الجامعات الأوروبية وأزمة الهوية … بقلم :فيكتور بيريز-دياز

shello
shello 2013/12/30
Updated 2013/12/30 at 10:56 صباحًا

219251

مدريديجد التعليم العالي في أوروبا اليوم نفسه في حالة من عدم اليقين العميق. ماذا ينبغي أن يكون موضع التركيز الأساسي للجامعات -البحوث، أم التدريب المهني، أم الإدماج الاجتماعي؟ وهل ينبغي للحكومات أن تستثمر المزيد في التعليم العالي من أجل تعزيز النمو الاقتصادي طويل الأمد؟ هل ينبغي للجامعات أن تُترَك لتتنافس على البقاء (أم لا) في سوق التعليم العالمية؟

في خضم المناقشات الدائرة حول دورها في المستقبل، لا ينبغي لجامعات أوروبا أن تغفل عن هويتها الفردية، وتقاليدها، وإحساسها بالغاية الاجتماعية. ولن يكون هذا بالأمر السهل. فالإداريون في الجامعات يواجهون ضغوطاً من فوق -من قِبَل المؤسسات الأوروبية والحكومات الوطنية- ومن باحثيها ومعلميها وطلابها.
لقد أصبحت معالم المناقشة في ذلك ضبابية. فمن ناحية، تلتزم الجامعات باتفاقيات طويلة الأجل مع الحكومة؛ ولكنها من ناحية أخرى تواجه إصلاحيين متحمسين يسعون إلى فرض حلول تستند إلى السوق وتؤكد المنافسة بين المؤسسات، وتشجع هيئة العاملين والطلاب على الحركة والانتقال، كما تؤكد التعليم الذي يتمحور حول الطالب.
من الواضح أن وجهات النظر هذه تولد عواقب بالغة الاختلاف تؤثر على مستقبل الجامعات. فتقليديا، كانت الجامعات تتولى البحث وتوفير التعليم المهني، وتعرض على الشباب في البلاد أساساً ثقافياً يدخلون به إلى المجتمع الواقعي. واليوم، يبدو أن كل هذه الأهداف لم تعد مؤمَّنة. والواقع أن الخطر الأعظم الذي يهدد الجامعات في أوروبا يتلخص في الفترة المطولة من الارتباك والحيرة حول أهدافها النهائية.
كان البحث عن الحقيقة من خلال الملاحظة والتجريب والحجج العقلانية والانتقاد المتبادل مبرراً لوجود الجامعات دوماً. وعلى نحو يعكس هذه الحقيقة، فإن الحكومات تشجع بعض المعاهد الأوروبية على محاولة مضاهاة التميز البحثي الذي حققته أفضل الجامعات في الولايات المتحدة.
ولكن، ليس كل الجامعات الأوروبية تعتبر نفسها مؤسسات بحثية في الأساس. فالعديد منها تفضل التركيز على إعداد طلابها لعالم العمل. ورغم ذلك، فإن المهارات المطلوبة الآن خارج الأوساط الأكاديمية تتغير بسرعة كبيرة، حتى أن الجامعات قد تجد صعوبة كبيرة في إقران المهارات المعرفية العامة التي تدرس في حجرات الدرس -مثل التفكير الانتقادي والتحليلي وحل المشاكل والكتابة- بالخبرات المهنية المطلوبة على نحو متزايد في سوق العمل. وإذا لم تترجم سنوات الدراسة إلى مهارات معرفية أكبر، فإن هذا يعني انهيار الكثير من المبررات الاقتصادية للاستثمار في التعليم العالي.
كانت الجامعات تتولى أيضاً مهمة تتعلق بالخدمات العامة: تزويد الطلاب بأسس ثقافية للحياة. وقد يبدو هذا الغرض مثيراً للجدال على نحو متزايد في المجتمعات الغربية التعددية، ولكن الجامعات لا بد أن تزود طلابها على الأقل بفهم للنماذج والتاريخ والأسس الفلسفية التي تمنحهم القدرة على مناقشة هذه القضايا. وفي غياب قدر معقول من الوعي بالبيئة الاجتماعية الثقافية لمجتمعاتهم، فإن الطلاب قد ينظرون إلى الجامعات باعتبارها مجرد مكان لملاحقة أهداف خاصة، وتكوين اتصالات مفيدة، والتمتع بالحياة الطلابية، وربما التقاط شعور سطحي بالتنوع.
أياً كان المسار الذي تسلكه جامعات أوروبا، فإن الحفاظ على هوية متميزة في مواجهة التغيرات العالمية وإصلاح التعليم سوف يصبح أمراً متزايد الصعوبة. لم يعد الباحثون محصورين داخل أبراجهم العاجية، ولكنهم يعملون كجزء من شبكات عالمية معقدة إلى جانب المشاركين من القطاع الخاص. والآن أصبح يُستعاض عن الأساتذة المثبتين، الذين كانوا ذات يوم يشكلون عنصراً مركزياً في حياة الجامعة وصورتها، بمعلمين بدوام جزئي يفتقرون إلى العلاقة القوية بمؤسساتهم.
وعلى نحو مماثل، في المفهوم الناشئ للجامعات -والمستمد إلى حد كبير من عالم الشركات- يتعامل “المديرون” التعليميون الذين يطبقون “أفضل الممارسات” (والمستعدون دوماً للانتقال إلى الموقع التالي) بالنظرة الأكثر سطحية لحياة المؤسسات والتقاليد. والطلاب، الذين يُنظَر إليهم باعتبارهم مجرد مستهلكين لخدمة ما، مدعوون لممارسة الاختيار بشأن المعلمين والمناهج الدراسية والموقع.
قد يجد البعض أن هذه التغيرات مثيرة، لكن الغرض منها يضيع إذا تسببت ملاحقتها في إضعاف هوية الجامعات الأوروبية، والتي اعتاد عدد كبير منها على العمل في عالم من رعاية الدولة والقيود التنظيمية القوية. ويتعين على صناع السياسات أن يكونوا على بينة من الأضرار التعليمية والثقافية التي قد تحدثها الإصلاحات المستمرة -والتي يتم تبريرها جميعها بلغة اليوم الموجهة نحو المستقبل.
يتعين على الجامعات أن تتولى حماية ذاكرتها المؤسسية، وتقاليدها المحلية، والتزامها إزاء كل جيل جديد من الطلاب. ومن الممكن أن تساعد شبكة من الخريجين الموالين الممتنين في ضمان تحقيق هذه الغاية. ويتلخص البديل هنا في تجربة تعليمية رسمية لا تفتقر إلى الشخصية الفردية فحسب، بل وتخلو أيضاً من الغرض الأخلاقي.
الغد الاردنية
*
رئيس مركز أبحاث في مدريد وعضو الأكاديمية الأميركية للآداب والعلوم والأكايمية الأوروبية، وهو مؤلف كتاب “الأسواق والمجتمع المدني”، و”أوروبا والأزمة العالمية: الاقتصاد، الجيوستراتيجي، المجتمع المدني والقيم“.
*
خاص بـ”الغد”، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت“.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً