الروائي الشرفا: الانقسام الداخلي المشهد الأكثر قسوة بعد النكبة

shello
shello 2018/05/02
Updated 2018/05/02 at 8:58 صباحًا


بيت لحم- معا- يقول الروائى الفلسطينى الدكتور وليد الشرفا : كنت سعيدا، وشعرت بعزاء كبير، عند وصول روايتى للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، ليس لأنه اعتبر نفسه كاتبا مهما، لكن لأن حياته منذ اللحظة الأولى ترسخت فى سبيل الإبداع والبحث، ولم يراهن على شيء آخر، ويضيف الشرفا أن المشهد الأكثر قسوة بعد النكبة هو الانقسام الفلسطينى الداخلي، إنه مسخ للقضية، إلى التفاصيل، والتاريخ وحده سيحاكم كل من كان جزءا منه، إنه انتحار بلا مجد وعذابات بلا عزاء.
> الكتابة نداهة كل العصور، كيف سحرتك وكيف اكتشفتها بداخلك؟
البداية كانت بالقراءة والموسيقى، لم تكن بالكتابة، شعرت وقتها بأن القراءة والسينما والأغنية تقودنى إلى عوالم ساحرة مفارقة، تعطى الحواس بعدا مضاعفا، وبعد حين تأكدت بأن هذه العوالم الثلاثة لم تكن إلا كتابة مؤجلة، قرأت جبران وكبر معي، كلما كبرت كبرت معانيه، كذلك كان الأمر مع نجيب محفوظ، شاهدت السينما فانفتحت على عوالم، كتبتها بعد حين، من السحر والجمال والتورط، السينما كانت شحنات هائلة تعلمت معها حبكة الحزن والفرح والبطولة، مثلما كانت الموسيقى تنزاح بى إلى حميمية عالية كبرت معي، بدأت بالنهر الخالد فى مرحلة مبكرة، واستمرت مع قارئة الفنجان التى كان لحنها بعد حين مرشدى بلا وعى إلى أسلوبى السردى الذى وسم عالم وارث الشواهد وهو؛ صيغة المستقبل ب س لذلك كانت الموسيقى والسينما حاضرة فى روايتي: القادم من القيامة ووارث الشواهد.
> ما قراءتك للمشهد الثقافى والحركة الأدبية اليوم فى فلسطين؟
المشهد الأدبى الفلسطينى يعيش حالة من الصدمة والارتباك، وذلك طبيعي، بعد حالة من الاغتراب التى رافقته، حيث تعطلت الدوافع العاملة التى صاغته فى نصف قرن تقريبا وأكثر، لذلك تبعا لهذه الصدمة تسيطر على المشهد الثقافى حالة من الرومانسية البكائية، بعد تعثر الواقعية الجمعية الممكنة المقترنة بالأيدولوجيات الكبرى، عربيا وعالميا، المشهد الأدبى مازال شبه ملتصق ومرتبطا بجيل التسعين الذى هو جيلى تقريبا، مع وجود أصوات واعدة فى السرد والشعر.المشهد الثقافى يعيش حالة من الغنائية المفرطة، حيث المؤسسات الكثيرة والإنتاج القليل، وربما بدا الصراع والحوار من سيطرة السياسى لصالح الجمالي.
> كيف استقبلت وصول الرواية للقائمة القصيرة لجائزة البوكر؟
كنت سعيدا جدا وشعرت بعزاء كبير، ليس لأننى أعتبر نفسى كاتبا مهما، لا طبعا، لكننى شعرت بالعزاء لأن حياتى منذ اللحظة الأولى ترسخت فى سبيل الإبداع والبحث ولم أراهن على شيء غيرهما، فى لحظة بسيطة من اليأس أمام سطوة الإعلامى والاستهلاكي، شعرت بأن وصول الرواية أعطى شرعية لتعبى وإخلاصى للكتابة، ولن أتحدث عن جمالية الرواية، فهو أمر قررته اللجنة وأشعر بامتنان كبير لقراءتها.
> كيف بدأت فكرة روايتك وارث الشواهد وكم استغرقت من الوقت لتصل للقارئ؟
حملت فكرة الرواية طيلة ثلاثين عاما تقريبا، عندما رافقت والدى للمرة الأولى بوعى نسبى إلى مدينة نابلس، ورأيت على جانب الطريق قبرا مهجورا، مكسور الشاهد وقد قرأت عليه: الشهيد المجهول سألت والدى فقال: هذا قبر لشخص قتل عام 1967 وقد أطلق عليه الشهيد المجهول، شعرت بخوف من الموت الوحيد، وظل القبر يكبر معي، حتى امتحنت بالموت بأقرب الناس إلى، وهو الشهيد مراد ابن عمى الذى عشت معه سبعة عشر عاما، من الولادة حتى الشهادة عام 1990، وقتها قرأت على شاهد قبره كلمة الشهيد مرة أخرى، لكن الإمعان فى الفاجعة كان بانتشاله من قبره بعد دفنه، فعشت موته مرتين وخسرت البراءة إلى الأبد، من هنا جاءت فكرة قسوة الشواهد، وهكذا كبرت معى وتحولت إلى قاعدة نفسية لقراءة النكبة مرة أخرى، حيث الموت وحيدا وآلاف الشواهد.
> القارئ لرواية “وارث الشواهد” يجدها مليئة بالخيبات والانكسارات والشخصيات البائسة والمكسورة، وبها أيضا جانب مبهج برغم كل هذه الخيبات ماذا قصدت من ذلك؟
كان لا بد للرواية أن تكون كذلك، فقد خرجت قبل أعوام من رواية، القادم من القيامة التى حاولت تأبيد أزمة الخيبة فيما بعد أوسلو، فحفلت بصور فجائعية للحزن والألم، والموت، فى رواية الشواهد سيطرت على فكرة الأزلية، أزلية فلسطين وأبديتها، وكيف دفعت ثمنا لأسطورة تحولت إلى عرق ومن ثم قانون فى الأمم المتحدة، هذا الثمن كان الموت والنفى والإلغاء المتمثل بأقسى صوره مفارقة، وهو أن ينفى المستعمر وجود المستعمر، ويرث مكانه كملهم للفن كما حدث فى عين حوض، التى لم يهدمها الإسرائيليون، بل هجروا أهلها وتركوها قرية للفنانين، الأهم أنه يحدث تناسخ للفجيعة يوميا، فالأبطال هم شرائح للألم والفقدان، لذلك كانت المأساة بشقها الواعى وشقها البديهي، فكانت شخصية المؤرخ والطبيب والأم والأبناء، فى علاقة تناوب لهاجس الموت وفقدان البيت وإلغاء التاريخ، الجانب المبهج كان حلما أسطوريا، وهو أن كل ذلك لم يفلح بالقضاء على فلسطين، بدليل أننا ما زلنا نكتبها، بكل هذا الألم. إنها يتيمة، لكنها ليست ثكلى.
> هل “وارث الشواهد” تروى الواقع الفلسطينى بعين المثقف والكاتب؟
كان لابد من رؤية تاريخية فى الرواية، هذه الرؤية التى أنتجتها المأساة الفطرية، حيث فقدان الزوج، وبالتالى اليتم والوحدة لأم الوحيد، وكان لا بد من التأصيل للبعد الأسطورى للعدوان واغتصاب فلسطين من خلال القراءة الواقعية لأسطورية التاريخ، فكان لابد من المؤرخ الواعى الذى لا يحتاج إلى وعى بالمقابل ليفهم ويحس إنه يتيم، وأن بيت جده هاجعا فى عين حوض مثلا، لذلك كان حديث المؤرخ “هلوسيا” لأنه يعيد مصير أبيه ولأنه ربما يورث مصيره لابنته، بما يعانيه من ألم جسدى فهو سجين وجريح، وما يعانيه من ألم لألم والدته التى لم تنج من المصير، وألم ابنته التى تعيد الأسئلة نفسها، برغم أنها ولدت فى أقصى الأمكنة بعدا.
> من قراءة رواياتك، نشعر بثقل القلق الوجودى فى داخلك المؤثث بالعزلة والكآبة والبحث فى المأساة الميتافيزيقية للإنسان. كيف تشكل الخروج من دهاليز الكوابيس الوجودية عبر الكتابة؟
طبيعى أن يكون ذلك تبعا لكل ما ذكر، لأن المأساة التى كسرت الحقيقة التاريخية وهى فلسطين، لم تكن أكثر من تخيل ميتافيزيقي، لذلك كانت الرواية محاكمة ونفيا لأسطورة التطور حتى العقلانية والإنسانية والاشتراكية، إذ كيف يحدث كل ذلك ويعاد إنتاج أسطورة مرتبطة بخرافة عمرها 3 آلاف عام، وكيف كانت الحضارة تخرج من عصور الظلام وتحلم بالعقد المدنى وتنتج التنوع، فى حين تعطى شرعية للطائفة وتنفى المواطن. لذلك حملت “وارث الشواهد” يأسا من إمكانية التوصل إلى حل من خلال الصراع بين تلقيح الأسطورة والتلقيح العضوي. وفشل كل الادعاءات الإنسانية والعلمية أمام ما حل بفلسطين وأناسها.
> تعمل أستاذا للإعلام والدراسات الثقافية فى جامعة بير زيت، إلى أى حد يؤثر العمل الإدارى على الإبداع؟
لا يوجد لدى أية وظائف إدارية، عملى هو الكتابة والتدريس، أعتقد أن الإبداع إذا أريد الإخلاص له لا ينفع معه إلا التدريس الجامعى أو عمل بحثي، بالتأكيد العمل الإدارى يشبه التعاطى السياسى بين الربح والخسارة والإبداع هو ربح الخسارة ربما.
> هل ترى اختلافا بين كتابات جيل الأدباء العرب داخل إسرائيل والأدباء الفلسطينيين خارج إسرائيل؟
مؤلم هذا السؤال وكأنه إعادة إنتاج نقدى لرواية وارث الشواهد التى طرحت العلاقة بين فلسطينيى الداخل المحتل و بين دولتهم الجديدة “إسرائيل” وبين الفلسطينيين الموحدين جيرانا وحياضا وطوائف قبل النكبة وبين الفلسطينيين تشظيا بعدا، ضمن ثنائيات حادة، فلسطينيى الداخل المحتل، والضفة والقطاع والمنفى، وكل واحدة منها تنقسم لثنائيات جديدة، تساءلت وارث الشواهد، عن ألم التحول هذا وعن تعريف الفلسطينى وسؤال التعايش، وهل يمكن للحقوق أن تصبح وطنا، وهل يمكن للاجئ أن ينسى.
فلسطينيو الوطن المحتل هم علامة الصدمة الأولى، وجوهر الهوية أنهم الروح الحضارية للمدينة الفلسطينية العريقة قبل وجود إسرائيل، وهم روحها الوطنية، ويخوضون معارك معقدة ضمن سؤال الحق وسؤال الوجود، منهم تعريف فلسطين الأول، والمتألق درويش وإميل حبيبى وتوما والقاسم وزياد، إنهم الحنين لذواتنا فيهم ولذواتهم فينا، إنهم معلمونا. ونحن فيهم نكتمل برغم نقصان الجغرافيا فى إنه بشارة الشخصية فى وارث الشواهد، إنهم رثاء فلسطين ومديحها المزمن، لا فرق جوهرى فإنهم يعبرون عن فقدان الجنة وهم فيها، ونحن نعبر عن فقدانهم وفقدانها، إنهم يسائلون شرعية الاستعمار وأخلاقية المستعمر، ويدفعون بصمودهم ثمن الحفاظ على روح البلاد.
> كيف تصف الوضع الفلسطينى الداخلى فى ظل الانقسام بين جناحى الوطن؟
المشهد الأكثر قسوة بعد النكبة هو الانقسام، إنه مسخ للقضية، والتاريخ وحده سيحاكم كل من كان جزءا منه، إنه انتحار بلا مجد وعذابات بلا عزاء.
> ما المعوقات التى تحول دون عالمية الأدب العربي، برغم محاولات الترجمة؟
أعتقد أن الأدب العربى المقروء عربيا هو أدب عالمي، دون الحاجة إلى معايير الإمبراطورية، نجيب محفوظ عالمى مثلا، بعض النظر عن الترجمة، لا حاجة للإبداع العربى لتأكيد المركزية الغربية ليكشف هويته.
> المشهد الثقافى الآن وما يهيمن عليه من فكر سياسى – إن صح التعبير – كيف تقرؤه؟
السياسى الآن يلتهم كل مظاهر الحياة وهو سياسى بنكهة فقهية، وهى حالة خطرة فى حياة الأمم، عندما تتحول المصلحة إلى قداسة والغرائز إلى أفكار، المشهد مؤلم.
> ما الطقوس التى يمارسها وليد الشرفا عند الكتابة؟
أكتب فى الليل، وما زالت الموسيقى التى سمعتها طفلا ترافقني، لا أدخن وليست لدى أية طقوس مثيرة.
> ألا ترى أن الواقع اليومى فى فلسطين يشكل مادة مفتوحة للإبداع فى ظل الأحداث المتلاحقة التى تشهدها البلاد؟
العبرة ليست فى المعايشة، العبرة فى التأثر، فلسطين منطقة للحكايات الكبرى التى انتهت فى زمانها الحكايات الكبرى.
> ما التطور الأبرز الذى تلاحظه فى تقنيات السرد فى الرواية العربية؟
هناك تطور واضح فى السردية العربية، لكنه يندرج تحت بابين كبيرين، الأول: تطور ناجم عن تناص نقدي، وهو الأعمال الروائية التى كتبها أكاديميون، حيث يلاحظ ذلك التناص التقنى فيما يخص أساليب السرد أو ما يمكن أن يطلق عليه الخطاب السردي، وهو تطور برغم أهميته فإنه لم يبشر بتجربة كتابة أخاذة تحفر لتأسيس نموذج إنسانى مقنع على مستوى التجربة، بمعنى أن التناص حدث فى الأعماق الشخصية للأبطال الأصليين، وليس من يبلغ الرسالة كمن يكتبها.
الباب الثانى وهو التطور السردى الناجم عن إكراهات نفسية زمنية ومكانية، وبالتالى انعكست بشكل فطرى على نصوص روائية حفرت تحت صدمات وقسريات، وفرضت بالتالى الحبكة والتخيل نفسها على تقنيات السرد، وهذا النوع من الكتابة هو الذى أنتمى إليه وأراهن عليه.
> ما تأثير المكان عليك ككاتب؟ وهل يؤثر فعلا على إنتاج نص إبداعى مختلف؟
كل ما قلته يندرج تحت سطوة المكان فى روايتي، وأعتقد أننى ابن المكان فعلا. بالنسبة للتأثير، فى مرحلة من اليأس من الكتابة والإبداع، ابتعدت عن الكتابة الروائية واستغرقت فى الدراسة الأكاديمية والنقدية، لكن هناك علامة مهمة أشير إليها، أنه فى ظل اليأس كان للناقد الكبير وليد أبو بكر دور فى إعادة ثقتى بالإبداع، حيث قال لي: اكتب ما بدأت به، الرواية، أعلم كم أنت يائس، لكن لدينا أكاديميون كثر، وليس لدينا روائيون بالقدر نفسه، كان لهذا الحوار أثر أشبه بالمديونية التى وضعها فى الناقد أبو بكر.
> هل تشكل الجوائز دليلا على إبداعية المنتج الأدبي؟
الجوائز تشير إلى الطريق وتضع لافتة مهمة، لكن عملية الصيرورة والمتابعة تقع على عاتق المبدع.
> هل ترى أن الحريات العربية ما زالت تعانى من القيود؟
الحريات العربية تدخل نفقا مظلما من القيود ترتبط بالانتشار الأفقى لظاهرة المنع والتكفير والشبهة.
> هل تفكر فى القارئ أثناء كتابتك؟
يشغلنى النص والجماليات، أكتب للقارئ الإنسان الذى يحلم بالاكتمال ويتجاوز كل العنصريات.
المصدر الاهرام المصرية

Share this Article