الأنانيات السياسية، وأفق انهيار الدولة؟… بقلم :واسيني الأعرج

shello
shello 2014/05/10
Updated 2014/05/10 at 9:52 صباحًا

09qpt998

شيء ما لا يسير بالشكل الذي كان يراد له في التمظهرات السياسية العربية، بعد الثورات التي أزاحت رمزية النظام القاسي والأحادي النظرة، ولكنها أخفقت في إزالة اليقينيات المرضية عند الحكام الجدد. ربما لأن الإنطلاقة السياسية لم تكن ناجحة كما كان يفترض لها أن تكون. ‘لذلك سببان أساسيان: إما أننا كعرب لا نقرأ بالشكل الكافي، وهذا افتراض وارد جدا، أو أننا لا نستفيد أبدا من تاريخنا وتاريخ الغير ومن تجاربنا السابقة أيضا. في كل ثورات العالم كان سقوط النظام مريعا إما بالطرد، أو الحبس، أو بالمقصلة أو بالرصاص إذا كان الظلم قد تراكم لدرجة اختزاله في شخصية رمزية واحدة، تدفع ليس فقط ثمن إجرامها، ولكن أيضا ثمن التاريخ المتراكم من المظالم والأحقاد. الكثير من الثورات العالمية انتهت إلى بحر من الدم. لا توجد ثورات حريرية، ونموذج فاكلاف هافيل، الفنان والسياسي المحنك، لا يعمل إلا على تأكيد القاعدة.
فقد أدرك في وقت مبكر أن الثورات ليست دما فقط وقرارات قهرية، ولكنها أيضا وفاق عام على حدود دنيا تضمن الأمن والسلم المدنيين، والخروج من الحسابات السياسيوية الضيقة التي لا تؤدي إلا إلى مزيد من التمزق. ربما في عمق كل ثورة، شيء يشبه اليوتوبيا، ترى في سقوط بعض رموز النظام، سقوطا شموليا للنظام كله ونهاية الظلم، وانتصار الثورات ‘والعودة السريعة لكرامة الشعب وحقوقه. فتنتشر العدالة والديمقراطية في رمشة عين. ببساطة ومن خلال ما نراه اليوم، إن الثورات العربية لم تنتصر كما حلم الجميع، بل هي في انتكاسات متتالية. لأن المعضلات الكبرى ما تزال قائمة. أهم شيء لا يمكنه أن ينتظر، مشكلات الحياة اليومية، والعمل والحق في التعبير الحر. على الرغم من بعض الإنتصارات المحققة بإزالة أكثر من نصف قرن من المظالم التي زرعت الخوف في الشعب، هناك شيء جديد يرتسم في الأفق بصعوبة، لكنه بلا شكل، ولأنه كذلك فهو يخيف. الفراغات المفجعة التي خلفها ‘اندثار ‘النظام، كبيرة وخطيرة. وتحتاج إلى جهود عاقلة للتجاوز، وهذا يضع الإسلاميين أمام مسؤولياتهم التاريخية.
هل تملك الحركات الإسلامية التي تدير دفة الحكم بشكل مباشر أو غير مباشر، أو في المعارضة المدنية أو العسكرية، في المجتمعات العربية اليوم، القوة الكافية للتحاور والتفهم والتسامح واقتسام تسيير البلاد؟ لأن رهانات البلدان هي المقصودة وليس الحكم ولونه فقط. البلاد تحتاج إلى كل الطاقات الفعالة لتجاوز مرحلة صعبة وخطيرة. هناك ضرورة استعجالية في الخروج من أيديولوجيات اليقين والتمزقات والإعتماد على الشعب، ومسألة الثقة في بقية أجنحة المجتمع، وامتلاك قدر من التسامح. لأن بلدان الربيع العربي الآن على فوهة بركان، سيأتي على الأخضر واليابس. وننتقل بسرعة من الربيع إلى الرماد العربي. إما أن ينجو جميع ركاب السفينة، أو يغرقون كليا، وبلا رجعة لأن كلمة الوطن العربي تصبح تعني، ليس جغرافيات معروفة، ولكن تشظيات عرقية وإثنية ولغوية وطائفية دينية صغيرة بالحجم الذي لا يؤهلها لأي مشروع، غارقة في الموت اليومي والتناحر.
الذين يموتون يوميا بسبب هذه الثورات يتكاثرون في مصر وتونس وليبيا وسوريا، وكل حالة تختلف عن الأخرى. الدولة كنظام حامٍ للناس والتاريخ تنهار وتستبدل بميليشيات حزبية أو دينية، لا شيء في رأسها إلا القوة لكسر كل من يقول لا لجبروتها؟ وكأن الدكتاتوريات التي انطفأت، تركت تحت رمادها ما هو أكثر فتكا منها. تأمل بسيط في المشهدية العربية يؤكد على ذلك. ‘تحتاج الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني في عمومها، إلى أن تتفق على الحد الأدنى، وأن يكون ذلك خيارا استراتيجيا وليس تكتيكيا عابرا، وإلا سيسير الكل نحو الخراب الأكيد. وهو ما نرى بعض ملامحه ترتسم اليوم. حالة تمزق كبيرة وجماعية لا تسهل الإنصات إلى الآخر. كل حزب يذهب نحو أكثر الحسابات ضيقا للحصول على حقه في القسمة. ضيق في الحساب وفي الرؤية أيضا. ما يحدث في العالم العربي من تقتيل وانهيارات لا يسرّ أحدا لأن محصلته الفوضى الممهدة للإنهيار الكلي للدولة أو ما تبقى منها. الثورة لا تعني الجريمة والفوضي وإدخال البلاد في محنة اللاّدولة. كل يوم يقتل الناس بمختلف الوسائل من الإغتيال الفردي إلى التفجيرات الجماعية كما في الحالة العراقية والسورية، والليبية وحتى المصرية التي ليست بعيدة عن هذه الأوضاع منذ اعتبار جماعة الإخوان المسلمين حركة إرهابية. كل المتواجدين اليوم على الساحة العربية إسلاميين، يساريين ويمينيين وليبراليين وغيرهم، يثبتون في كل لحظة أن هناك عجًزا كبيرا في التصورات والحلول. كلهم يتشابهون ويحملون أمراض وأنانيات الأنظمة العربية البائدة أو المتسيدة. هم من يسحب الدولة كنظام مؤسساتي إلى الوراء، بل إلى التلاشي النهائي أو نحو ديكتاتورية لا تختلف كثيرا عن محاكم التفتيش المقدس السيئة الذكر.
ثلاثة حلول ترتسم اليوم في الأفق. إما انقلابات عسكرية مفبركة، وممكيجة مدنيا تعيد إلى الواجهة زمرة المصلحة بأشكال مختلفة. أو حروب أهلية مدمرة تستجيب للحاجات والرهانات الدولية، سيرث فيها المنتصر خرابا خطيرا وجراحات وتمزقات لا يمكن رتقها، قد تنتهي بدويلات على أساس عرقي، ديني وطائفي وغيره من التشطيات. أو ربما تفاهم واسع يمنح للجميع فرصا لانتصار الثورات، وتخطي البلاد لاًزماتها المتراكمة، ولكن هذا يحتاج إلى حلول مسبقة يكون على رأسها الدخول في وفاقات إكراهية، يكون للشعب دور فيها لتحمل صعوبات المرحلة الانتقالية من بطالة وخوف وبناء كل شيء من الصفر لأن الهوة التي خلفتها أنظمة دكتاتورية قبضت على كل شيء بيد من حديد، بما ف ذلك الدولة التي جُيرت مؤسساتها لخدمة مصالح الزمر الحاكمة أو المحيطة بالحكم. أسئلة ستظل معلقة على حيوية السياسيين والمثقفين العرب، وعلى أنانياتهم السياسية أيضا إلى أن تدرك المخاطر المحدقة ببلدانها قبل دكاكينها السياسية. لا نحتاج اليوم إلى ترميم المواطنة لأنها غير موجودة، ولكن إلى بنائها كليا. وهذا كله يحتاج إلى ذهنية خلاقة تأخذ بعين الإعتبار الميراث الثقافي والتقاليد الحية، والمراهنة على إخراج التعليم من السياسة والأيديولوجية والإيمان بالحرية. حرية المعتقد والفكر.
ليس الأمر سهلا بالنسبة لحركات إسلاماوية مأخوذة كليا بانتصاراتها وبجشعها وبانهياراتها أيضا بسبب إخفاقها في التسيير. يكاد يكون الأمر مستحيلا لأن داخل كل هذه التحولات نحتاج أيضا إلى استمرار الدولة كضامن للأمن والحياة وصيانة الحقوق والواجبات. هل يدرك الإسلاميون وهم في الحكم أو على حوافه، وبقية القوى الأخرى، ضرورة التأمل المستقبلي والخروج من الحسابات السياسوية وليس تقاسم الوزارات التي لا تعني أي شيء في ظل دولة مخترقة بكل شيء، على كافة الأصعدة، وعلى حافة بركان مدمر وهالك؟ أخشى أن يكون في النهاية الحل المتبقي هو الثورة على الثورة، أي الدخول في فوضى لا شيء فيها خلاق سوى التدمير المنظم والقاتل للدولة التي تنهار أركانها كل يوم قليلا في كافة البلدان العربية الجمهورية. فالإمكانات المتوفرة اليوم لافتراض حلول سلمية ما تزال ممكنة على ضآلتها، وقد لا تتوفر غدا. وربما احتاجت هذه الثورات العربية بربيعها المفترض، الذي يجف كل يوم قليلا، إلى كاريزما كبيرة، والى أيقونات عليها إجماع. للشخصية دور حاسم في الحياة. ماذا كان سيحدث لو لم ترزق أفريقيا الجنوبية بشخصية مثل مانديلا؟ حرب أهلية مدمرة بين بيض وسود، بين سود وسود. بين القبائل ‘الكثيرة فيما بينها. فقد ضمن سلام العبور نحو الحق والعدل. ماذا كان سيحدث لو لم تنجب ثورة المخمل في تشيكوسلوفاكيا سابقا شخصية كارزمية مثل المسرحي والسياسي الكبير فافلاك هافيل؟ قتال بين التشيك والسلوفاك يجعل من النهر الفاصل بينهما بحرا من الدم. كم تحتاج الثورات العربية اليوم إلى هذه الشخصية البعيدة القريبة. ‘

Email this page

القدس العربي

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً