التطور البشري الذي يمكن أن نؤمن به..بقلم:دينيس ريال

shello
shello 2014/06/12
Updated 2014/06/12 at 9:55 صباحًا

fsjhx9jh

 

مونتريال- طرحت ندوة عن التطور عقدت مؤخراً في مونتريال السؤال الآتي على طلبة من المرحلة الثانوية وعلى أستاذة جامعات: “هل تعتقدون أن البشر ما يزالون يتطورون؟”، أجاب حوالي 80 % من الحاضرين بـ”لا”، علما بأن هناك اعتقاد عالمي تقريباً بأنه مع وجود ثقافات متعددة الأوجه وتقنية معقدة، فإن البشر قد حرروا أنفسهم من ضغوطات الانتخاب الطبيعي.
لكن الاكتشافات الأخيرة تظهر غير ذلك، لأن الثقافات عادة ما تخلق ضغوطات جديدة بدلاً من توفر مناعة ضد ضغوطات التطور. على سبيل المثال، تنتشر الجينات المرتبطة بهضم اللاكتوز أكثر في المجتمعات التي تقوم بتربية الماشية واستهلاك الحليب.
قام عالم الأحياء التطوري ستيفن ستيرنز وزملاؤه بإجراء أبحاث علمية في مجلة علم الوراثة في الطبيعة ومحاضر الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأميركية، من أجل إثبات أن قانون الانتخاب الطبيعي ينطبق على البشر المعاصرين. وكان طرح هولاء العلماء الذي اعتمدوا فيه على معلومات مكثفة من سجلات الكنائس والصحة الوطنية لقرون عديدة مقنعاً.
بخلاف الاعتقاد السائد بأن التطور يحتاج إلى آلاف السنين حتى يظهر نفسه، فإن الدلائل التي ظهرت مؤخرا تشير إلى أن الأثر الذي يخلفه يمكن أن يصبح ظاهراً بسرعة نسبية، أي خلال بضعة أجيال. وليس التغير التطوري السريع أو “التطور المعاصر” كبيراً بشكل يزيد على الحد، ومن غير المرجح أن تنمو للبشر أجنحة بعد بضعة أجيال. لكن ستكون هناك تأثيرات تطورية يصعب على الإنسان اكتشافها لأنها تنعكس في التركيبة الجينية للبشر.
يتطلب التطور المعاصر مجموعة محددة من الشروط. أولاً، يجب أن يتكون الشعب من أناس لديهم خصائص أو صفات مختلفة، كما أن أفراد الشعب يجب أن يختلفوا عن بعضهم بعضا فيما يتعلق بمعدلات القدرة على البقاء، والجانب الأهم من ذلك هو النجاح الإنجابي طيلة فترة العمر، وهو إجمالي عدد الذرية التي ينجبونها خلال فترة عمرهم. وهذه الشروط مرتبطة ببعضها بعضا بشكل أساسي؛ حيث إن القيم المختلفة لصفة معينة تترجم إلى معدلات متنوعة للقدرة على البقاء.
يسهل هذا الرابط الحيوي عملية التغيير في معدل قيمة الصفة خلال الأجيال المتعاقبة. فعلى سبيل المثال؛ إذا تمكن الأشخاص الأكبر حجما من إنجاب أطفال أكثر من الأشخاص الأصغر حجماً، فإن عدد الأشخاص الأضخم سوف يزيد، وهكذا يزيد معدل الحجم لدى أفراد الشعب. وتحدث أهم هذه التغيرات عندما يكون الأفراد في أحد جانبي قيمة الصفة يتمتعون بميزة تفضيلية كبيرة، مما يدفع كامل الشعب إلى ذلك الاتجاه.
عادة ما تكون الصفات البشرية السائدة مرتبطة بشكل أساسي بالنجاح الإنجابي طيلة فترة العمر. فعلى سبيل المثال؛ عادة ما ينجب الناس الذين يبدأون الإنجاب في سن أصغر أطفالاً أكثر. وهكذا، يعطي الانتخاب بشكل عام ميزة تفضيلية لأولئك الذين يصبحون آباء في سن أصغر. ويكون النجاح الانجابي طيلة فترة العمر أقل عند النساء طويلات القامة، بينما تكون النسبة أعلى عند الرجال طوال القامة.
قام المختص بأبحاث علم النفس ماركوس جوكيلا وزملاؤه بإجراء المزيد من الأبحاث على ذلك الرابط في بحث ظهر مؤخراً. وطبقا لجوكيلا، فإن ضغط الانتخاب الطبيعي عادة ما يفضل الجنسين المنفتحين على التجارب الجديدة والأقل عرضة للقلق. كما أن النساء الأكثر استعدادا للموافقة والأقل رغبة في التدقيق بالأمور عادة ما يكن أفضل إنجابيا، بينما لا تؤثر هذه الصفات على النجاح الإنجابي طيلة فترة العمر لدى الرجال، حتى أن هناك صفات ثقافية محددة، مثل الدخل والثروة، والتي يمكن ربطها بالنجاح الإنجابي طيلة فترة العمر. ويكون الرابط إيجابياً عند الرجال وسلبياً عند النساء.
لكن ترجمة ضغط الانتخاب من أجل تغيير تطوري يتطلب مكوناً مهماً، هو وجوب أن يكون سبب الاختلاف الملاحظ في الصفة، في جزء منه على الأقل، هو الاختلافات الجينية. ويصبح التطور ممكنا فقط في حالة كان للتشابه بين الأفراد المرتبطين ببعضهم بعضا أساس جيني وليس انعكاس للبيئة المشتركة ببساطة.
على سبيل المثال، لا يحتاج الأشقاء لأن يكبروا معا حتى يكون تشابههم له معنى من الناحية التطورية بسبب جيناتهم المشتركة. وحتى لو كان الأمر يتعلق بالمورفولوجيا (علم التشكل) والشخصية والصفات الموجودة في التاريخ البشري، مثل عمر النضوج الجنسي والخصوبة، فإنه عادة ما يكون لتشابه الأشخاص الذين يرتبطون معاً بصلة قرابة أساس جيني.
تبدو الشروط المطلوبة لحصول تغيير تطوري سريع عند الشعوب متوفرة. لكننا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن التعديلات التي يمكن قياسها في صفة معينة على مر الزمن يمكن أن تحصل لأسباب عديدة -بما في ذلك الأسباب المرتبطة بالثقافة أو البيئة مشتركة- أو بشكل عشوائي (في شكل انحراف جيني)، فإن الدراسات التي تظهر هذه الظاهرة نادرة. ويكمن التحدي اليوم في عزل المصادر المختلفة للتغيير.
جعلت الأدوات الإحصائية التي تم تطويرها مؤخراً من ذلك ممكناً. فمع وجود المزيد من الأدوات المعقدة، تمكنت أنا وزملائي من تمييز التغيرات الجينية بشكل يمكن التعويل عليه، وبالتالي إظهار أن التحول التطوري كان في اتجاه أن يكون الأفراد في عمر أصغر عند إنجاب طفلهم الأول في مجتمع صغير ومنعزل مثل كيوبيك خلال المائة والأربعين سنة الماضية.
يعارض هذا الاكتشاف خرافة أساسية أخرى، وهي أن التغيير التطوري يفيد الجنس البشري بالضرورة. وفي واقع الأمر، يزيد التطور بكل بساطة معدل النجاح الإنجابي للشخص، مع إمكانية أن تكون لذلك عواقب ديموغرافية ضارة. وهكذا، وبينما يحصل التطور المعاصر، فإن التكيف لا يؤدي دائماً إلى حياة أفضل.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً