الخليج الجديد … بقلم : جاسر الجاسر

shello
shello 2014/04/20
Updated 2014/04/20 at 9:22 صباحًا

9fc0a5a3681f43118e0dc7279ffed594

 

سيكون اجتماع قادة الخليج التشاوري في أيار (مايو) المقبل علامة فارقة في تاريخ مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فهو سيكون ولادة جديدة للمجلس، لأن ذلك الاجتماع بمجرد حدوثه يعلن تلقائياً أن صفحة خليجية جدية فتحت، وأن ملفات كثيرة معلقة عولجت أو طويت، نتيجة تبنيه لغة خليجية جديدة مدارها المكاشفة والوضوح، والاستشعار المشترك لنوعية التحديات وطبيعتها وطرق التفاعل معها، ما يعني أن «المجلس» لن يبقى على حاله الراهنة، بل سيتخذ هيئة مختلفة تنفض جانباً حال البطء في عمله، وربما ينتقل إلى مرحلة الاتحاد، حتى إن جاء ذلك عبر التطبيق على مسارات مشتركة لا تتضاد مع البنى الاجتماعية والاقتصادية لكل بلد.

كانت اللغة الخليجية طوال العقود الماضية تنتهج الصمت، والمعالجة الداخلية، وتحمُّل الأخ أذى أخيه أو تجاوزاته، حرصاً على وحدة البيت وتماسكه. هي سياسة ناجعة وقتها، إلا أنها ساهمت بشكل غير مباشر في تجميد مراكز الحركة، وأبقت الوضع ساكناً مثلما هي حال المجلس، الذي لم ينجح طوال أكثر من ثلاثة عقود في تجسيد روح المشاركة وتحقيق هدفه الأساس: التكامل والتناغم المستمرين، وصولاً إلى الاتحاد والوحدة.

اليوم تخلّص الخليج من هذه الحال، فالرهان الوجودي لا يحتمل المسايرة، ولا يستطيع الصمت أن يوقفه، فكان لا بد من الوضوح الصادم حتى لا يبقى البيت هشاً، ولا يكون بعض نوافذه مفتوحاً أمام مخاطر متربصة تستهدف هذا التجمع المتماسك وسط عواصف «الربيع العربي» وتداعياته المختلفة.

خلال الفترة الماضية، بدا أن «مجلس التعاون» في طريقه إلى الانهيار، وأن اللغة الخليجية الواحدة لم تعد كذلك، وأن الإخوة تباعدت طرقهم وتنافرت غاياتهم، وهو الظن الذي ساد إلى أن جاء اجتماع وزراء الخليج الخميس الماضي في الرياض، ليعلن بدء صفحة جديدة في الكيان العتيد، وأنه يعود إلى الساحة جسماً واحداً كما لم يكن قبلاً.

قبل ذلك، كان الإعلان عن القمة التشاورية، وهو إعلان كان يستحيل ظهوره لو لم تنقشع الغمامة، وأن دول الخليج اتخذت خيارها وحددت تاريخاً لحسم حال الارتباك والتباين.

المفارقة أن الصمت لم ينفع الخليج كثيراً، بل نفعه الحديث والمصارحة وتحديد الأولويات من دون مواربة، وعدم تأجيل أي مسألة تشكّل خطراً وجودياً حقيقياً. تعرّض الخليج لصدمات كثيرة وخطرة، بدءاً من غزو العراق الكويت حتى اليوم، إلا أن أياً منها لم يؤدِّ إلى كسر حال الصمت، فبقي وضع «المجلس» يراوح مكانه من دون نجاحات تذكر، بينما يُقبِل اليوم على تغيير جذري وإيجابي حين استعاض عن الصمت بالحوار، واعتمد مرآة صافية لا تغش أو تضلل.

برهن الخليج -بعد فترة من الارتباك- على أنه أسرة واحدة فعلاً، وأن جميع سكان البيت يتفقون على أن بقاءه نشطاً وحاضراً وفاعلاً لن يتحقق إن بقي بعض غرفه مغلقاً أو منعزلاً، ومهما حدث فإن البيت سيبقى قائماً وقوياً، فالعائلة اتخذت قرارها ووضعت شروطها النهائية للسكنى والوحدة، ورسمت خريطة طريقها بوضوح وشفافية أضاءت المناطق المظلمة، فلم تعد هناك ضبابية أو طرق تؤدي إلى نهايات مسدودة، الأمر الذي شدد عليه وزراء خارجية المجلس في الرياض، مؤكدين إجراءهم مراجعة شاملة للإجراءات المعمول بها في ما يتعلق بإقرار السياسات الخارجية والأمنية، والحرص على ألا «تؤثر سياسات أي من دول المجلس في مصالح دوله وأمنها واستقرارها، ومن دون المساس بسيادة أي منها». كما بينوا بوضوح: «أنه تم الاتفاق على أهمية التنفيذ الدقيق لما تم الالتزام به، للمحافظة على المكتسبات والإنجازات التي تحققت، وللانتقال إلى مرحلة الترابط القوي والتماسك الراسخ الذي يكفل تجاوز العقبات والتحديات، ويلبي آمال مواطني الدول الأعضاء وتطلعاتهم».

أياً كان سياق الأحداث وتطوراتها في قابل الأيام، فإن جميعها سيكون مراحلَ تحقُّق ويقين من صحة المسار وسلامته يعلِن لقاءُ القادة التشاوري في مايو حصيلتَها النهائية والثابتة.

بقي من الزمن نحو 40 يوماً في حدها الأقصى، بعد بذر التفاؤل خليجياً والعمل على رعايته ليكون مزهراً ومثمراً عندما يحين قطافه الشهي في مايو كما هو مأمول.

الحياة اللندنية .

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً