التحولات الدستورية العربية في المرحلة الانتقالية … بقلم : ميريام بينراد، وكارينا بيسر

shello
shello 2014/04/21
Updated 2014/04/21 at 9:51 صباحًا

c7o1xias

‹›

في زيارة قام بها إلى تونس يوم 7 شباط (فبراير)، هنأ الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الجمعية الوطنية التأسيسية التونسية على دستورها الجديد -وهو “نص رئيسي” ينصف الثورة التونسية ويخدم كنموذج يمكن أن تستلهمه الدول الأخرى في المنطقة. ويشكل هذا الدستور بالتأكيد خطوة مهمة بالنسبة للبلد الذي أطلق موجة الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت المنطقة، كما يشكل خطوة كبيرة إلى الأمام في مرحلة انتقالية تخللتها الأزمات السياسية والعنف العرَضي. وبعد أكثر من سنتين من الجمود الإيديولوجي بين أعضاء الجمعية والذي تم حله بتدخل من المجتمع المدني، شكل استكمال النص الدستوري مؤشراً محسوساً على توطيد الديمقراطية التونسية. ولكن، هل تستطيع عملية الإصلاح الدستوري التونسية أن تقدم مثالاً للدول المجاورة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
يعرض الدستور التونسي عدداً من المواد التي تستحق الثناء، خاصة فيما يتعلق بالمساواة بين الجنسين في المجالات الاجتماعية والسياسية (المادة 46). كما يشجع الدستور أيضاً الحق في الإبداع، والتنوع، والتسامح باعتبارها من دعائم الثقافة الوطنية التونسية (المادة 42). لكن هناك بعض التحديات التي ما تزال قائمة مع ذلك، خاصة فيما يتعلق بالإسلام. وتخفق المادة 6 في حل الجدال الدائر حول دور الدين في القانون والمجتمع، وتعرض بدلاً من ذلك رؤيتين متعارضتين للإسلام والدولة.
في حين دفعت الجهات الدينية نحو حماية الدولة للمقدسات، دفع أعضاء المعارضة العلمانية في اتجاه حرية العبادة وحظر “التكفير”، وهو مطلب أثير بعد اتهام نائب إسلامي لعضو في المعارضة بأنه “عدو للإسلام”، مردداً الخطاب الذي أحاط باغتيال النواب العلمانيين شكري بلعيد ومحمد براهمي في العام 2013.
هل يستطيع الدستور التونسي أن يعرض نموذجاً لعمليات التحول المجاورة، كما فعلت انتفاضة تونس في كانون الثاني (يناير) من العام 2011؟ يستطيع ذلك بالتأكيد، ببعض الطرق. ويبرز دور المجتمع المدني النشط في الدفع بالساسة المتنافرين نحو التوافق في منطقة مشوبة بالعنف. لكنه سيصعب تطبيق النموذج الشامل في بلدان متمايزة في السياسة والثقافة الاجتماعية مثل المغرب والجزائر وليبيا واليمن والعراق ومصر. وفي الوقت نفسه، هناك بعض الثيمات المتكررة -مثل تعزيز المؤسسات المستقلة، ودعم الانتخابات والحوارات الوطنية، وإصلاح القطاعات القضائية والأمنية، وتشجيع حقوق الإنسان- والتي ينبغي أن ترشد مقاربة المجتمع الدولي في العمليات الانتقالية الأخرى المرافقة.
تشكل المغرب والجزائر بلدين حيث يستمر الواضع الراهن على ما هو عليه. وفي العام 2011، قام العاهل المغربي محمد السادس المقيم في السلطة منذ 15 عاماً بتنظيم استفتاء على تعديلات دستورية، في خطوة اعتبرتها حركة 20 فبراير الاحتجاجية التي تدعو إلى التغيير سطحية بشكل قاطع. وعلى خلفية من الفقر المتفاقم، تبقى احتمالات إحداث تقدم ديمقراطي ضعيفة. وفي الجزائر، تبقى الإصلاحات الدستورية غير موجودة، رغم حزمة الإصلاحات التي عرضها الرئيس المسن عبد العزيز بوتفليقة، والتي وصفتها صحيفة الوطن اليومية المحلية بأنها “ذريعة” يستخدمها الرئيس لتعزيز سلطته. وقد جاء إعلان بوتفليقة مؤخراً عن ترشيح نفسه لانتخابات البلاد في نيسان (أبريل)، والذي قوبل بالاحتجاجات التي قام الجيش بإخمادها على الفور، ليؤكد فقط تجاهله التام للاتجاه نحو تحول ديمقراطي.
في ليبيا، يتوقف الإصلاح الدستوري على الاستقرار الذي تمس الحاجة إليه بشكل كبير، والذي يعيقه صعود هائل لعنف الميليشيات منذ الإطاحة بالقذافي في العام 2011. وتسيطر الجماعات المسلحة على جيوب كاملة من الأراضي الليبية. وحتى لو تمكن قادة مؤقتون من تضييق أعمال العنف، فسوف تظل هناك عقبات هائلة أمام تدوين القيم الديمقراطية. في حزيران (يونيو) 2012، قام المؤتمر الوطني العام (وهو جمعية ليبية جديدة تم انتخابها أول مرة في العام 2012) بتمرير قانون انتخابي يخصص ستة مقاعد فقط للنساء والأقليات، مما دفع الأمازيغ والطوارق والتوبو إلى مقاطعة التصويت. كما أسهم عنف الميليشيات في الإحجام الهائل عن المشاركة في انتخابات العام 2014 من أجل تشكيل هيئة لكتابة الدستور، والتي تم عقدها بعد شهر فقط من انسحاب حزب العدالة والبناء الإسلامي من الحكومة الانتقالية. ويضع هذا المناخ المتقلب الدولة الليبية على حافة الانهيار، والذي تفاقمه الاندفاعة الفيدرالية في منطقة برقة أعلنت الاستقلال من جانب واحد في آذار (مارس) 2012.
هناك منطق إقليمي مماثل في أماكن أخرى من المنطقة. ومنذ تم تبني الدستور الجديد في العام 2005، شكل العراق مسرحاً للصراع بين بغداد المركز وأطرافها من المناطق الكردية والشيعية. ومنذ العام 2011، يطالب جزء من السكان السنة بالاستقلال أيضاً. وعملت مخزونات العراق الضخمة على مفاقمة التوترات وبلورة الخصومات العنيفة بين الأحزاب والميليشيات والقبائل. ومع أنه أقل ظهوراً في الإعلام، يواجه اليمن أيضاً تحديات في كتابة دستور بعد أشهر من الحوار الوطني، والذي قدم القادة خلاله سلسلة من التوصيات التقدمية فيما يتعلق بحقوق النساء، والنمو الاقتصادي، والفيدرالية. وفي هذا الصيف، ربما يتم إجراء استفتاء بشأن إقامة نظام فيدرالي على أساس مناطق حكم ذاتي، والذي يعتبره العديدون الوسيلة الوحيدة لاستعادة الأمن وإرضاء المنطقة الجنوبية من البلد.
من جهتها، تجد مصر نفسها على حافة الدخول في حقبة سلطوية منذ انقلاب تموز (يوليو) الذي أطاح بالرئيس محمد مرسي المنتخب شعبياً والمنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين. وكان قد تم تبني دستور في حقيقة الأمر في كانون الثاني (يناير) 2014 -ومر بنسبة موافقة بلغت 98.1 %- وإنما وسط مناخ من السلبية الشعبية (التي تجسدت في نسبة المشاركة في الاستفتاء، والتي بلغت 38 %)، وخيبة الأمل والخوف. وبينما يعرض دستور كانون الثاني (يناير) 2014 فعلاً بعض المواد القوية حول حقوق المرأة والتعليم، فإن اتجاهات قمعية غير مسبوقة سوف تُغرق النقاط التقدمية فيه. وتجعل الحملة العنيفة المتصاعدة ضد الإخوان المسلمين والصحفيين والناشطين من أي أمل في تطبيق الاستقرار السياسي أمراً مستحيلاً. وكان رجل مصر القوي الجديد، المشير عبد الفتاح السيسي، قد أعلن مؤخراً أنه سيترشح للانتخابات، تاركاً القليل من الأمل في إمكانية حل الأزمة سياسياً وديمقراطياً.
الآن، تقف العمليات الدستورية في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط عن نقطة حرجة من التقدم. وينبغي أن يكون هدف قادة العالم هو ضمان الأمن في هذه المناطق بحيث تستطيع الشعوب والحكومات الدفع من أجل إجراء الإصلاحات الديمقراطية. ومن المهم إدراك طبيعة الحواجز الملموسة جداً أمام الديمقراطية، من الموارد الطبيعية إلى الصراعات بين الفرقاء. وفي هذا السياق، هل ستقدم تونس مثالاً صالحاً للإصلاح الدستوري؟ وهل ستلاحظ الدول المجاورة ذلك؟

 

 (وورلد بوليسي) -ترجمة: علاء الدين أبو زينة– الغد الاردنية.

 

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً