السياسة واللباس الاسلامي في الشرق الأوسط

shello
shello 2014/05/12
Updated 2014/05/12 at 9:36 صباحًا

11qpt984

تختلف الملابس، شأنها شأن اللغة، باختلاف الزمان والمكان والفرد.
وقد لا تستوجب عملية ارتداء المرء لثيابه الكثير من التفكير، مع ذلك، فإن أبسط الإشارات المرئية إلى أي سياق اجتماعي وسياسي وتاريخي يمكن ‘قراءتها’ من خلال ثياب الشعب الموجود في هذا السياق. حيث بإمكان الثياب رسم حدود بين الناس وصياغة هوياتهم الجمعية، وبذلك تغدو أداة بصرية لتشكيل جماعة بشرية.
وفي هذا العالم الذي تتعاظم فيه موجة العولمة، ويسهل السفر الى مسافات بعيدة، وفي ظل هذه الوفرة من وسائل الاعلام المحلية والعالمية، وما نتج عنه من تفاعل معقد بين الثقافات، نجد أن هناك حاجة تتزايد لإعادة تعريف الفرد لنفسه فيما يتعلق بالثقافة والإثنية والدين والأمة، وهو الأمر الذي أخذ يحفز صناعة الأزياء ويغير الثقافة المحلية ويعيد تعريف ما يعتبر لباسا اسلاميا لائقا في الشرق الأوسط.
ضمن هذا السياق يمكن القول أن التغيرات، التي طرأت على لباس المرأة في العالم الاسلامي خلال القرن العشرين، تعد مادة ملائمة لرسم صورة لتاريخ السياسة ولسياسة التاريخ داخل الحقل الاجتماعي والسياسي لهذه البلدان. ذلك أن تاريخ لباس النساء في هذه البلدان تكشف لنا عن تاريخ غني بقي يعاني من هامشية كبيرة داخل حقل العلوم الانسانية العربية، وخاصة أن هذا المعطى الأنتربولوجي أخذ يختزن في واقع الأمر مسارا طويلا من التحولات التي شهدتها المنطقة خلال القرن الأخير على الصعيد السياسي والديني داخل المجال العام.
وقد أثبتت التجربة أن الحركات السياسية والدينية في الشرق الأوسط وفي العالم بشكل عام، غالبا ما سعت الى تعزيز أجنداتها الخاصة من خلال التحكم بثياب العامة باسم الدين أو الحداثة، في سبيل بناء ‘الجماعات المتخيلة’ التي يسعون الى بنائها، وهو ما تجلى بشكل واضح من خلال سياسات فرض الحجاب أو نزعه التي شهدتها معظم بلدان العالم الاسلامي خلال العقود الماضية.
وفي هذا السياق، يأتي هذا الكتاب الأثنوغرافي الذي أشرفت على اعداده الصحفية الاسترالية جنيفر هيث والذي صدر في نسخته الإنكليزية عن جامعة كاليفورنيا الأميركية، وتمت ترجمته مؤخرا للعربية تحت عنوان (الحجاب: تاريخه وتقاليده وأبعاد السياسية، دار قدمس 2014، ترجمة مها بحبوح) ساعيا الى تقديم صورة أشمل عن تاريخ الحجاب، وذلك من خلال استكشاف وتفحص بعض ما يرتبط به من ثقافات وسياسات وسرديات حول الحشمة والأمان والقمع والتحرر وحرية التعبير والعبادة، اضافة الى الروحانيات والفنون والسحر.
ومما لا شك فيه، فإن هذا المجلد يحتاج حقيقة الى أكثر من قراءة ومقاربة، وخاصة أن وجهات النظر المتعددة بين ثناياه تتجاوز الحدود الضيقة لمجموعة بشرية واحدة أو الأحكام المتحاملة السائدة في لحظة ما معينة .
بيد أننا اثرنا في هذه القراءة التركيز على بعض الأبحاث التي سعت الى تقديم مقاربات جديدة لطبيعة العلاقة بين سياسات الحجاب واللباس الإسلامي الذي اعتمدته بعض الدول الاسلامية الحديثة، والطبيعة السياسية والشمولية الكامنة في أسس هذه الدول، وهو ما يسهم في توفير قراءة بديلة للسرديات التقليدية حول العلمانية وعودة الأصوليات والمجال السياسي لدول ما بعد الاستعمار.

السفور القسري في الشرق الأوسط

يركز الفصل الأول من الكتاب الذي أشرفت على كتابته د.مهجة قحف الباحثة السورية المعروفة في الأوساط النسوية الأميركية، على العودة الى ذاكرة اللباس الاسلامي خلال القرن العشرين .وفي هذا الاطار، تعود بنا الى بداية العصر الذهبي للسينما المصرية، خلال فترة الخمسينيات وصولاً إلى سبعينيات القرن العشرين ما يلفت نظرها في هذه الحقبة، أننا نكاد لا نلمح امرأة محجبة في الأفلام، إلا إذا كانت فلاحة مسنّة فقيرة. وحتى عندما بدأ الحجاب يعاود الظهور، في سبعينيات القرن العشرين، نلاحظ أن وسائل الإعلام العربية كانت تتجاهله وترفض الاعتراف به. وإذا نظرنا إلى الكتب والنصوص المدرسية والمجلات والصحف والبرامج التلفزيونية خلال الفترة ما بين أربعينيات القرن العشرين وثمانينياته، أو إلى أي مطبوعة خاصة بالثقافة الشعبية أو بالنصوص التي تحظى بموافقة الحكومة، في سورية ومصر ولبنان والعراق والدول العربية الأخرى التي كانت مُستعمَرة، وفي تركيا وإيران، لتكون لدينا الانطباع بأن الحجاب شيء غريب عن تلك البلدان.
بعد ذلك تستكمل الكاتبة ذاكرة الحجاب في منطقة الشرق الأوسط، لتعود بنا الى دمشق حيث التاريخ هو الثامن والعشرون من شهر أيلول/سبتمبر عام 1982. حرب الدولة المعلَنة على الحجاب ماضية بكامل زخمها في سورية من دون أن تواجه ما يعاكس مسيرتها على نحو مفاجىء، فقد نشر حزب البعث في شوارع المدينة ألف مظلية شابة بأحذيتهن العسكرية وبذلاتهن المموهة، ليستوقفن النساء المحجبات اللواتي كن يسرن في الشوارع ويجبرهن على خلع الحجاب تحت تهديد السلاح.
وبرأي د. قحف ان حادثة انتزاع الحجاب هذه، التي جرت في دمشق، لخصت قصة السفور بالإكراه، عبر لجوء دولة يسارية تنادي بأيديولوجية علمانية الى استخدام القوة لنزع ما تعتبره قطعة ثياب ترمز إلى دين رجعي، عن رؤوس النساء وذلك تحت شعار’سوف تتحررن من الحجاب حتى ولو اضطررنا إلى تنويركن غصبًا’.
ما بعد اللباس الاسلامي التقليدي
بعد ذلك تتطرق الكاتبة الى عودة ظهور الحجاب واللباس الاسلامي على نطاق واسع في المجتمعات العربية مع بداية التسعينيات. بيد أن ما يثير الاهتمام برأي د. قحف أن هذه العودة التي أخذت تظهر في شوارع العالم العربي وتركيا وايران، كانت من نوع عصري جديد، وهو ما بدا على نحو جلي من حيث أسلوب خياطته وتفاصيله الأيديولوجية المميّزة. فالجلباب أو المانطو، وهو ما يطلق على الثياب الخارجية المخاطة بعناية والشبيهة بالمعاطف المطرية، المترافق بغطاء رأس عصري أنيق مناسب هو حجاب مصمم للانطلاق إلى العالم الخارجي، وليس حجاباً مصمماً للانكفاء عنه، مثل العباءة أو الملاءة، اللتين تخفيان قوام المرأة.
وفي تفسيرها لأسباب العودة الى هذا الشكل الجديد من اللباس الاسلامي، ترى الكاتبة أنه مثلما تبنّت النساءُ الأمريكيات، قبل قرن، حركة الأخلاقيات المنضبطة المحافِظة وقمن بقيادتها، مع كل ما كانت تطالب به تلك الحركة من امتناع الرجال عن تناول المشروبات الروحية والتردد على المومسات، ترى العديد من المسلمات، في وقتنا الراهن، في الدين أداةً لتمهيد الساحة الاجتماعية توفّر لهن السلطة الروحية التي تخوّلهن الطلب من الرجال الالتزام بالأعراف الأخلاقية، وبالتالي جعْل هؤلاء أكثر عرضة لمحاسبة الزوجات والأمهات والأولاد، وبذلك يغدو التفسير الذي يربط بين هذه الموجة الجديدة من الحجاب وبروز الحركات الاسلامية على الساحة السياسية غير دقيق.
ديناميات الحجاب في إيران المعاصرة
يتطرق السوسيولوجي الايراني أشرف زاهدي في هذا القسم من الكتاب، الى تاريخ العلاقة بين الحجاب والتحولات السياسية التي شهدها المجال السياسي الايراني خلال القرنين التاسع عشر والعشرين .
فقد أدى احتكاك طبقة النخبة الإيرانية بالمجتمعات الأوربية، في القرن التاسع عشر، والتطورات الاقتصادية- الاجتماعية التي طرأت على تلك الطبقة، إلى جعل بعض أفرادها يسعى إلى إجراء إصلاحات متأثرين بذلك، جزئياً، بالمفاهيم الغربية حول المجتمعات المسلمة.
وقد واجه الإصلاحيون معارضة شديدة من المحافظين العلمانيين والمتدينين على السواء، الأمر الذي دعاهم الى العثور على حليف قوي يتصدى للقوى المحافظة، وهو ما وجدوه في الملك الجديد رضا شاه بهلوي.
فقد كان هذا الرجل متأثرا بالأفكار الحداثية لمصطفى كمال أتاتورك، ومن بين تلك الإصلاحات تأييده لسفور المرأة. ولذلك سرعان ما بدأت نساء إيرانيات يظهرن في الأمكنة العامة سافرات ومرتديات ثياباً غريبة الطراز. كشفت بعضهن عن شعورهن، وارتدت أخريات قبعات أوروبية، وكانت غالباً بديلاً عن غطاء الرأس.
استثار فرض السفور،عداء المؤمنين بالحجاب. فمن منظور النساء اللواتي كن غير مستعدات أو راغبات في الظهور سافرات في الأمكنة العامة، كان فرضه تحدياً دينياً وعاطفياً لا يغتفر، حيث قبعت العديدات في بيوتهن رافضات الخروج تفادياً للظهور في الأماكن العامة. كما شكل السفور للنساء ذوات الموارد المحدودة عبئاً مالياً، فقد كن يخفين ثيابهن المتواضعة تحت الشادري فلا يميزهن أحد عن باقي النساء، ذلك أن السفور كان يتطلب ارتداء ثياب ملائمة، غربية الطابع، لم يكن بمقدورهن تحمل عبء كلفتها.
وقد تنامت المعارضة ضد الشاه وسياساته وتحالفاته واعتماده على الغرب، وتنامى معها تصميم الشاه على قمعها. وبمرور الزمن، أصبح حكمه ديكتاتورياً يفتقر إلى الديمقراطية.
إضافة إلى ذلك، دفع فشل الأنظمة التي تعتنق الأيدولوجيات الرأسمالية والاشتراكية والقومية بالعديدين إلى الشك بمنافع تلك الأيديولوجيات المستوردة.
في المقابل، وجد النقاد المتدينون أنموذجهم المثالي في العقيدة الاسلامية. ولذلك أخذت العودة إلى الإسلام وإلى ما يدعى بالثقافة الأصيلة، تلقى ترحاباً كبيراً وعرفت حينها باسم حركة الأصالة.
كان دعاة الأصالة الثقافية يعتقدون أن الإمبريالية الثقافية أفسدت النساء الإيرانيات. فبدل أن تلتزم أولئك النسوة بثقافتهن الإسلامية، تبنين القيم الغربية وسمحن لأنفسهن بأن يُعتبرن موضوعات جنسية وأن يجري استغلالهن على هذا الأساس.
وقد صاغ صورة النساء آنذاك الدكتور علي شريعتي، الذي شجعهن على النأي بأنفسهن عن الأيديولوجيات وعن الأزياء التي كانت تشيئهن، وعلى تحدي العادات التقليدية، وعلى القيام بأدوار فاعلة لاكتساب العلم. وفوق كل ذلك، حث شريعتي النساء على احترام أجسادهن والحد من عرض جاذبيتهن الجنسية بارتداء معطف فضفاض أو سترة فضفاضة، وتغطية شعورهن بوشاح اسلامي.
ارتدت بعض النساء الحجاب، بهدي من تعاليم شريعتي، بينما لجأت أخريات إلى المعطف وووشاح الرأس للدلالة على هويتهن المسلمة الأصيلة. ولذلك كان هذا النوع من الملبس يحمل مغزى سياسياً إلى جانب مغزاه الديني.
أدى السخط على الشاه، المتراكم خلال عقود، الى اندلاع الثورة الايرانية عام 1979. وقداسترعت انتباه العالم صورة ألوف النساء المحجبات اللاتي كن يتظاهرن ضد الشاه. كان الحجاب قد اكتسب معنى سياسيا جديدا فلم يعد رمزا للتخلف، والقمع بل غدا رمزا للمقاومة.
لا بل ان العديد من النساء العلمانيات والعصريات اللواتي لم يكن يؤمن بارتداء الحجاب سارعن لارتدائه تضامنا مع النساء المتدينات وتعبيرا عن معارضتهن للشاه.
بعد نجاح الثورة مباشرة درس نظام رجال الدين فكرة اعادة فرض الحجاب على النساء الايرانيات رسميا. كان الحجاب مناسبا لمجال الأعمال أيضا، فقد كان بين مؤيدي رجال الدين التجار المحافظين الذين بامكانهم السيطرة على السوق الذي خسروه خلال عهد رضا شاه واستعادوه جزئيا خلال عهد ابنه.
في شهر تموز/يوليو من عام 1980، بدأ النظام الإسلامي بتطبيق الحجاب ‘الإجباري’ باعتباره جزءاً من أجندة النظام الهادفة لمأسسة الهوية الأنثوية واستغلالها عبر التشجيع على ارتداء الحجاب بوصفه ‘تطهيراً اخلاقيا’.
لذلك غدا إخفاء شعر الأنثى، لرجال الدين، مشروعاً سياسياً لا يحتمل التأجيل. ورغم كل ما بذله النظام من جهد، دخلت ايران في طور جديد من مقاومة اللباس، ولكن هذه المرة ضد فرض اللباس الديني سياسيا. وهو ما برز من خلال اختراع النساء لأساليب جديدة ومختلفة في تغطية الرأس. فقد صممت النساء، مستلهمات أغطية الرأس القبلية والاثنية، أوشحة جديدة لتغطية الرأس وأساليب مختلفة لارتدائها.
وبرأي الكاتب يمكن أن نعد هذا الابداع النسائي في تصميم لباس اسلامي أنيق داخل شوارع طهران، تعبيرا حقيقيا عن رغبة بنات ايران في التعبير عن الذات، عبر السعي الى ايجاد هوية جديدة للمجال السياسي والديني العام في إيران .
خلال عهد الرئيس محمد خاتمي، الذي اعتلى السلطة بدعم من الشباب والنساء، خف الضغط على النساء، وبالتالي شعرن بحرية أكبر في التعبير عن أنفسهن، ولتكوين صورة جديدة وهوية جديدة من خلال الأزياء الاسلامية. تحول المعطف الغامق الذي يخفي معالم الجسد الى رداء ملون أقصر يبرز القوام. اختفت السراويل الغامضة الطويلة، وظهر بدلا عنها شراويل ثلاثة أرباع الطول تظهر الكاحل الجميل. نبذت النساء وشاح الرأس الكبير الغامق، وارتدين بدلا عنه أوشحة صغيرة ذات نقوش مشرقة أو شفافة. ومع عودة رجال الدين المحافظين للامساك بزمام السلطة السياسية في عهد أحمدي نجاد عاد الضغط على النساء للتنامي ثانية .
ويخلص د. زاهدي الى القول بأن نزع الحجاب وإعادة فرض الحجاب وكشف الشعر الأنثوي و من ثم إخفاؤه، جرّد النساء الإيرانيات من الخيار المتعلّق بهوياتهن وبطريقة تقديم أنفسهن وموقعهن في المجتمع. ولكن كان من شأن تلك الخروق أن تقّوي من تصميم النساء والنخب السياسية الايرانية المعارضة على تحدّي تلك النظم. وسوف يستمر سعي الشارع الايراني نحو تحقيق حرية الإرادة وتقرير المصير وحقوق الإنسان حاضراً في المشهد السياسي الإيراني عبر التفاوض على تخوم اللباس الرسمي ورمزياته، خاصة أنه في بلد مثل ايران لا يسمح بحدوث تغيرات سياسية غالبا، يميل الناس الى التلاعب في مجال من مجالاته الرخوة، وذلك انطلاقا من أن إحداث تغيير في هذا المجال يعد مدخلا لفرض تغييرات في القاعدة الاجتماعية والأيديلوجية التي يستند عليها النظام، وبذلك يتجنب الشارع من خلال هذه المناورة الثقافية، ردود الفعل العنيفة التي تنتج عن أي مطالب سياسية واضحة تجاه المفتونين بعوالم ‘طوق العمامة’ الايرانية على حد تعبير السوسيولوجي اللبناني وضاح شرارة.

محمد تركي الربيعو- القدس العربي.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً