السلطة و الدولة لدى الإسلاميين .. تجارب و إتجاهات…بقلم: محمد إبراهيم حجازي

shello
shello 2014/03/26
Updated 2014/03/26 at 10:50 صباحًا

فهرس

 

يشكل صعود الإسلام السياسي بمختلف إتجاهاته ,  في مصر و تونس وقبل ذلك في فلسطين و السودان والعراق , إستمرارا سياسيا لنظام الحزب الواحد الزائل في الثقافات البشرية و العالمية , ” نظام الأحادية الأيدلوجية ” و الذي كان سببا مباشرا في تفجر الثورات العربية أو مايسمى بالربيع العربي , ويضاف إلى هذا الأستمرار السياسي  , محافظة في المجال الإجتماعي و الثقافي , موجها  لقيم وسلوك المواطنين , كما أن صعود الأسلام السياسي في تلك الدول أدى إلى بروز أزمة في الهوية الوطنية بسبب الإنقسام المذهبي ” سنه ,  شيعه  , علويين ” لبنان و العراق و البحرين وسورية  و الديني ” مسلمون – مسيحيون ” مصر  و الأمثلة عديدة و متنوعة , إلى جانب إنقسامات مجتمعية حادة بين الحالة المدنية و الدينية , نموذج مصر و تونس و فلسطين , ولكن و بالرغم من حداثة التجربة في مصر و تونس إلا أنها لا تبتعد كثيرا عن نموذج حكم حماس في قطاع غزة , الذي فشل من أن يقدم نموذجا للإسلاميين  في الحكم الرشيد و الصالح كما ذهب إلى ذلك رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في مداخلته لمؤتمر الدوحة  ”  الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي – تجارب و إتجاهات ” .

وفي هذا الإطار يرى الفيلسوف العربي المصري د . مراد وهبه أن الديمقراطية لها أربعة مكونات أساسية هي العلمانية ونظرية العقد الإجتماعي و التنوير و الليبرالية , لم تستطع أوروبا الوصول إلى تلك الرباعية إلا بعد أربعة قرون من النضال ضد التخلف …… إلخ  , وفي مصرنظام الإخوان الذي سقط , كان  ينظر إلى العلمانية بإعتبارها مجرمة  ! وإلى العقد الإجتماعي نقيضا لحكم الشرع ! والتنوير إلحاد ! والليبرالية فوضى !  ,   ولكن من المؤكد أنه لا ديمقراطية بدون علمانية , و لأنها تعد كفرا فلن يكون هناك ديمقراطية , وهذا الأمر يجعل حركة الإخوان المسلمين لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالديمقراطية , وتجربتهم القصيرة في مصر و تجربة حماس في قطاع غزة خير دليل على ذلك .

إن إستنساخ تجارب أنظمة الإستبداد التسلطية و بسمات متطرفة و بأجندات إجتماعية شديدة الوطأة على المواطنين , لم تعد ممكنه , فبعد أن  خرجت الجماهير العربية بثورات عارمة , كان للإسلاميين شرف المشاركة فيها , لم يعد مقبولا أن تحكم الشعوب العربية بالإستبداد  أو بفرض أية أيدلوجية ، دينية أم قومية ،على شكل الحكم و النظام السياسي . وهذا درس بالغ الدلالة  , وفي مواجهة ذلك تحتاج الشعوب العربية  إلى أحزاب مدنية ديمقراطية , وفي الشق الإسلامي إلى أحزاب إسلامية مدنية ديمقراطية , تفصل الدين عن السياسة , و تعترف بالتعددية السياسية و بقيم الديمقراطية و بحق الإختلاف , و إحترام الأقليات سواء العرقية منها أو المذهبية و تعزيز المواطنة المجتمعية .

إطار نظري :

 عندما نتحدث عن المجتمع المدني بقيمه المعيارية , نعني بذلك المجتمع الحامي للفرد المنفتح على الثقافات الذي يعيش حالة من التعايش الديمقراطي بين مكوناته السياسية و الإجتماعية تحت سيادة القانون , مجتمع تعددي يحترم الإختلاف , يفصل بين الدين والدولة , و يحترم الديانات و حقوق الناس الثقافية و الروحية و السياسية  . ولا شك هنا أن مفهوم المواطنة تعد من المفاهيم الأساسية في البنى الدستورية و القانونية و الإجتماعية في الدولة الحديثة , و للمفهوم ثلاثة أبعاد  أساسية ,  قانونية و سياسية و إقتصادية إجتماعية .

تشمل الحقوق السياسية – المدنية  , على الحق في الإنتخاب , و الترشح و الإنضمام إلى الأحزاب السياسية . وأهم الحقوق السياسية هو المشاركة في الإنتخابات ترشيحا و تصويتا ، وأهم الواجبات دفع الضرائب , أما الحقوق المدنية فتنطوي على الحريات الشخصية و العامة , و الحق في الأمان , و الخصوصية و الإجتماع , و حق الحصول على المعلومات , فضلا عن حرية الإعتقاد و التعبير , و في قلب الحقوق المدنية تأتي حرية تشكيل تنظيمات مدنية , الأحزاب و النقابات و المنظمات غير الحكومية , و حرية الإنتقال و الحركة و المقاومة السلمية و الحق في محاكمة عادلة .

 تعني الموطنة القانونية المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن الإختلاف في اللون أو الجنس أو الدين أو العرق . و عادة ماتكون رابطة الجنسية معيارا أساسيا في تحديد ماهية الوطن . المواطنة الإجتماعية تشمل جملة من الحقوق الإقتصادية – الإجتماعية ليس فقط الحق في الملكية , و لكنها تمتد إلى الحقوق الرتبطة بممارسة العمل , مثل الحصول على أجر عادل , و إجازة دورية, و الحق بالإضراب , و التضامن الجماعي , و يتعين بالطبع وجود سلطة قضائية مستقلة قادرة على حماية حقوق الأفراد و الجماعات , من أية إنتهاكات قد تمارس بحقهم , سواء من قبل أجهزة الدولة المختلفة أم على أيدي أفراد و جماعات , وهنا لاننسى بالطبع دور منظمات المجتمع المدني و خاصة منظمات حقوق الإنسان , و المؤسسات الإعلامية , في الدفاع و حماية حقوق الأفراد و الجماعات  و كشف الإعتداءات و الإنتهاكات التي قد تمارس هنا و هناك , و بالتالي المعالجة القضائية إن إقتضى الأمر .

و المواطنة الإجتماعية تسعى دوما إلى تطوير جودة الحياة بالنسبة للمواطنين , وحق كل مواطن في الحصول على نصيب عادل من الخدمات العامة بشكل متساوي , و بالطبع مايتبع ذلك من مواجهة للفقر , ووضع خطط للتنمية ومواجهة الفساد و إرتباط الثروة بالسلطة السياسية , وكل المظاهر التي تسيئ للمواطن و تهضم حقوقه , ويضاف إلى ذلك , الثقافة , و التي بموجبها يتمتع الفرد بحقوق التعبير على قاعدة الإنفتاح على الثقافات العالمية دون قيد أو شرط .

تجارب الخطاب الإسلامي المدني الديمقراطي :

 هناك نماذج تطرح نفسها بقوة في العالم وخاصة تجربة ماليزيا وحزب الرفاة الإجتماعي التركي , و التجربة الأندونيسية , وهذه التجارب وغيرها تستحق التقدير و الدراسة , و لكن قبل الحديث الموجز عن هذه التجارب لابد من تحديد كيف عالجت هذه الدول إشكالية العلاقة بين الإسلام كدين يحوي تشريعا ينظم حياة الناس و الدولة المعاصرة التي ينظم عملها  القانون الوضعي ؟

تعتبر الحركات و الأحزاب الإسلامية المعتدلة في دول جنوب شرق آسيا مثل ماليزيا و أندونيسيا و التجربة التركية لحزب الرفاة الإجتماعي  , أن القرآن هو مصدر التشريع و دستورا للمسلمين في وثائقها الداخلية فقط ,  لكن هذا التحديد يأخذ بالإعتبار ” الأمر الذي لانراه في العالم العربي  ”    ضرورة وجود دستور مكتوب يحدد العلاقة بين الدولة كسلطة حاكمة و عموم المواطنيين ” المحكومين ” بمختلف إتجاهاتهم الدينية و العرقية و الثقافية , و طبيعة عمل مؤسسات الدولة و الحقوق و الحريات الأساسية للمواطنين . و نظرا لأن الدولة في هذه النماذج التي تعيش فيها أغلبية مسلمة , و تمتد بأراض شاسعة نسبيا , تسيطر عليها ثقافات متباينة تاريخيا , وخبرات متنوعة متفاوتة , و ديانات متعددة , يصبح من الصعب تصور إمكانية وجود دستور موحد إسلامي صرف , يعتبر أن القرآن هو المصدر الوحيد للتشريع , يستطيع أن يحكم هذا التنوع الثقافي الكبير بين المواطنين , ويلغي هذه الخصوصيات فكان لابد من دستور يحفظ هذا التنوع و يستوعبه من ثقافات وديانات غير الإسلام و بالتالي صياغة دستور  ” كل الأمة ” يحافظ على النسيج الإجتماعي و يحترم الديانات و التنوع الثقافي , دستور عصري علماني يفصل الدين عن الدولة , حيث العلمانية هنا لاتعني الإلحاد كما يروج لها بعض  أحزاب وفصائل وجماعات الإسلام السياسي في المنطقة العربية .

ففي ماليزيا ينص الدستور على أن الإسلام هو دين الإتحاد الفيدرالي وتجري ممارسة الديانات الأخرى في سلام وتفاهم في كل مكان في الإتحاد الفيدرالي في المادة ” 3 ” من الدستور  ينص على حق ممارسة الشعائر الدينية للأديان ”  ومنها بالطبع غير السماوية  ” , و تأكد المادة رقم ” 8 ” على ذلك أيضا حيث تحظر التمييز بالمطلق بين الأفراد بسبب الدين أو العرق أو مكان الولادة . ويحوي الدستور على حزمة من الحقوق و الحريات الأساسية التي يتمتع بها الأفراد مثل  الحق في السلامة , و المساواة أمام القانون و حظر العبودية وضمان حرية التعبير و التجمع السلمي و التنظيم , ومن حق كل جماعة دينية أن تمتلك وتدير مؤسساتها , بما في ذلك المؤسسات التعليمية و أن تروج لديانتها . ولكن يحق للدولة أن تنشئ أو تعين مدارس إسلامية , و تنفق عليها من المال العام .

تمارس الدولة الماليزية بعض القيود على مكوناتها الثقافية و الروحية بهدف المحافظة بالإجمال على الدولة العلمانية متعددة الثقافات . رغم أن الدستور يعطي وضعا خاصا للإسلام , ويسمح بوجود محاكم شرعية , ويعزز الحضور الإسلامي على الصعيدين المالي و التعليمي .

في أندونيسيا نجد أن الدستور مختلفا عن الدستور الماليزي , ينص على أن السيادة يمارسها الشعب طبقا للقانون ” المادة 1 ” والدولة ليس لها دين , و لكنها تؤمن بالإله الواحد ” المادة 7″ و المواطنون أمام القانون سواء , وتضمن الدولة لكل شخص أن يمارس معتقده الديني بحرية , ولا يشترط الدستور ديانة للرئيس الأندونيسي , و يقسم الرئيس و نائبه قسما مدنيا .

 وفي تركيا الدستور علماني , فيه كل أفراد المجتمع متساوون أمام القانون دون تفرقة بسبب اللغة أو العرق أو اللون أو الجنس أو الرأي السياسي أو المعتقد الديني أو الفلسفي أو الطائفة أو أي إعتبار آخر , و المرأة مساوية للرجل . والدولة العلمانية تضمن تحقيق كل هذه المساواة .

هذه النماذج التي إستعرضناها ما كان لها أن تنجح و تتحقق و تحافظ على نسيج دولها الإجتماعي وتحقق نجاحات إقتصادية هائلة لولا وجود أحزاب متنوعة مدنية منفتحة تستوعب الآخر بما يمثل من ثقافات متنوعة وخاصة الأحزاب الإسلامية التي خطت طريق عقلاني في برامجها المدنية الديمقراطية , أهلها في المساهمة إما في الوصول الى السلطة عبر صندوق الإقتراع أو بالمشاركة في صنع مستقبل بلدانها في التطور و الإزدهار .

تشكل قضية الخطاب الإسلامي الديمقراطي المدني محورا و سؤالا رئيسا لدى الكثيرين من المفكرين التنويريين في العالمين العربي و الإسلامي , حيث تصاعدت في السنوات الأخيرة نتيجة لتفاقم أزمة المجتمعات العربية و الإسلامية الدعوات إلى تجديد الخطاب الإسلامي و إعادة بعث الروح النقدية و العقلانية المنفتحة فيه . إلى جانب إتساع ظاهرة إنتقاد الخطاب الديني التقليدي الذي يرفض التأويل ويلغي العقل لحساب النص و يهدر البعد التاريخي فيه . بالرغم من هذه الدعوات المتفرقة هنا و هناك  فأن حركات الإصلاح و التجديد الديني الإسلامي لازالت بعد في طور محاولة إكتشاف النموذج , ذلك لأن معظم إن لم يكن جميع الأحزاب و الحركات الإسلامية في العالم العربي تتحدث عما تريده أي الهدف الذي تسعى إليه ” شعار الإسلام هو الحل “ أكثر مما تتحدث عن الطريق الذي يوصلها إلى ما تريد , و هذا ما يفسر لنا لما الفكر الإصلاحي التجديدي نقديا أكثر مما هو بنائيا .

إن فشل معظم دعوات التجديد في الخطاب الديني و عدم قدرتها أن تصبح التيار الرئيسي في مكونات الأحزاب الإسلامية أدى إلى ردود فعل غير عقلانية إتجاهها . واتهمت بأنها تقوم بالتلاعب في الدين لصالح فئات إجتماعية مستبدة حاكمة أو حتى بأنها غربية الطراز ليبرالية البرامج بحسب إدعاءاتهم .

حظوظ هذا التيار في النجاح كما يرى د . ماهر الشريف تبدو ضئيلة إلى الآن و ذلك لأن السلطات الحاكمة العربية بمختلف تلاوينها , لا تترك مساحة في أجهزتها التربوية و الثقافية و الإعلامية كي يشغلها هذا الخطاب التجديدي الإصلاحي , إلى جانب  أن أصحاب هذا الخطاب لا يحظون بقاعدة إجتماعية واسعة في أوساط المؤمنيين , بل لا تزال دعواتهم أشبه بصرخة مثقفيين و رجال دين تنويريين معزولين . لا حول لهم و لا قوة , يتحركون بعيدا عن حركت الشارع  , الذي غالبا ما ينساق حول عواطفه .

أضف إلى هذا السبب سبب آخر أعتقد بأنه يحتل مكانة هامة في أسباب عدم النجاح , و هي عدم قدرة التيار الرئيس في أحزاب الإسلام السياسي  “حركة الإخوان المسلمين  , وخاصة في مصر بعد التجربة الفاشلة و القصيرة في الحكم ” , من النهوض و القيام بمراجعات فكرية و سياسية و فقهية لمواقفهم المتعددة و إغلاقهم لقاعدة الإجتهاد و عدم الخوض فيه , حيث بقوا أسيرين لكتابات حسن البنا وسيد قطب خاصة كتابه الشهير و الذي يعد من أهم مراجع حركات الإسلام السياسي الأصولي ” معالم في الطريق ” الذي إشتمل على رؤية خاصة للمجتمع و للعلاقات القائمة فيه و كيفية تجاوزه ووسائل ذلك التجاوز . على أساس أن النظام الإجتماعي يعيش وضعية الجاهلية تقوم على الإعتداء على سلطان الله في الأرض و على أخص خصائص الأولوهية وهي الحاكمية . و الحاكمية في الوضع الجاهلي تستند إلى البشر فتجعل بعضهم لبعض أربابا . فينشأ عن هذا الوضع ” الإعتداء” جاهلية , جاهلية التصورات و العقائد و العادات و التقاليد و الثقافة و الفنون و الآداب و الشرائع . ويصل إلى أن يقول قطب أن  “لا صلح مع الواقع الإجتماعي بصورته الحالية ” .  الإخوان المسلمون لم يتجاوزوا هذه الثقافة بالرغم من العديد من المحاولات التي قام بها المرشد السابق للحركة الهضيمي الذي رد على ثقافة التكفير عند قطب في كتابه المعنون ” دعاة لا قضاة ” .  الذي يناقش فيه أفكار قطب  و خاصة مسألة تكفير المجتمع بإعتباره جاهليا .ومن هذه المدرسة خرج جماعة التكفير و الهجرة الذين دعوا إلى هجرة المجتمع الجاهلي بل إلى محاربته بالقوة لإعادته إلى جادة الصواب . فمنذ عام 1954 – 1970 ظهرت في مصر مدرسة فكرية جديدة للإخوان المسلمين خاصة بعد سيطرت عناصر النظام الخاص بعد وفاة الهضيبي المرشد العام السابق للحركة في مصر الذي حاول كما أسلفنا تقليم أظافر النظام الخاص ولكنه لم يستطع ,  فما ورد في كتاب  ” سر المعبد ” لثروت الخرباوي القيادي السابق في الحركة   الصادر حديثا , يشير إلى ذلك بوضوح  و الذي يتحدث فيه عن أن القيادة الحالية لحركة الأخوان المسلمين في مصر بما فيهم رئيس الجمهورية محمد مرسي هم إمتدادا تنظيميا للنظام الخاص الذي تشكل كتابات سيد قطب سالفة الذكر الملهم الرئيسي لفكرهم السياسي و العقائدي , و يضاف إلى ذلك دخول الوهابية لمصر في بداية السبعينيات وتأثر حركة الأخوان المسلمين بها بشكل واضح .

إن بقاء التيار الأصولي المتشدد رغم تراجعه في السنوات القليلة الماضية المظهر العام للإسلام السياسي في المنطقه العربية  يعطينا دلائل على فشل دعاة الإسلام المعتدل الذين يروجون لشعار نحو ” إسلام مدني ديمقراطي” مستفيدين من تجارب بلاد مثل ماليزيا و تركيا وأندونيسيا  وماحققوه من تطوير وتحديث لفكرة الإسلام  المدني المعتدل يعود للأسباب التي أوردناها سابقا و التي مازالت تشكل عائقا أمام إتساعه و إنتشاره .

إن   ” تجربة حماس في الحكم في قطاع غزة ” شكل لطمة موجعة لتيار ” الإعتدال ”  في الحركات الإسلامية في العالم العربي , وخاصة تياره الرئيسي حركة الإخوان المسلمين . التي حاول بعض مفكريها وقادتها من إنتقاد جل الممارسات و الإنتهاكات التي تقوم بها حماس في قطاع غزة , و لكن هذه الدعوات مازالت في طور العتب و لم ترتقي إلى طور المعالجة الفكرية السياسية الصارمة إتجاه الأخطاء و الممارسات التي هدمت دعائم النموذج  المتخيل الذي تسعى إليه  حركة الأخوان المسلمين .

  حركة حماس هي أقرب إلى نمط القوى السلفية  الأصولية الإسلامية التي تشتغل بالسياسة , تتطلع لبناء نظام إجتماعي إسلامي وفق صرامة أيدلوجية دينية , بدون مراعات قوانين مرحلة التحرر الوطني , في الوحدة وتعميم المواجهة مع الإحتلال , و التنوع السياسي للوطنية الفلسطينية ذات الإنجازات الكبيرة في مسيرة شعبنا .

حماس من التحرير إلى حزب دولة غزة  :

لايشكل الوضع الفلسطيني إستثناءا لمحيطه العربي فيما يخص حالة الحراك و نشاط الإسلام السياسي بمختلف تلاوينه الفكرية و السياسية . فالقسم الرئيس فيه حركة الإخوان المسلمين لها إمتداد تاريخي هام في الوسط الفلسطيني يعود إلى النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي , بتشكيل أول نواة لجمعية الإخوان المسلمين في حارة الشيخ جراح في القدس , مرورا بإتساع نشاطها , ثم تراجعها مع حرب عام 1948 م , إلى عودتها إلى الساحة السياسية في بداية الخمسينيات خاصة في قطاع غزة , و صولا إلى عام 1987 م عام إنطلاقة الإنتفاضة الفلسطينية , و إلتحاق حركة الأخوان المسلمين   بها بعد  أربعين يوما من إنطلاقتها , شكلت حينها الحركة , حركة المقاومة الإسلامية ” حماس ” تحت تأثيرات الإنتفاضة الفلسطينية و الإلتفاف الجماهيري الكاسح حولها . ونشاط فصائل العمل الوطني النشط في قيادة الإنتفاضة .

إن سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في 14 / 6 / 2007 هو شكل آخر على عمق أزمة النظام السياسي الفلسطيني الرسمي وفصائله المختلفة المنضوية في  م. ت . ف , وتجسيد عملي لمفاهيم و مبادئ وفكر حركة الإخوان المسلمين بما يخص السيطرة و الوصول إلى الحكم بمنظور إسلامي صرف .

إن إتساع و تعاظم  التيار الديني الإسلامي السياسي في فلسطين منذ أواسط الثمانينات كان تعبيراً عن حالة الفراغ وعدم الاتزان الذي أصاب جموع الشباب الذين وجدوا أنفسهم مهمشين في التركيبة  السياسية التنظيمية لفصائل م. ت. ف التي كانت تتخبط بأزمات وتناقضات داخلية أدت إلى ضعفها وابتعادها عن هموم الناس وتطلعاتهم في الحرية والاستقلال ولحماية نفسها من التآكل أخذت هذه الفصائل  تقلد نشاط وخطاب التيار الديني الواسع الذي انضجته الظروف ليحتل مكانة هامة في   النضال الوطني الفلسطيني   بأفق ديني سلفي محكوم براهنية الواقع الحالي الصدامي مع الاحتلال بدون برنامج مستقبلي ينهض بأعباء المواطنين.

إن استعداد حركة حماس المشاركة بالانتخابات التشريعية في 25/1 / 2006 م و الموافقة على الإحتكام للشعب كانت خطوة في الاتجاه الصحيح، فبمقدار مشاركة الحركة في تركيبة النظام السياسي الفلسطيني بمقدار ما  تصبح خاضعة  لقواعد  و  لعبة وضوابط جديدة يصعب عليها الانفلات منه وهي الاحتكام للنظام وللقانون العام .

فإذا كانت الديمقراطية السياسية التي ينشدها شعبنا هي الشكل الملموس لمدى عقلانية نظامنا السياسي الاقتصادي الاجتماعي فإنه بالمقابل لا يمكن للديمقراطية السياسية أن تعبر عن حاجات مجتمع لم ينشأ فيه مفهوم المجتمع المدني , والفرد المتجاوز للعشائرية والعائلية . الفرد الحامي للقانون والخاضع له، الفرد الاجتماعي الذي يتحرك في بيئة اجتماعية , تسمح له بممارسة حقوقه وواجباته السياسية و الإجتماعية .

إننا نعيش في أزمات متعددة ومتنوعة جزء من هذه الأزمات موجودة أصلاً في التركيبة الاجتماعية لمجتمعنا وجزء آخر ولدته الظروف والملابسات التي نشأت بفعل ظاهرة عسكرة المجتمع والانتفاضة وما رافقها من فوضى السلاح وغياب الدولة أو السلطة كمؤسسات وقانون .أمام هذه التشويهات لا نستطيع أن نقول إننا إزاء تحقيق ديمقراطية سياسية في نظامنا السياسي ، ولا نستطيع أن نكون متفائلين فيما لو تحققت المصالحة الفلسطينية و أُنجزت الانتخابات التشريعية  و الرئاسية مما سيشكل مرحلة هامة وخطوة في الاتجاه الصحيح , ولكن حالة الإنقلاب الذي مارسته حركة حماس , ونموذج حكمها الذي فرضته على الشعب الفلسطيني في غزة  بالقوة والصرامة السياسية , و ما فرضته على الأرض من أمر واقع جديد مس كل أشكال الحياة و يصعب تجاوزه حتى لو فرضنا بنجاح جهود المصالحة , ونعتقد بأن حماس لاتريد إجراء إنتخابات بل تتهرب منها دوما , لأنها أولا لاتؤمن بمبدأ الإنتخابات , ولا تعتبر الشعب مرجعا ,  ولا تؤمن بمبدأ التداول السلمي للسلطة , ذلك لأنه بحسب مرجعياتها الدينية تعتبر بأنه لايجوز لأي حركة إسلامية الدخول في إنتخابات والتصويت على مبدأ الإسلام هو الحل , أو على الدستور الإسلامي الذي جوهره القرآن والسيرة النبوية ” الشريعة ” . فالإنتخابات بالنسبة لها هي وسيلة فقط للوصول إلى السلطة , لمرة واحدة وإلى الأبد . الأمر الثاني لتهربها من إستحقاق الإنتخابات هو أنها تعلم جيدا أن فاتورة الحساب يوم الإنتخابات ستكلفها غاليا , و أن الشعب سيعاقبها كما عاقب حركة فتح على مستوى أدائها في السلطة ” مظاهر الفساد المختلفة ”  يشار هنا إلى مليونية الإنطلاقة الثامنة و الأربعون لحركة فتح التي أقيمت على أرض السرايا في قطاع غزة عام 2013 , و نتائج إستطلاعات الرأي الأخيرة و  التي تشير في معظمها إلى تدني شعبية حركة حماس  بنسبة عالية غير مسبوقة  , و في جوهر الأمر,  سقوط النموذج , التجربة الأولى في التاريخ لحركة الإخوان المسلميين . وهذا مكلف جدا لها ومثال صارخ لعدم قدرتها على تحقيق الحكم الرشيد , الذي يتطلع للحرية و الإستقلال والتنمية وبرنامج النهضة التي تحدث عنه إخوان مصر  .

 إن الحالة الفلسطينية  ” نضال وطني تحرري ” فرضت نفسها على مختلف نواحي الحياة الإجتماعية و السياسية و الإقتصادية وفرضت تحديا حضاريا على الشعب الفلسطيني , الذي أبدع في النضال الوطني التحرري , و ممارسة الكفاح المسلح و الإنتفاضة الشعبية وصولا إلى المفاوضات  , بالرغم من أنها طرحت أسئلة كبرى مشروعة عن قدرتها لوحدها على تحقيق برنامج الإجماع الوطني و المتمثل  ببرنامج الدولة الفلسطينية .

 التحدي الأبرز الذي واجهته م ت ف على الصعيد الداخلي هو تحديها من قبل حركة حماس على جبهة تمثيلها السياسي للشعب الفلسطيني  , كممثل شرعي ووحيد من  خلال التشكيك المستمر بها , و  بتمثيلها للشعب الفلسطيني , فحركة حماس التي تضع نفسها في مواجهة مع مؤسسات المجتمع المدني , وبنية الدولة الوطنية قيد التاسيس مما جعل المواجهة ذات طابع إجتماعي سياسي إقتصادي شامل . هذه الحركة الإسلامية ترفض ان تعمل تحت مظلة قانون الأحزاب . لأنها بالطبع ترى نفسها خارج الدولة و القانون و المؤسسات , فهي لا تعترف بالشعب كمرجع و محدد لطبيعة هذه المؤسسات و البنى السياسية . و من هنا الجمهور و المواطن ليس مرجعا مؤسساتيا , بل هو أداة لتحقيق الرؤية الحزبية  و بالتالي ضرب مبدأ التداول السلمي للسلطة و للتعددية السياسية ولمبدأ الشراكة مع الآخرين .مستندين إلى حجج واهية صماء ليس لها علاقة بالواقع ولا بتأمين الإحتياجات المادية للناس وبتطلعاتهم نحو حياة آمنه ومواطنة حره تعيش بكرامة بعيدة عن التزمت و الإضطهاد .

إن المؤسسات التي أنشأتها حركة حماس في قطاع غزة و الضفة , تشكل القاعدة الأساسية التي تستند إليها منظومة الدعوة التي أنشأتها الحركة , وتستعين بها الحكومة المقالة في غزة لتوفير جزء كبير من خدماتها الإجتماعية , والتي تجد وزاراتها صعوبة في توفيرها , وجناح الدعوة هذا عبارة عن شبكة من المؤسسات الإجتماعية و المالية و التعليمية و الخدماتية منتشرة في كل مكان في كل مدينة ومنطقة وحارة , كما أنها تطور عملها بإستمرار , وتحت تصرفها لجان الزكاة التي توفر المال المناسب لمختلف النشاطات وكله من خلال منظومة الدعوة فهي الأساس في البناء التنظيمي للحركة , وبعبارة أخرى هي مؤسسات سلطة ,  داخل السلطة الشرعية , ” دولة داخل دولة ” , ولها شبكات تعليمية مستقلة تقوم بتطويرها بإستمرار , وتنال حظ أوفر من الدعم التي يأتيها من الخارج , بالطبع هذه المنظومة  المتنوعة الأداء لها برامجها وخططها , بإتجاه إحتواء مؤسسات السلطة التي تمت السيطرة عليها , وخاصة مؤسسات التعليم الرسمي , حيث النشاط الملحوظ للحركة فيها . وتقوم لجان الزكاة بجمع المال من مختلف أنحاء العالم , وخاصة من مؤسسات خليجية خيرية  مستقلة إسلامية , أو تتبع لحركة الإخوان المسلمين ,حيث النشاط و الإستثمار المالي الهائل و ومن هنا يصف بعض الباحثين و الكتاب أن المال الذي يصل بإسم جمعيات خيرية خليجية إسلامية  , أو مايسمى بإتلاف الخير, لحركات الجهاد العالمي ,ومنها حركة حماس , هو أحد تجليات الظاهرة النفطية  في المنطقة . ويشار هنا إلى أن لجان الزكاة تشكل العمود الفقري في بنية منظومة الدعوة , وأبرزها جمعية الصلاح , و المجمع الإسلامي , و جمعية الفلاح , حيث يباشر منها الدعم الموجه في مختلف المجالات ” صحه , تعليم , رياض أطفال , شباب , مرأة  ونشاطات إجتماعية متفرقة , و مؤسسات إعلامية , إلى جانب النشاطات الإستثمارية في المال – محلات الصرافة – وحتى العقارات والأراضي و التجارة العامة وخاصة في مجال الأنفاق ”  , وإلى جانب كل هذا الدعم المال السياسي الذي يأتي من دول لها أجنداتها الخاصة الإقليمية في المنطقة , هناك مداخيل الضرائب التي تجنيها في منطقة سيطرتها ” قطاع غزة ” و حيث تصرف على حكومتها وبنيتها الإدارية ذات اللون الحزبي الواحد. هذه المنظومة الشبكية هي في النهاية مشروع سياسي إجتماعي على نقيض بنية المجتمع المدني , حيث الإنغلاق و الصرامه الثقافية في تربية الأجيال المحزبة , وهذا مايفسر حجم الإضطهاد و العنف الذي مورس ضد السلطة و مؤسساتها و الخصوم السياسيين .

وفي نفس السياق يحتل الجامع مكانة إستثنائية في عمل منظومة الدعوة ، فالمساجد بمثابة مكاتب حزبية تعقد فيها الإجتماعات  و النشاطات المتنوعة و حيث لكل جامع أسرة تنفذ سياسة الحركة , الموجهة للجمهور و للفئات التي تستهدفها الحركة . وهنا بالتأكيد توفر المساجد إنتشار كبير و منظم بشكل جيد و بتوزيع جغرافي شامل بحيث لاتخلو منطقة في قطاع غزة بدون مسجد , ولهذا سعي حماس المستمر وحرصها على السيطرة الحزبية على كل مساجد القطاع . بالطبع إلى جانب جلب الدعم و التبرعات لبناء مساجد جديدة .

إن الديمقراطية الوطنية تعني لنا جميعا نظام سياسي تعددي منفتح على الثقافات يستوعب الإختلاف و التنوع السياسي ويحترم التراث الوطني و العربي و الإسلامي و العالمي , إن ثقافتنا الوطنية الفلسطينية التي ألهبت شعبنا و شعوبنا العربية , شكلت عبر سنوات نضالنا  الوطني التحرري إلهاما , ونموذجا رائعا لكل شعوب العالم الحر الذي يسعى إلى التحرر والإنعتاق .

السؤال الرئيس الذي يواجه حركة حماس، ان تتحول من قوة إصولية إسلامية  في أجندتها الإجتماعية و السياسية الوطنية الداخلية، إلى حزب إسلامي ديمقراطي مقاوم لا يعادي الوطنية الفلسطينية , ويشكل جزءا من تشكيلاتها السياسية و التنظيمية ويجعل أجندته تهدف و تتحرك نحو تحقيق حزب إسلامي مدني ديمقراطي مقاوم هدفه تحرير الأرض وبناء دولة فلسطينية ذات سيادة منفتحة على كل الثقافات  على أساس مبدأ التداول السلمي للسلطة , و الشراكة السياسية,  .إن هذا السؤال   يبقى مشروعا وبحاجة للتدقيق و المتابعة . ذلك لأن الوضع الراهن يستدعي بقوة إعادة النظر في كثير من المواقف سواء كانت سياسية أو إجتماعية أو حتى أيديولوجية , من خلال القيام بمراجعة شاملة , و محاكمة الفترة الماضية , محاكمة علمية صحيحة , تسلط الضوء على الأخطاء وتدرسها وتعالجها و تستخلص العبر  .

أمد

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً