الطائرات بلا طيار.. رعب مقيم فوق الرؤوس … بقلم : كونور فريدرزدورف

shello
shello 2013/10/29
Updated 2013/10/29 at 11:26 صباحًا

 

214081
زودت طفلة لا يتعدى عمرها الثمانية أعوام من العمر منظمة العفو الدولية “أمنستي إنترناشيونال” بالاقتباس الذي استهلت به مقدمة تقريرها الأخير عن عمليات القتل في المناطق القبلية من باكستان. وكانت ضربة نفذتها طائرة من دون طيار قد قتلت جدة الطفلة (68 عاماً)، عندما كانت تجمع الخضراوات في الخريف الماضي. وقالت الفتاة الصغيرة: “لم أكن أخشى الطائرات من دون طيار في السابق، لكنني الآن عندما أراها تحلق فوق رؤوسنا أتساءل.. هل سأكون الهدف التالي؟“.
حالة عدم اليقين لدى الطفلة مفهومة. فوفاة جدتها لأمها هي حدث مأساوي لطفولتها حتماً. ويترك الناجون من أمثالها لتحملوا عبئاً أكبر عندما يكون الموت ملتفاً بالغموض. فهل كانت الضربة جريمة؟ غلطة رهيبة؟ هل فعلت الجدة بإهمال شيئاً ما جعل ملاح الطائرة يشك فيها؟ كيف يستطيع الأبرياء الآخرون تحاشي مصيرها؟ لكن الولايات المتحدة لا ترفض شرح ممارساتها (أو تعويض عائلات الناس الأبرياء الذين تقتلهم عن طريق الخطأ) فحسب، وإنما تعمد الحكومة الأميركية على التستر على عمليات القتل وتلفها بالسرية التامة وترفض حتى الإقرار بدورها فيها. ومن الطبيعي أن تتساءل البنات الصغيرات اللواتي لا يتجاوز عمرهن الثمانية أعوام إذا ما سيكنّ مستهدفات تالياً. بماذا ستفكر إذا نسف صاروخ من طراز “هل فاير” جدتك؟ أتساءل أيضاً عما إذا كانت فتاة ذات ثمانية أعوام ستكون الهدف التالي. لن يكون ذلك منطقياً بأي شكل من الأشكال.
في العام الماضي، شجعت القراء على تذكر الخوف الذي عاشه الأميركيون يوم 11 أيلول (سبتمبر) من العام 2001، حيث توقع الكثيرون وقوع هجوم آخر في أي لحظة، حتى أن القلق تملك أعصاب الناس الذين يعيشون بعيداً عن أي مدينة رئيسية.. تلك هي الكيفية التي تجعل فيها الطائرات من دون طيار الأبرياء في باكستان واليمن يشعرون كل يوم، وكتبت، مستشهداً ببحوث أنجزتها عيادة القانون في جامعتي نيويورك وستانفورد. وقد شرحت أم قابلها الباحثون أنه “بسبب الإرهاب، أصبحنا نغمض عيوننا ونختبئ تحت أغطيتنا ونضع أصابعنا في آذاننا”. وقالت عاملة يومية: “لا أستطيع النوم في الليل لأنه عندما تكون الطائرات من دون طيار هناك… أسمعها وهي تصدر ذلك الصوت، ذلك الضجيج. أحس بالطائرات من دون طيار تحول في كل عقلي… فأضيء المصباح وحسب وأجلس هناك… وكلما حلقت الطائرات من دون طيار فوقنا، فإنها تجعلنا نرتعد خوفاً“.
الأطفال في تلك المجتمعات مكشوفون بشكل خاص
قال رجل مجهول: “عندما يسمع الأولاد الطائرات من دون طيار، يصبحون خائفين فعلاً، وهم يسمعونها في كل الأوقات. ولذلك تراهم دائما مفزوعين متوجسين من احتمال أن تهاجمهم الطائرات”. وأضاف: “بسبب الضجيج، أصبحنا مضطربين نفسياً، النساء والرجال والأطفال… أربع وعشرون ساعة، يظل المرء نهباً للتوتر ويصاب بصداع في الرأس”. ووافق صحفي يصور الحفر التي تحدثها ضربات الطائرة من دون طيار على أن الأولاد يعيشون دائماً في حالة رعب دائم. وقال نور برهام: “إذا قرعت باباً، فإنهم سيصرخون وينهارون وكأن شيئاً سيئاً سيحدث لهم“.
نادراً ما يسمع الأميركيون من الناس في المناطق الريفية في باكستان التي تشكل “الأرض صفر” لضربات الطائرات الأميركية من دون طيار. وكانت المقابلات التي تضمنها تقرير جامعتي نيويورك وستانفورد تذكرة مهمة بأن الحرب السرية للطائرات من دون طيار، والتي تشنها إدارة أوباما تسبب “ضرراً جمعياً” لا يقتصر على المتشددين القتلى والعديد من الأبرياء الذين يقتلون. إن ضربات الطائرات من دون طيار تزيد من الإرهاب في مجتمعات بأكملها -إرهاب قومي، مبرر بالكامل. ما مدى الرعب الذي سيعتريك إذا طيرت قوة أجنبية طائرات من دون طيار فوق منزلك يوماً بعد الآخر؟
التقرير الذي أصدرته لجنة العفو الدولية “أمنستي أنترناشنال” أخيراً هو جهد يستهدف تسليط المزيد من الضوء على القتل المستهدف في المناطق القصية في باكستان. وقد حقق الباحثون وصولاً نادراً إلى أناس يعيشون هناك، واعتمدوا على أكثر من 60 مقابلة أجروها بين أواخر العام 2012 وأيلول (سبتمبر) 2013. وثمة العديد جداً من الحقائق الجديرة بالملاحظة والعرض هنا. ولكن، ولأنني كنتُ قد كتبت أصلاً عن الآثار المزعجة التي تتسبب بها ضربات الطائرات الأميركية من دون طيار على المجتمعات بأكملها، فكرت بأن أعود إلى زيارة إلى الموضوع. باختصار، يتطابق البحث الجديد لمنظمة العفو الدولية مع ما وجده باحثو جامعتي نيويورك وستانفورد. فالمئات من الأبرياء الذين قتلوا على يد الطائرات الأميركية من دون طيار هم أكبر ضحاياها، ناهيك عن الناس الوحيدين الذين يتحملون كلفاً رهيبة. إن الولايات المتحدة تجعل الحياة أكثر سوءاً للكثير من الناس الأبرياء الذين لا يتعرضون للقتل أو التشويه في كل مرة ترسل فيها طائرة بلا طيار لتهدر فوق المناطق المأهولة.
لا شك أن الضربات الأميركية أفضت إلى قتل الكثير من الأشرار في المناطق القبلية من باكستان، كما يسارع المدافعون عن إدارة أوباما إلى التوضيح. لكن السرية الرسمية عتمت على التكاليف البشرية القاسية لسياسة الطائرات الأميركية من دون طيار، وساعدت الولايات المتحدة في تجنب تعويض العائلات التي قتلت أفرادها بالخطأ، وربما سهلت موت المزيد من الأبرياء قياساً مع ما يعد مقبولاً بموجب سياسة أكثر شفافية للقتل المستهدف بواسطة الطائرات من دون طيار. وكما يقول تقرير منظمة العفو: “بينما تعمل أجزاء من المنطقة القبلية كقاعدة لعمليات المتمردين، فإنها تشكل أيضاً موطناً لحوالي 840.000 شخص، الذين يواجهون الخوف المقيم من أن يقتلوا على أيدي المجموعات المسلحة، أو القوات الباكستانية المسلحة، أو ضربات الطائرات الأميركية من دون طيار“.
بعض الفقرات ذات الصلة من التقرير:
إن تواجد الطائرات من دون طيار هو أمر مريع حتى لو أنها لا تشن الهجوم. “بينما انخفض تكرار هجمات الطائرات من دون طيار في العامين الماضيين، يظل الطيران متواجداً دائماً في سماء شمال وزيرستان. ويعيش الناس القبليون المحليون عموماً في ظل مشاعر الخوف والتوتر ويعانون من الضغوط النفسية. وهم يعتقدون بأن من الممكن أن يكونوا هدفاً لهجمة طائرة من دون طيار بسبب احتمال أن تكون معلومات خاطئة قد أعطيت لملاحي الطائرات من دون طيار، كما قال أحد سكان قرية تابي التي تعد المركز السكاني المجاور لقرية غوندي كالا، حيث قتلت مامانا بيبي، لمنظمة العفو الدولية. ويقول أحد سكان إيسو كيل، وهي واحدة من المناطق الأكثر تعرضاً لتكرار هجمات الدائرات من دون طيار: “الجميع خائفون ولا يستطيعون الخروج من منازلهم بدون أن يشعروا بالتوتر والخوف من هجمات الطائرات من دون طيار. إن الناس يضطربون عقلياً نتيجة للطائرات من دون طيار… لا نستطيع النوم بسبب صوت الطائرات العالي. وحتى لو أنها لا تهاجم، فإننا نظل نحتفظ بالخوف من الهجوم في عقولنا“.
تشعر بعض العائلات بأنها مجبرة على وضع نفسها في طريق الأذى. وشرحت فوزية، الطالبة من “ايداك”، ذلك بالقول: “إذا كان مقاتل أجنبي أو من طالبان يعيش مع عائلة محلية، فإنهم يخشون من هجمة لطائرة من دون طيار. ولذلك تعيش العائلة المضيفة في حالة خوف. وقال العديد إنهم لم يختاروا استضافة أعضاء من المجموعات المسلحة، لكنهم لم يجرؤوا على رفضهم خوفا من الانتقام والضغط الاجتماعي في مناطق فيها تواجد قوي لطالبان والقاعدة والمجموعات المتصلة بها مثل مير علي وداتا خيل“.
يتجنب السكان التجمع في مجموعات ضخمة لأداء أنشطة بريئة، مثل التجمع للصلاة أو اجتماع للمجتمع المحلي. وتبعاً لذلك أصبحت الثقافة المحلية متوقفة بحدة.
كان الرئيس أوباما قد وصل المنصب على أساس الوعد بأنه سيحكم بشفافية غير مسبوقة. ووفقاً لأمنستي إنترناشيونال، فإن “السرية المفرطة التي تغلف الممارسات المضادة للإرهاب عموماً، وبرنامج الطائرات من دون طيار خصوصاً، قد قوضت المحاولات الرامية إلى ضمان تحديد المسؤولية عن انتهاكات حقوق الإنسان”. وإذا فعل الرئيس أوباما حسناً بالوفاء بالوعد الذي قطعه على نفسه، فستزيد المساءلة، ويرجح أن يعاني الأبرياء الباكستانيون أقل على أيدينا مقارنة بما عانوه في الماضي. لكن هناك احتمالاً قليلاً لأن يفعل ذلك. ليس هناك ضغط من الديمقراطيين ولا من الجمهوريين لحمله على ذلك.

(ذي أتلانتيك)ترجمة: عبد الرحمن الحسيني- الغد الاردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً