الصادق المهدي وثمن الديموقراطية…بقلم:محمد علي فرحات

shello
shello 2014/05/28
Updated 2014/05/28 at 10:18 صباحًا

8cfac88a78d542a2a95969593a5cd510

يقبع الصادق المهدي في سجن «دولة الإنقاذ» السودانية ولا أحد يعرف موعد الإفراج عنه أو حتى محاكمته بتهمة إدانته ارتكابات «قوات الدعم السريع» في دارفور. رأس الدولة وعدَ بإطلاقه وأخلف، والمعارضون في معظمهم يغسلون أيديهم من قضيته، خصوصاً حسن الترابي الضاحك الدائم أمام مآسي السودانيين. يكفيهم التخلص، ولو موقتاً، من منافس مؤهل لتسلم الحكم إذا سقطت دولة «الإنقاذ» كما تسلمه بعد انهيار غير حكم انقلابي في السودان.

الصادق المهدي الديموقراطي والتقليدي والمسالم دائماً، لم يكن وحيداً في إدانة التجاوزات في دارفور، فقد سبقته ولحقت به شخصيات سودانية ودولية، أبرزها والي شمال كردفان أحمد هارون (المطلوب أيضاً للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية) الذي دان «الفظائع المرتكبة باسم الدولة» وبكى أمام الملأ.

وجّه عمر حسن البشير ضربته إلى الصادق المهدي بهدف تحطيم أكبر خصومه السياسيين وللدفاع عن «قوات الدعم السريع» التي شكّلها جهاز الأمن من سودانيين وأجانب لتضرب المعارضين والمتمردين بلا تردد، وهذا دليل تراجع ثقة الحكم بالقوات المسلحة التي تلتزم حداً أدنى من القانون في عملياتها. وينظر السودانيون إلى «قوات الدعم السريع» باعتبارها تشكيلاً عسكرياً غير شرعي، كون جهاز الأمن والاستخبارات الذي شكّلها تنحصر مهامه في جمع المعلومات ووضعها في خدمة الحكومة، ولا صلاحية له لتشكيل قوات مسلحة خارج الجيش والشرطة وإخضاعها لإمرته، يستندون في ذلك إلى الدستور الانتقالي المعمول به في السودان منذ عام 2005.

أقامت السلطة السودانية دعوى قضائية ضد الصادق المهدي بتهمة مخاطبته الجماهير في منطقة الحلاوين بكلام اعتبرته مهيناً لجهاز الأمن والاستخبارات، لكن الجهاز سارع إلى اعتقاله قبل السير في إجراءات الدعوى.

نحن أمام رجل إشكالي يشبه إشكالية الدولة السودانية. يجمع في شخصه الزعامتين السياسية والروحية، ولا يرى تناقضاً بين كونه خريج أكسفورد وصاحب رؤى في أحلامه تجد صدقيتها في الواقع. ومثل السودانيين جميعاً توزّعت عائلته سياسياً فتولى ابنه عبدالرحمن منصب نائب الرئيس عمر البشير فيما تنشط ابنته مريم لإطاحة النظام العسكري المتأسلم. لكن الصادق المهدي يتغلب على المتناقضات بنزعته السلمية واستحضاره مصلحة المواطن العادي في أي موقف يتخذه من الأحداث، فقبل أقل من شهر من اعتقاله كان يحضّ على تلبية دعوة الحوار التي وجّهها البشير محاولاً إقناع سائر المعارضين بذلك وإن على سبيل تجربة ما سبق تجريبه مع النظام.

والحال أن الصادق المهدي يوضع في السجن بأوامر انقلابيين وينتخب رئيساً للوزراء في أي نظام مدني فيشكّل حكومة سرعان ما يطيحها انقلاب عسكري آخر. لكن الرجل هذه المرة أمام عسكرة متأسلمة قائمة على تحالف الأخوين العدوّين، عمر حسن البشير وحسن الترابي، تحالف يستمد قوته من إسلاموية عالمية يقودها الإخوان المسلمون، فلا يأبه بالمصائب التي تتوالى على السودان في حكمه. أليس غريباً أن الرئيس البشير المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية لا يشعر بضرورة الاستقالة بعد انفصال الجنوب عن الوطن الأم، بل حتى لضرورة الاعتذار للسودانيين في الشمال والجنوب لأنّ إسلامويته بمشاركة الترابي كانت الدافع الأساس للانفصال ولمزيد من الهشاشة السياسية والاجتماعية في ما تبقى من السودان.

الحياة اللندنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً