الاحتجاج من الداخل: أوروبا نموذجاً … بقلم :ورد كاسوحة

shello
shello 2014/06/02
Updated 2014/06/02 at 9:16 صباحًا

p20_20140602_pic1

عدم الاستقرار الذي أعقب الاحتجاجات والانتفاضات في المنطقة والعالم سيرافقنا لفترة طويلة، وسيترك أثره البالغ في الأنماط الاقتصادية الاجتماعية السائدة. بالطبع سيختلف شكله بين منطقة وأخرى، ولن يأخذ طابعاً معادياً للدولة وإكراهاتها في كلّ مكان. هذا الشكل بالتحديد لن يتكرّر بسهولة خارج «المنظومة الجنوبية» (أو كما يسمّيها سمير أمين «دول الجنوب»)، إذ تبيّن أنّ الاكراهات هنا خارجية بالفعل وغير لصيقة بالبنية الاجتماعية كما يجب، وبالتالي يسهل على أيّ كان وليس الاحتجاجات فحسب تفكيكها، وهو بالضبط ما عمل عليه الاستعمار قبل خروجه من المنطقة.

يضاف إلى هذه السهولة سهولة أخرى تتعلّق بسذاجة الأجهزة التي تنهب الناس وعدم تمرّسها في «القمع الاحتوائي» الذي تقوم به الدول الاستعمارية. هناك يمكن احتواء الاحتجاج بسهولة عبر آليّات السيطرة التي أفرزتها الامبرياليات (قوّات مكافحة الشغب المدرّبة على استخدام المياه والرصاص المطّاطي ورذاذ الفلفل، التدرّج في استخدام القوّة والوسائل العقابية… الخ)، ولكن بمجرّد حصول العنف تبدأ الأجهزة الموكلة بالتعامل مع المحتجّين في ممارسة عملية السحق، وأحياناً تكون أكثر وحشيّة مما نتصوّر. لا يعني ذلك أنها فقدت القدرة على حماية النهب الذي يتعرّض له المواطنون في الغرب، لكنه يشير إلى عطب بنيوي بدأ يصيبها جرّاء الصدام المتكرّر مع الاحتجاجات. في «وول ستريت» مثلاً «أبيدت» الاحتجاجات عبر «القانون» الذي وضعته الدولة الأميركية خصّيصاً لحماية المصارف، ولم يبق من أثرها – أي الاحتجاجات – شيء، رغم أنّها تعود الآن عبر التصويت العقابي الذي مارسه الأوروبيون أخيراً ضدّ المؤسّسات المالية المهيمنة عندهم (المصرف المركزي الأوروبي تحديداً). في الحالتين اهتزّت الصيغة السياسية الصوريّة، وتأكّد الناس من قدرتهم على التأثير ولو بنسبة ضئيلة إلى الآن. بالطبع، لا يسمح لهم في الغرب بإسقاط النظم أو المؤسّسات، ولا يريدون أصلاً فعل ذلك بعد رؤيتهم للكوارث التي تحدث في العالم. جلّ ما يريدونه هو استقرار حقيقي غير مبني على عملية سياسية وهمية تعتاش على النّهب الذي توفّره المصارف. هذه الأخيرة أفسدت «العملية السياسية» في أوروبا وأميركا بتعويلها على الفقاعات المالية ورأس المال المالي، وأجبرت الحكومات على إنقاذها بدلاً من الشعب، فثار الناس وانتفضوا على تهميشهم وإفقارهم. جرّبوا في البداية الاعتراض على الأمر بالاحتجاجات (حركة احتلّت وول ستريت في أميركا، حركة الغاضبين في اسبانيا… إلخ) ومحاولات التأثير في النظام من خارجه، وعندما «لم يفلحوا» لجؤوا إلى آليّاته نفسها وصوّتوا في الصندوق ضدّ عملية شراء الذمم التي تقوم بها الحكومات المهيمنة على القرار في أوروبا (ألمانيا بالتحديد).

أفضت العملية الانتخابية الأوروبية إلى «انهيار صيغ سياسية» عمل بها لعقود «وولادة أخرى» لا تبشّر بالكثير، ولكنها على الأقلّ تعد بإدارة الظهر للمؤسّسات النقدية التي صادرت القرار السياسي للشعوب وسرّعت من وتيرة إفقارها ونهبها. هذا هو المعنى الفعلي لصعود اليمين المتطرف في أوروبا بعد الانتخابات البرلمانية التي انتهت للتوّ. نتائج هذا اليمين «الباهرة» في فرنسا (يرتدي صعوده في بريطانيا شكلاً آخر) يمكن اعتبارها نكسة لعمليات الإدماج التي قامت إثر موجات الهجرة المتتالية إلى أوروبا، ولذلك يشعر المجتمع هناك بالخوف على استقراره، ويخشى من تأثير الموجة الحالية المعادية بشدّة لمؤسّسات الاتحاد الأوروبي المهيمنة. معظم التحليلات التي أعقبت نتائج الانتخابات ركّزت في هذا المعطى تحديداً، وهو ليس الوحيد في المناسبة فإلى جانبه ثمّة معطيات أخرى كثيرة، ولكنها لم تحظ بالقدر نفسه من الاهتمام الإعلامي نظراً إلى تزايد الهواجس من خطاب الكراهية الذي يستعمله يمينيون متطرّفون أمثال مارين لوبين ووالدها مؤسّس حزب «الجبهة الوطنية» جان ماري لوبن. من هذه المعطيات مثلاً صعود تيارات أخرى أكثر جذرية من اليمين ذاك في عدائها للوحدة الأوروبية القسرية، وأكثر قدرة منه على بلورة خطاب متماسك ونقدي تجاهها. ففي حين يتجه اليمين المتطرّف إلى تحميل المهاجرين وحدهم مسؤولية الأزمة تحرص التيارت تلك ومن بينها حزب «سيريزا» اليساري الراديكالي في اليونان على توصيف المشهد بدقّة، وبالتالي توجيه إصبع الاتهام إلى المصارف التي يغطّيها السياسيون المنتمون إلى الأحزاب الحاكمة. أصلاً المشهد في اليونان كان ينبئ بوصول أحزاب لا تشوّش على الناس كما يفعل اليمين المتطرف ولا تأخذ أصواتهم باتجاهات يمكن الاستفادة منها إعلامياً لمصلحة الأحزاب المهيمنة. لنتذكّر بأنّ أليكسيس تسيبراس (زعيم حزب سيريزا) كاد أن يصل إلى رئاسة الحكومة اليونانية قبل سنتين ببرنامج يشبه تماماً شكل التصويت العقابي الذي ووجهت به أحزاب اليمين واليسار التي تحكم أوروبا حالياً. حينها اعتذر الرجل عن تولّي المسؤولية لأنّ طبيعة الصفقة التي تريدها الترويكا الدولية (المصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي والمفوضية الأوروبية) لليونان كانت تقتضي وجود عملاء لها وللمؤسّسات المصرفية والنقدية داخل الحكومة، لا أصحاب قرار يمتلكون حيثية شعبية، وبإمكانهم رفض الوصاية التي تريد إلغاء المؤسّسات اليونانية المنتخبة واستبدالها برجال بروكسل المعيّنين. لم أقرأ إلى الآن باستثناء ما كتبه سمير أمين في «الشروق» المصرية تحليلاً جدّياً يربط بين هذه المعطيات التي تعود إلى سنتين فحسب والواقع الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة. وللأسف أجد أنّ التركيز منصبّ على هجاء اليمين المتطرف من موقع لصيق بالأحزاب الحاكمة. يقال على سبيل المثال إنّ التصويت ناجم عن أزمة تمرّ بها أوروبا، ولا نعرف بالضبط عن أيّ أزمة يتحدثون؟ الأزمة الاقتصادية الاجتماعية أم «أزمة الهوية» التي تستهلك معظم النقاشات ويستحضر على أساسها اليمين المتطرّف بوصفه المعبّر الوحيد عنها. لا يحضر اليمين الفاشي هنا إلا مصحوباً بهواجس الهوية، وبالتالي تصبح الأزمة هي أزمة وجوده، لا أزمة المؤسّسات المالية التي دفعت بالشعب (نعم الشعب أيها اليساريون «المعتدلون») إلى التصويت له إلى جانب آخرين من بينهم يساريو «سيريزا» في اليونان. الخطورة في هذا الخطاب أنه لا يرى الأزمة المالية كما حصلت بالفعل، ويستمرّ في التعامل مع تداعياتها على ضوء موقفه من اليمين المتطرف وطروحاته. يعرف هؤلاء أنّ جان ماري لوبين وابنته مارين لم يكونا في السلطة قطّ، واختيرا (بالأحرى اختيرت الابنة وحدها على اعتبار أنّ الأب لم يعد يحظى بمنصب رسمي في الحزب) كممثّلين عن فرنسا في البرلمان الاوروبي على هذا الأساس، ومع ذلك يتجاهلون هذه المعطيات، اعتقاداً منهم بأنّها أزمة وستمرّ!

يقول سمير أمين في مقالته المنشورة في «الشروق» قبل أيّام تحت عنوان «الانتخابات الأوروبية خطوة نحو انهيار الاتحاد الأوروبي»: «… وتعكس الانتخابات الأوروبية الحالية في مايو 2014 رفض الغالبية في أوروبا «تلك»، حتى لو كان الناس لا يدركون أن ليس من الممكن إيجاد «أوروبا أخرى». فقد امتنع أكثر من نصف الناخبين عن التصويت، وقام بالتصويت أكثر من 70 % في أوروبا الشرقية، بينما صوّت 20 % لأحزاب اليمين المتطرف الذي يعاني من رهاب الوحدة الأوروبية، وهو يسيطر في بريطانيا وفرنسا، وصوتت نسبة 6% لليسار الراديكالي. ولكن غالبية من صوتوا لا تزال تعبر عن اعتقاد ساذج في إمكانية إصلاح النظام، وهو الإصلاح المستحيل في الدستور الأوروبي…».
يطرح الرجل هنا إشكالية الشعب الذي صوّت بغالبيته «ضدّ الاتحاد الأوروبي» ويضعها أمام اليسار التقليدي العاجز في خطابه وفي إعلامه عن استيعاب المرحلة التي تمرّ بها أوروبا.


الكلفة الآن يمثّلها
وجود اليمين المتطرّف الذي سيصبح مع الوقت عبئاً على عملية التغيير

فهم هذا الأخير للمسألة مرتبط على الأغلب بتعويله على بقاء الاتحاد وعدم الإطاحة به كما يحصل في الثورات أو الانتفاضات عادة ، فبالنسبة إليه أوروبا ليست كالدول التي جرى الانتفاض عليها، والنظام فيها قويّ وقادر على استيعاب أيّ هزّة تصيبه من الداخل. في أسوأ الأحوال يمكن المطالبة بإصلاح النظام والدعوة إلى سحب وصفات التقشّف التي تسبّبت بالأزمة من التداول. لا يجد التصويت العقابي مكاناً له هنا، فالمشكلة بالنسبة إلى الأحزاب المسيطرة لا تحلّ بالانتخابات وتجديد الطبقة السياسية الحاكمة، وخصوصاً حين يكون الممثّلون الجدد مطالبين من قِبل ناخبيهم «بحلّ مؤسّسات الاتحاد»، أو إعادة النظر في عملها جذرياً. هكذا، تتلاقى مصالح أكثرية وازنة من دعاة الستاتيكو والحفاظ على الوضع القائم على مواجهة الوافدين الجدد، فالنظام بالنسبة إلى شريحة واسعة من اليسار واليمين التقليديين لا يزال ينظر إليه من زاوية تمثيله لمصالح «الغالبية» التي صوّتت شكلياً له عبر حزبها المدعو حزب الشعب الأوروبي (والذي تنتمي إليه بالمناسبة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الفائزة أيضاً في الانتخابات في ألمانيا حيث الاستثناء الأوروبي)، في حين أنه لا يعبّر إلا عن أقلّية تعتمد على التحالف مع المصارف والاحتكارات التجارية والتخديم عليهما. وحين تستمرّ هذه الأقلّية في اعتبار نفسها أكثرية وتفرض مزيداً من سياسات الابتزاز على الشعوب باسم النموّ وتوفير الوظائف هذه المرّة فإنها لا تفعل عملياً إلّا تصعيب عملية الانتقال بأوروبا من ضفّة إلى أخرى، وجعلها بالتالي مكلفة للغاية.
الكلفة الآن يمثّلها وجود اليمين المتطرّف الفاشي الذي سيصبح مع الوقت عبئاً على عملية التغيير، فهو كما يقول سمير أمين لا يوجّه نقده إلى المسؤولين عن الكارثة أي الاحتكارات، ويفضّل بدلاً من ذلك إلقاء اللوم على الضعفاء، وهم هنا المهاجرون والمهمّشون. في هذه الحال لا يمكن توقّع الأفضل بالنسبة إلى أوروبا، فبقاء الاتحاد «على شكله الحالي» وتجاهل أصوات الناخبين يعني أنّ الصدام آت لا محالة. قد لا يكون شكله دمويّاً بالضرورة، ولكنه سينهي حتماً حالة الاحتكام إلى المؤسّسات ويدخل الشارع في المعمعة. عندها سنرى إن كنّا بالفعل «استثناء» في التعامل بوحشيّة مع الاحتجاجات ضدّ الدولة ومؤسّساتها الزجريّة أم لا؟

الاخبار اللبنانية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً