الإصلاح والتغيير عندنا بين الشكل والجوهر… بقلم:عبدالملك بن أحمد آل الشيخ

shello
shello 2014/01/15
Updated 2014/01/15 at 10:56 صباحًا

140114063025866

تعد مقاومة التغيير من أكثر المشكلات التي تواجه القيادات السياسية تعقيداً في الدول النامية والعربية منها خصوصاً، إذ جُبل الناس على الخوف من المجهول والتمسك بما عرفوه وألِفوه.

وللتغيير «ديناميكية» يصعب التحكم بها في المؤسسات الحكومية أو التنبؤ بمدتها الزمنية، ذلك أن المجتمع النامي الذي توجد فيه هذه المؤسسات يبقى عشرات الأعوام في حال من عدم التجانس، قبل أن يصل إلى المأمول من التطوير والإصلاح.

ولا شك في أن تغيير الشكل الثقافي الملموس من خلال الشهادات العليا أو بناء المطارات وشبكات الطرق المتقدمة واستخدام وسائل التقنية المختلفة، أسهل بكثير من تغيير طرائق التفكير أو التركيبة العقلية والمعرفية التي تنتج الرؤى، وتترجم النظريات إلى سلوكات، فمن السهل اقتناء سيارة حديثة، وتعلم قيادتها، لكن الصعوبة تكمن في احترام أنظمة المرور والالتزام بآدابها في مدينة مكتظة، وهو ما يتطلب درجة عالية من ضبط النفس والوعي الحضاري والتفكير، بعيداً عن معطى الفوضوية، كذلك تكون صياغة السلوك الثقافي الحضاري.

فبإمكان قيادات المؤسسات الحكومية التنفيذية في الدول النامية إنشاء مبانٍ جديدة بمواصفات هندسية حديثة، وتوفير تقنيات ووسائل اتصال إلكترونية متكاملة، وإجراء التغييرات الشكلية في المؤسسة، وبإمكانها أيضاً بدرجة أصعب قليلاً أن تحدث تعديلات في الأنظمة واللوائح والإجراءات التي تواكب التطوير المنشود.

ويبقى الجانب الأصعب في هذه العملية هو مقدرة هذه القيادات على كسب القلوب والعقول، لتغيير الاتجاهات والقناعات الفكرية المعيقة للإصلاح وضمان استدامته.

ولا شك في أن التغيير الشكلي هو السمة السائدة في مؤسسات العالم النامي، ومنها: العربية، لذلك ليس بغريب أن تجد مؤسسات الدولة فيها «جامدة»، بل إن بعض القيادات المناط بها الإصلاح والتطوير هي نفسها لديها قناعات فكرية وسلوكات قيادية معيقة للإصلاح، وإن أبرزها الإعلام أو أظهرت نفسها خلاف ذلك.

ومن البديهي أن يكون سلوك القيادات التنفيذية من أهم العوامل الرئيسة في عملية الإصلاح والتغيير.

فالفارق شاسع بين السلوك القيادي الإصلاحي الإقصائي والسلوك القيادي الإصلاحي العقلاني والاحتوائي، القائم على كسب القلوب والعقول، فسلوك هذا الأخير شفاف ومنفتح على الآخرين، وهو نقدي إصلاحي في بنيته، بمعنى أنه يتقبل النقد الهادف للإصلاح، فهو يتيح الفرصة لكل من لدية المقدرة على الإسهام في وصول قارب الإصلاح والتغيير إلى مرساه الصحيح، لذا فهو قادر على تجاوز العقبات وتحقيق الاستدامة لمسيرة الإصلاح خلافاً للسلوك الآخر، فهو مغلق على الذات، استعلائي وإطلاقي يتضمن مفهوم امتلاك الحقيقة المطلقة في كليتها وشموليتها، فكسب القلوب والعقول بالنسبة إليه ضعف وتفريط في السلطة بل مضيعة للوقت، وهو بهذا يختزل الإصلاح في شخص القائد الأوحد، تلك الشخصية المتربعة على هرم المؤسسة، وهذا السلوك يخلو دائماً من أي لون رمادي، فإما أن تكون معي أو ضدي، فهو لا يقبل أي نقد هادف مهما كان خفيفاً أو ناعماً أو حتى شبه نقد، كذلك لا يقبل أي مدح غير مباشر، بل ينتظر دائماً المدح المباشر المبالغ فيه، وينتشي عند سماعه ذلك.

وهذا النـهج مقاومـته قويـة، ونفَـسُـه قــصــير، وغـير مـسـتدام، يـتوقف بغيـاب قائـده، عـندها تـبـدأ المؤســسة مسيرة الإصلاح والتـغيير مـن جـديد، لتـدور في حـلقة مفرغة من التجارب، يدفع ثمنها الوطن والمواطن.

ومن الأسـباب المـعـيقة، «العـامل الاقـتـصادي» كــنـدرة المـوارد في المؤســسة أو رغـبة بعضهم في الاستـئثار بأكبر مقدار منها، فتــجدها تـسـاير الـموجة المؤيدة للإصلاح والتغيير، لا لقناعاتها بها، وإنما لتحقيق مكاسب ذاتية موقتة، مقرونة بالمصلحة الشخصية.

وقد يكون السبب عاملاً نفسياً أو اجتماعياً سياسياً أو إدارياً، يُوظَفُ لحشد الرفض المستتر لمسيرة التغيير والإصلاح من خلال الصدام لا التعاون، فتغرق القيادة التنفيذية والمؤسسة باسم الإصلاح والتغيير في بحر من الصراعات والثارات المعيقة. وقد يعود إلى عامل فكري، كون الغالبية في المؤسـسة غير مقـتنـعة بضـرورة التغيير أو جـدواه، أو أنها لا تتصور بعض المفاهيم على نحو صحيح كمفهوم «المصلحة العامة» و«الولاء للوطـن»، بل إن مـفـهوم الـوطن في حد ذاته لم يصل بعد إلى عـمـقـهـم الـفكري والاجـتـماعي بـالـدرجـة الـكـافـيـة، لإزاحة الولاءات الأخرى كالولاء «للطائفة» أو «القبيلة» أو «المنطقة» أو ما يمكن أن نطلق عليه القبلية الجديدة «الشللية الفكرية أو المصلحية» من وجدانهم لمصلحة الوطن، وقد تكون هناك أسباب أخرى غير هذه الأسباب، صنعت الانفصام الثقافي بين الشكل والمضمون والفكر والسلوك.

وإذا أدركت الـقيـادة السـياسـية في هذه الدول تـلك الصعوبات، لإحداث التغييرات السلوكية الثـقافـية المـطـلـوبـة للعملية الإصلاحية، آثـرت الاكـتفاء بإحداث التـطـوير في الجانب الأسـهل. على أمل أن تُـهيَّأ الـظـروف ولو علـى المدى البعيد، لحدوث تغيير في طرائق التفكير والسلوك الحضاري، جراء انفتاح الثقافة المحلية على الثقافات الأخرى وتأثير وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة.

إلا أن ذلك لا يعفي القيادة السياسية من ممارسة إرادتها بقوة، لدفع مؤسسات الدولة المختلفة بخاصة الدينية والتعليمية والرقابية والإعلامية والشبابية، وكذلك مؤسسات المجتمع المدني، لتغيير المفاهيم وإعادة تشكيل الوعي بثقافة الإصلاح، والتغيير ومراقبة تنفيذه، وترسيخ قيمة المصلحة العامة، ومفهوم الوطن في وجدان الجميع من خلال كسب القلوب والعقول، بعيداً من الإقصاء والتخوين، لتصبح هذه الجهود «عوامل محفزة»، لدفع عجلة الإصلاح نحو مسارها الصحيح وضمان ديمومتها، مع إمكان إيجاد هيئة مستقلة ومركزية للإصلاح والتغيير، تتولى تقويم واعتماد برامج الإصلاح المقترحة من الأجهزة التنفيذية في الدولة، والإشراف عليها ومتابعة تنفيذها، وفق جدول زمني محدد، «كفى بهذه الدول نزفاً في الوقت والمال والبشر في عمليات إصلاح وتغيير أقرب ما تكون إلى الفردية والارتجالية منها إلى الخطط الحكومية المدروسة، وأبعد ما تكون عن مصلحة الوطن والمواطن»، ليبقى الإصلاح والتغيير عملاً مؤسساتياً، ولاؤه للوطن، وليس لغيره!

الحياة اللندنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً