وهكذا، يصبح التحدي مجرد مسألة تقوية نظام ضعيف، ربما من خلال تحويل المزيد من الأموال على الأرجح لتدريب الجنود بقيادة الولايات المتحدة.
في الأثناء، تظل غائبة عن المشهد أصوات مجموعات النساء والمفكرين والمدافعين عن المرأة الذين يبدون منشغلين باستمرار بممارسات الزواج التقليدي المبكر في اليمن على سبيل المثال، أو بتغطية وجوه النساء في أفغانستان. وثمة القليل من الصرخات والغضب، إن وجدا أصلاً، عندما تعاني النساء السمر على أيدي الرجال والنساء الغربيين أو وكلائهم كما هو الحال في العراق.
إذا ذهب تقرير هيومان رايتس ووتش ليصبح في عزلة تامة عن السياق السياسي المخيف، على نحو مماثل للغزو الأميركي للعراق، فإن باستطاعة المرء أن يفهم السكوت الناجم على مضض. لكن هذا ليس واقع الحال. إن ثقافة أبو غريب تستمر لتشكل نفس التكتيك الذي ما يفتأ العراقيون يحكمون بموجبه منذ آذار (مارس) من العام 2003.
أعواماً بعد التحقيق في إساءات المعاملات في أبو غريب، كشف الميجر جنرال أنطونيو تاغوبا الذي أجرى التحقيق عن ان ثمة أكثر من 2000 صورة غير منشورة، والتي توثق المزيد من إساءة المعاملة. وكما تجدر الإشارة، ذكرت صحيفة التلغراف البريطانية في أيار (مايو) من العام 2009 أن “إحدى الصور تظهر جندياً أميركياً يغتصب كما يبدو سجينة عراقية، بينما تظهر صورة أخرى مترجما ذكراً يغتصب معتقلاً ذكراً”.
وكان الميجر جنرال تاغوبا قد دعم في حينه قرار إدارة أوباما عدم نشر الصور، ليس لدافع أخلاقي، وإنما ببساطة لأن “النتيجة ستكون وخيمة على جنودنا الحماة الوحيدين لسياستنا الخارجية عندما نكون في أمس الحاجة إليهم، وعلى الجنود البريطانيين بناة أمننا في أفغانستان”. ومن الطبيعي أن يكون البريطانيون قد كتبوا تاريخهم الخاص من العار عبر حملة إساءة المعاملة التي لم تتوقف أبداً منذ أن وطات أقدامهم أفغانستان.
بالنظر في الجو السياسي المشحون في العراق، فإن إساءات المعاملة التي ذكرت مؤخراً قد وضعت بالطبع في سياقها الخاص والفريد من نوعه. فمعظم النساء اللواتي أسيئت معاملتهن هن من السنة، وكان تحريرهن من السجون هو صيحة الحشود الرئيسية في المحافظات السنية الثائرة في وسط وغربي العراق. وفي الثقافة العربية، يأتي إذلال المرء من خلال الاحتلال وسلب أرضه في المرتبة الثانية بعد إذلال النساء. ولا يمكن وصف الإذلال الذي يحس به ملايين العراقيين بالكلمات، وما النزعة التشددية إلا رد غير مفاجئ على سياسات الحكومة غير المنقطعة التي تقوم على تجريد الإنسان من إنسانيته والتمييز والعنف.
بينما لم يكن عراق ما بعد الغزو الأميركي واحة للديمقراطية وحقوق الإنسان، فإن “العراق الجديد” قد متّن ثقافة الحصانة التي لا تعتبر أي شيء مقدساً. وفي الحقيقة، شكل إذلال مجتمعات عن بكرة أبيها تكتيكاً في الحرب التي تشنها الحكومة العراقية. وذكرت وكالة الأسوشيتدبرس الأميركية مستشهدة بتقرير هيومان رايتس ووتش أنه تم احتجاز “العديد من النساء بسبب نشاطات إرهاب مزعومة ارتكبها أفراد ذكور في العائلة”. وقال جو ستورك، نائب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة هيومان رايتس ووتش أن “قوات الأمن والمسؤولين العراقيين يتصرفون وكأن إساءة معاملة النساء بوحشية ستجعل العراق أكثر أمناً”. وكان هذا هو نفس المنطق الذي قرر أنه يمكن حمل العراقيين على الخنوع من خلال “الصدمة والرعب”. ولم تثبت أي من النظريتين صحتها. وستستمر الحرب والثورة في العراق طالما فهم أولئك الذين يقبضون على مفتاح ذلك السجن العراقي الضخم أن حقوق الإنسان يجب أن تحترم كشرط مسبق لتحقيق السلام الدائم.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً