الدول المارقة الخطرة العاملة في الشرق الأوسط – الولايات المتحدة وإسرائيل…بقلم:نعوم تشومسكي

shello
shello 2014/02/20
Updated 2014/02/20 at 11:35 صباحًا

فهرس


تم الإعلان مؤخراً عن الاتفاق المؤقت بشأن سياسات إيران النووية، والذي سيوفر فترة ستة أشهر لإجراء مفاوضات موضوعية في 24 تشرين الثاني (نوفمبر). وكتب مايكل جوردون، مراسل صحيفة نيويورك تايمز: “كانت هذه هي المرة الأولى منذ حوالي عقد من الزمن، كما قال مسؤولون أميركيون، والتي يتم فيها التوصل إلى اتفاق دولي لوقف جزء كبير من البرنامج النووي الايراني وإعادة بعض عناصره إلى الوراء”.
على الفور، تحركت الولايات المتحة لفرض عقوبات شديدة على شركة سويسرية انتهكت العقوبات التي كانت فرضتها الولايات المتحدة على إيران. وفسر ريك غلادستون ذلك في صحيفة التايمز، فكتب: “بدا توقيت الإعلان وأنه يقصد جزئياً إلى إرسال إشارة تفيد بأن إدارة أوباما ما تزال تعتبر إيران خاضعة لعزلة اقتصادية”.
يضم هذا “الاتفاق التاريخي” في واقع الأمر تنازلات إيرانية كبيرة -على الرغم من عدم تقديم أي شيء مشابه من طرف الولايات المتحدة التي وافقت فقط على مجرد الحد مؤقتاً من عقابها لإيران. وفي واقع الأمر، من السهل تخيل تنازلات أميركية يمكن تقديمها. على سبيل المثال لا الحصر، تشكل الولايات المتحدة البلد الوحيد الذي ينتهك مباشرة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (وبشكل أكثر حدة، ميثاق الأمم المتحدة) من خلال الاستمرار في تهديدها باستخدام القوة ضد إيران. كما يمكن أن تصر الولايات المتحدة أيضاً على كبح عميلتها في المنطقة، إسرائيل، عن ارتكاب مثل هذا الانتهاك الشديد للقانون الدولي -وهو مجرد واحد من العديد من انتهاكاتها الأخرى.
في الخطاب السائد، يعتبر أمراً طبيعياً أنه ينبغي على إيران وحدها تقديم تنازلات. فبعد كل شيء، تبقى الولايات المتحدة هي الفارس الأبيض الذي يقود المجتمع الدولي في الجهود الرامية إلى احتواء إيران -التي تُفهم على أنها تشكل أخطر تهديد للسلام العالمي- وإجبارها على الامتناع عن عدوانها وإرهابها وغير ذلك من الجرائم المزعومة.
لكن هناك وجهة نظر مختلفة، قليلاً ما تُسمَع، مع أنه قد يكون من المفيد ذكرها على الأقل. وهي تبدأ برفض التأكيد الأميركي على أن الاتفاق يكسر 10 أعوام من عدم استعداد الجانب الإيراني للخوض في معالجة هذا التهديد النووي المزعوم.
قبل عشر سنوات، كانت إيران قد عرضت حل خلافاتها مع الولايات المتحدة حول برامجها النووية، إلى جانب جميع القضايا العالقة الأخرى. وقد رفضت إدارة بوش ذلك العرض بغضب، وقامت بتوبيخ الديبلوماسي السويسري الذي نقله.
ثم سعى الاتحاد الأوروبي وإيران إلى وضع ترتيب تقوم إيران بموجبه بتعليق تخصيب اليورانيوم، في حين يوفر الاتحاد الأوروبي ضمانات بأن لا تقوم الولايات المتحدة بمهاجمتها. وكما ذكر سيليغ هاريسون في صحيفة فاينانشال تايمز، فإن “الاتحاد الأوروبي، بكبح من الولايات المتحدة… رفض مناقشة القضايا الأمنية”، وبذلك ذهب ذلك الجهد إلى الفشل.
وفي العام 2010، وافقت إيران على اقتراح قدمته تركيا والبرازيل، والذي يقضي بشحن اليورانيوم المخصب إلى تركيا للتخزين. وفي المقابل، يوفر الغرب النظائر الطبية لمفاعلات الأبحاث الإيرانية. وقد استنكر الرئيس أوباما بشراسة تجاوز البرازيل وتركيا للمراتب، وسارع إلى فرض عقوبات أكثر شدة على إيران. وبعد أن شعرت البرازيل بالاستفزاز من ردة فعله، كشفت عن رسالة من أوباما كان قد اقترح فيها هذا الترتيب بالذات، ربما على أساس افتراض أن إيران سترفضه. ثم اختفت تلك الحادث بسرعة من المشهد بدورها.
وفي العام 2010 أيضاً، دعا أعضاء معاهدة حظر الانتشار النووي إلى عقد مؤتمر دولي للمضي قدماً بالمبادرة العربية القائمة منذ فترة طويلة لإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في المنطقة، والذي كان ينبغي أن ينعقد في هلسنكي في كانون الأول (ديسمبر) 2012. لكن إسرائيل رفضت الحضور، في حين وافقت إيران على ذلك، دون قيد أو شرط.
بعد ذلك، أعلنت الولايات المتحدة أنه تم إلغاء المؤتمر، مؤكدة اعتراضات إسرائيل. ودعت الدول العربية وروسيا والبرلمان الأوروبي إلى إعادة سريعة لعقد المؤتمر، في حين صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 174-6 على قرار يدعو إسرائيل إلى الانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي وفتح منشآتها النووية للتفتيش. وجاء التصويت بـ “لا” من الولايات المتحدة وإسرائيل وكندا، وجزر مارشال وميكرونيزيا وبالاو فقط –وهي نتيجة تشير إلى تنازل آخر يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة اليوم.
تشكل مثل هذه العزلة للولايات المتحدة في الساحة الدولية أمراً طبيعياً تماماً، وحول مجموعة واسعة من القضايا في حقيقة الأمر. وفي المقابل، وفي اجتماعها المنعقد في طهران العام الماضي، دعمت حركة دول عدم الانحياز (التي تشكل معظم دول العالم) مرة أخرى وبقوة حق إيران، الموقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي، في تخصيب اليورانيوم. وترفض الولايات المتحدة هذه الأطروحة، مدعية بأن ذلك الحق مشروط بشهادة نظافة صحية من المفتشين، في حين لا توجد مثل هذه الصيغة أصلاً في نصوص المعاهدة.
هناك غالبية عظمى من العرب تدعم حق إيران في متابعة برنامجها النووي. والعرب معادون لإيران، لكن أغلبيتهم الساحقة تعتبر الولايات المتحدة وإسرائيل هما التهديدات الأساسية التي يواجهونها، كما ذكر شبلي تلحمي مرة أخرى في مراجعته الشاملة الأخيرة للرأي العام العربي.
يعرض فرانك روز في صحيفة نيويورك تايمز، تفسيراً نفسياً للمسألة، أن “المسؤولين الغربيين يبدون منذهلين ومحتارين” من رفض إيران التخلي عن حقها في تخصيب اليورانيوم. وسوف تأتي أطراف أخرى حتماً إلى الذهن إذا نحن خرجنا قليلاً من المربع.
يمكن اعتبار الولايات المتحدة قائدة للمجتمع الدولي فقط إذا تم تعريف هذا المجتمع على أنه الولايات المتحدة وأي طرف يحدث أنه يذهب في ركابها، غالباً من خلال الترهيب، كما يتم الاعتراف ضمنياً في بعض الأحيان.
منتقدو الاتفاقية الجديدة، كما كتب ديفيد ي. سانجر وجودي روبين في صحيفة نيويورك تايمز، يحذرون من أن “الوسطاء المراوغين، وهم يرون الصين حريصة على مصادر الطاقة، والأوروبيين يبحثون عن طريق للعودة إلى الأيام الخوالي عندما كانت إيران مصدراً رئيسياً للتجارة، سيجدون فرصتهم الآن للقفز من فوق الحواجز”. باختصار، إنهم يقبلون الأوامر الأميركية في الوقت الحالي بسبب الخوف. وفي واقع الأمر، سلكت كل من الصين والهند والكثير من الدول الأخرى طرقها الخاصة للتحايل على العقوبات الأميركية المفروضة على إيران.
ثمة وجهة النظر البديلة التي تتحدى نسخة الولايات المتحدة المعيارية. إنها لا تغفل حقيقة أن الولايات المتحدة ظلت تعذب الإيرانيين طوال 60 عاماً، دون انقطاع. وكان العقاب قد بدأ في العام 1953 بانقلاب وكالة المخابرات المركزية الذي أطاح بحكومة إيران البرلمانية، ونصب الشاه في مكانها، وهو طاغية راكم بانتظام واحداً من أسوأ سجلات حقوق الإنسان في العالم كحليف للولايات المتحدة.
وعندما تمت الإطاحة بالشاه نفسه في العام 1979، تحولت الولايات المتحدة على الفور إلى دعم غزو صدام حسين القاتل لإيران، لتنضم إلى التدخل المباشر في نهاية المطاف من خلال تغيير أعلام سفن حليفة للعراق، الكويت، حتى تتمكن من كسر الحصار الإيراني. وفي العام 1988، قامت سفينة تابعة للبحرية الأميركية بإطلاق النار أيضاً على طائرة إيرانية وإسقاطها في المجال الجوي التجاري، ما أسفر عن مقتل 290 شخصاً، ثم تلقى طاقم السفينة الحربية تكريماً رئاسياً لدى عودتهم إلى الوطن.
بعد أن اضطرت إيران إلى الاستسلام، جددت الولايات المتحدة دعمها لصديقها صدام، حتى أنها دعت المهندسين النوويين العراقيين إلى الولايات المتحدة لتلقي تدريب متقدم في إنتاج الأسلحة. ثم فرضت إدارة كلينتون عقوبات على إيران، والتي أصبحت أكثر قسوة بكثير في السنوات الأخيرة.
هناك في الواقع اثنتان من الدول المارقة التي تعمل في المنطقة، وتلجآن إلى العدوان والتخويف وانتهاك القانون الدولي حسبما ترغبان: الولايات المتحدة وعميلتها الإسرائيلية. وقد نفذت إيران في الواقع عملاً من أعمال العدوان: غزو واحتلال الجزر العربية الثلاث في عهد الشاه المدعوم من الولايات المتحدة. لكن أي رعب ينسب بمصداقية إلى إيران سيتضاءل ويبهت لدى مقارنته بذلك الذي توقعه الدولتان المارقتان.
من المفهوم أن تعترض هذه الدول المارقة بقوة على وجود رادع في المنطقة، ويجب أن تقود حملة لتحرير نفسها من أي قيود من هذا القبيل. لكن السؤال يبقى فقط، إلى أي مدى ستذهب الدولة الأقل مروقاً في مسعاها للقضاء على الردع المرهوب بذريعة وجود “تهديد وجودي؟”، يخشى البعض أنها ستذهب شوطاً بعيداً جداً. ويحذر ميكا زينكو من مجلس العلاقات الخارجية في السياسة الخارجية من أن إسرائيل قد تلجأ إلى إثارة حرب نووية. فيما يحثّ محلل السياسة الخارجية زبيغنيو بريجنسكي واشنطن على أن توضح أميركا لإسرائيل أن القوات الجوية الأميركية ستوقفها إذا ما حاولت القصف.
أي من وجهات النظر المتضاربة هذه هي الأقرب إلى الواقع؟ في الإجابة عن هذا السؤال ما هو أكثر من مجرد استخلاص الخبرة المفيدة. ثمة عواقب عالمية مهمة ستترتب بدورها على الجواب.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Dangerous Rogue States Operating in the Mideast — U.S. and Israel
* أفرام نعوم تشومسكي، هو أستاذ لسانيات وفيلسوف أميركي، إضافة إلى أنه عالم إدراكي وعالم بالمنطق ومؤرخ وناقد وناشط سياسي. وهو أستاذ لسانيات فخري في قسم اللسانيات والفلسفة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والتي عمل فيها لأكثر من 50 عاماً.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً