العالم الإسلامي وماركس والثورة …. بقلم : آلان غريش

shello
shello 2014/04/09
Updated 2014/04/09 at 9:42 صباحًا


p18_20140409_pic1 

صدرت قبل أيّام في باريس طبعة جديدة من أحد المؤلفات المرجعيّة في الفكر الاستشراقي، ليس بالمعنى الحصري والسلبي الذي أراده إدوارد سعيد، بل في سياق الدراسات النقديّة والتحليليّة الصادرة في الغرب عن الإسلام والعالم العربي، ألا وهو كتاب مكسيم رودنسون «الإسلام والرأسماليّة». الكتاب الذي يحتل مكانة أساسيّة في مسار رودنسون، لم يُعَدْ إصداره بعد نفاد طبعته الأولى الصادرة عام ١٩٦٦، أي خمس سنوات بعد «محمد». وهو كتاب آخر جدلي، للمؤرّخ والباحث وعالم الاجتماع الفرنسي المذكور الذي درس العالم العربي وكان صديق العرب ونصير قضاياهم، وصاحب المواقف المعادية للصهيونيّة. الطبعة الجديدة من «الإسلام والرأسماليّة» (دار «ديموبوليس»، باريس، ٢٠١٤) مناسبة لاستعادة مكسيم رودنسون (١٩١٥ ـــ ٢٠٠٤) المستشرق الماركسي الذي أتقن العربيّة ودرس مجتمعاتها، ودرس الإسلام من زاوية اقتصاديّة وسوسيولوجيّة. وهذا المنهج تحديداً حجر الزاوية في كتابه «الإسلام والرأسماليّة» الذي واجه فكرتين سائدتين آنذاك: الأولى في أوروبا قوامها أن الإسلام عائق في وجه نموّ الرأسماليّْة، والثانية في المقلب الآخر من المتوسّط وهي أن الإسلام يقوم على فكرة المساواة. قدّم للطبعة الجديدة ألان غريش، وهو مثقف فرنسي آخر من أصدقاء العرب والمراقبين المتمهّلين للصراعات السياسية والفكرية التي تشهدها مجتمعاتنا، ومن القرّاء المتعمّقين لكتابات رودنسون بطبيعة الحال. خصّ غريش «الأخبار» بالترجمة العربيّة لمقدّمة «الإسلام والرأسماليّة» التي ننشرها في ما يأتي:

تختلف الكلمات، وكذلك طريقة صياغة الأسئلة. وقد تغيّر العصر، وهو ما سنعود إليه. إلا أنّ القضايا التي طرحها مكسيم رودنسون في هذا الكتاب الذي صدر عام 1966، لا سيَّما في ما خصّ العلاقة بين الإسلام والتنمية الاقتصادية والرأسمالية في العالم الإسلامي، فهي لا تزال مطروحة بقوة حتى يومنا هذا. فلماذا تبقى المجتمعات الإسلامية (وبشكل أعمّ مجتمعات ما عُرف آنذاك بدول العالم الثالث) «متأخّرة» أو «غير نامية»؟ وهل هناك قواعد خاصة بهذه الحضارات تتمايز جذريّاً عن تلك التي تحكم الغرب؟ وهل هذا «الشرق المعقّد» سيستنير بفضل تفسير السور القرآنية وتأويلها؟ إنها تساؤلات باتت أكثر إلحاحاً مع قيام حركات «الربيع العربي».

النقاش حول ذلك قديم جداً. «فالإسلام هو تلك الوحدة غير المُنفصمة بين الروحي والزمني، هو حكم العقيدة، وهو القيد الأثقل الذي حملته البشرية». وكان إرنست رينان، في محاضرة ألقاها في جامعة السوربون في 29 آذار/ مارس عام 1883، قد هاجم الإسلام من دون هوادة، وكان قد ألّف كتاب حياة يسوع المسيح عام 1862، ما جعل البابا يُدينه بتدنيس المقدسات ويعتبرُه «مجدّفاً». ومع إقراره بتألّق القرون الأولى من الحضارة التي نشأت مع دعوة محمد، شدّد على أن الإسلام، العاجز جدّاً في مراحله الأولى إزاء العلوم، خنق الحركة العلمية في مهدها في «النصف الثاني من قيامه»، وكان ذلك وبالاً عليه.
وبعد حوالى عشرين عاماً، عاد مكسيم رودنسون يبحث في هذه التعليلات التي تعتبر الإسلام عاملاً أساساً في فهم خفايا العالم الإسلامي. وحاول أن يجيب على طروحات عالم الاجتماع الكبير ماكس فيبر (1864-1920)، الذي زعم أنّ التقدم الذي حقَّقه الغرب مردُّه إلى الذهنية الجماعية الأوروبية التي توفّر «مستوى عقلانيّاً أرفع» وتجعله منيعاً أمام مفهوم «الحتمية»، وحتى السحر. وقد اعتمد مكسيم رودنسون على ضلوع معرفيّ عميق وعلى إتقانه البارع للُّغة العربية لكي يفكّك السُّوَر القرآنية. وبيّن، على عكس رينان وفيبر، أن النصّ المقدّس بامتياز لكونِه كلام الله، يفرد مساحةً أوسع للمنطق من سائر الكتب المقدَّسة لدى اليهودية والمسيحية. «يرِدُ في القرآن حوالى خمسين مرّة فعلُ «عَقَل»، الذي يعني الربطَ بين الأفكار، وإعمالَ العقل وإدراكَ التحليل الفكري». وتتكرّر كلازمةٍ ثلاث عشرة مرة عبارةُ «أفَلا تعْقَلون؟ التعجُّبية». وأما الكُفّار، «فيُنتَقدون على أنهم أناس لا يعقَلون، وعاجزون عن بذل أي جهد فكري من أجل كسر الرتابة».
وهل يقول القرآن بـ«حتميَّة» تعني الاستِكانة المُتعارِضة مع ذهنية المبادرة؟ بالطبعِ إن مصيرَ البشر هو بيد الله خالق كل شيء والعليم بكل شيء، إلا أن فكرةَ القضاء والقدر في الإسلام (وكما في سائر الديانات) لا تتناقَضُ مع الدعوة إلى العمل.
يقدّم التاريخ شواهد
على «المرونة» في الإسلام وليس فقط في المجال الاقتصادي

فكلمة «جهاد» لا تعني فقط الحرب المقدسة، بل قبل كلّ شيء الجهدَ الفردي من أجلِ تحسين الذات والمجتمع. فرغم أن القرآن يشدّد على الزُّهد بأمور الدنيا فإن المؤمن مدعُوٌّ إلى التصرّف، كما في التوراة والإنجيل. فيتساءل رودنسون: «ألا يوصي بالشجاعة والثبات أمام العدو والصمود في القتال؟ (…) فنصرة الله موعودة، وهي مضمونة، وعامل أساسي في تحقيق النصر، لكنها لا تعْفي أبداً من الكفاح الانساني وبالوسائل البشرية». وبنوع خاص تُمتَدح فضائلُ النشاط الاقتصادي أكثرَ، إذ من المعلوم أن رسول الله والقائد الحربي محمد عاشَ اختباراته الأولى في عالم التجارة.
لا «حتمية» إذن ولا «تقاعُسَ» نوعيّاً أمام المسلمين، ليس أكثر أساساً مما عند الشعوب القديمة المستعمَرة. فمَنْ يتذكّر أن الاستعمار كان يصِف شعوب العرق «الأصفر»، وخصوصاً الصينيين والهنود، بأنهم خاِملون ويحتاجون إلى سيطرة الرجل الأبيض لكي يعملوا؟… في خدمة العرق الأبيض بالتأكيد.
ويخلص رودنسون إلى أنه إذا لم يستطع القرآن أن يوجّه الدول الاسلامية في الطريق المناهضة للرأسمالية أو للتنمية، أفلا يمكن أن يُعزى تأخُّرُهم إلى تقاليدهم، والى سُنَّتِهم خصوصاً، أي إلى القوانين والقواعد التي حُدِّدت في العصور التي أعقبت وفاةَ الرسول عام 632؟ ومرّةً أخرى، يُبيّن المؤلف ألّا صِحَّة لذلك لأن هذه القواعد كانت عرضة لألف تأويل وتأويل، مع أنها وُضِعت في العصر الكلاسيكي للإسلام (القرنين التاسع والعاشر): «شكّلت السُّنة مروَحة واسعة من الأحكام، إذ كان من السهل على النزعات الأكثر تناقضاً أن تجد فيها ما يبرِّر خياراتها. (…) فالبناءُ على نصٍّ ما يعود إلى رغبة في تفضيله على نصّ آخر. والإيديولجية التي قامت ما بعد نزول القرآن ليست قوة خارجية تُقَوْلِب المجتمع، بل تعبير عن نزعات مُنبثِقة من الحياة الاجتماعية بمُجملِها».
ويقدِّم التاريخ شواهدَ متعدِّدة على هذه «المرونة» في الإسلام (وهي مرونة نجدُها في كلِّ الديانات والتي لولاها لما صمدت أي واحدة منها)، وليس فقط في المجال الاقتصادي. كما في مجال حقِّ المرأة في التصويت. ففي مطلع عام 1952، وفيما كان النظام الملكي يعيش آخر أيامه، عصفت بمصر مطالبُ المنظمات النسائية بمنحِ المرأة حقَّ الانتخاب. وقد أوضح شيخُ الأزهر، المرجع السني الأعلى، عن طريق الفقه، ومستشهداً بالسُّوَر القرآنية وبكلام الله، أنّ هذا التجديد غير مقبول: «لا أحدَ يمكنُه القبول به ولا يمكِن الاسلام أن يصادِق عليه». وبعد ستّين عاماً، تقريباً كانت المرأةُ تمارسُ حقَّ الانتخابِ في جميع الدول الإسلامية (باستثناء السعودية حيث الكلُّ محرومون هذا الحقّ). فما هو الاستِنتاج؟ وهل أن القرآن يُقِرّ حقّ المرأة في الانتخاب؟ أم يرفضه؟
وهل للسؤال من معنى؟ فكما أوضح عالم السياسة أوليفييه رْوَا، «يقول القرآن ما يدَّعي المسلمون إنه يقوله». والناسُ هم الذين يقودون الدينَ بممارساتهم وبطرقُهم المختلفة في الإيمان، على طريق التطوّر، وعلى التأقلُم مع العالم الحقيقي. ولو سئل، عام 1905، أنصارُ الجمهورية ورجال الإكليروس الذين كانوا يتَطاحَنون في فرنسا، عمّا إذا كانت الكاثوليكية والعلمانية تتماشَيان معاً، لأتى الجواب لا، مُدَوِّياً في الغالبيَة الساحقة من المعسكَرين. إلّا أنه، بعد خمسين عاماً، بدت الكنيسة متقبّلة للعلمانية وتعيش بانسجام (نسبي) مع الجمهورية.
وباختِصار لا يمكن ربطُ تصرّفِ المسلمين المألوف «بتعاليم القرآن ولا حتى بتعاليم السنّة، كما لا يمكن ربط مسلك المسيحيين بتعاليم الإنجيل، حتى في عصور الإيمان الأكثر عمقاً! ففي كلتا الحالتين، كانت التفسيرات الطيِّعةُ سهلةً والضمائر مرنةً واللاهوتيون مُراعون».
إنها إحدى الطروحات الجوهرية التي دافع عنها مكسيم رودنسون المنتمي إلى الماركسية. فكما قال كارل ماركس في أحد نصوصه الشهيرة: «ليس وعي البشر هو الذي يحِّدد وضعهم بل العكس، إنّ وضعهم الاجتماعي هو الذي يحدّد وعيهم» (من مقدمة مساهمة في نقد الاقتصاد السياسيّ،
Contribution à la critique de l’économie politique٬ Editions sociales٬ Paris٬ 1947). وبعبارة أخرى إن الظروف المادية التي يعيش وينتج فيها البشر هي التي تحدّد الطريقة التي يفكّرون بها (أو يتصرّفون). ويلفت الكاتب إلى أنّ أولئك الذين يتناقشون لمعرفة ما إذا كان الإسلام يؤيد الرأسمالية أو لا يؤيدها، يتشاركون «الافتراض الضّمني المسبق نفسه» وهو أنّ «البشرَ في عصرٍ ما ومنطقة ما، وكذلك المجتمعات، يخضعون بشكلٍ صارم لعقيدة مسبقة، متكونة بمعزل عنهم، ويتَّبعون تعاليمها، وينطبعون بفكرِها من دون حدوث أي تحوُّل جوهري، ومن دون أن يتكيّفوا مع ظروفِهم المعيشية ومع أنماطِ تفكيرِهم التي تفرضها هذه الظروف». لكن لا ماركس (وبعكس القراءة الدوغماتية لأعماله) ولا المؤلف يفترِضان أن الأفكار والديانات والعقائد ليس لها تأثير على مجرى التاريخ.
لا يحلّل مكسيم رودنسون بدقة العلاقات بين الاسلام والرأسمالية وحسب، بل بين الاشتراكية والإسلام أيضاً. فهل يسمح الإسلام بتوزيع الثروات؟ قد يبدو السؤال سخيفاً اليوم إذ إن احتمالات قيام ثورة ما تبدو بعيدة جداً لكي لا نقول موهومة، ولأن النزعة الاسلامية تبدو بعيدة عن أي طموح اجتماعي راديكالي. وهي لم تكن كذلك عندما نشر هذا الكتاب.
نحن إذن عشية حرب حزيران/ يونيو عام 1967، وقد بلغت القومية العربية الثورية التي جسدها الرئيس المصري جمال عبد الناصر أوج قوتها. من الناصرية إلى البعث والاشتراكية العربية والشيوعية، تحت هذه التسميات المتنوعة كان اليسار الراديكالي إلى حدٍّ ما يسود الساحة الإيديولوجية. وقد انتمى الجميع إليها بحماسة، ضباطاً ومفكرين وصحافيين وموظّفين والطبقات الوسطى المدنية، وإن اختلفوا وحتى تقاتلوا فيما بينهم بسبب هذا التفسير أو ذاك للعقيدة. وقد قامت تجارب التغيير الثوري في مصر والجزائر وسوريا والعراق واليمن الجنوبية وبدت الأنظمة الملكية على قاب قوسين من السقوط أمام موجة ثورية.
باختصار، لا يمكن
ربط تصرّف المسلمين «بتعاليم القرآن ولا حتى بتعاليم السنّة»

وكل هذه الأنظمة، إضافة إلى استبداديتها، قد دانت الـديمقراطية البورجوازية من دون رحمة، وجمعت بين الرغبة في تثبيت الاستقلال الوطني والخروج نهائياً من عصر الهيمنة الخارجية من جهة، والسعي إلى التغيير الاجتماعي من جهة أخرى. ونفَّذت إصلاحات زراعية، وحفّزت التنمية الاقتصادية وخصوصاً الصناعة الثقيلة ارتكازاً على دور الدولة المركزي. وقادت سياسة حازمة في إعادة توزيع الثروة في إطار المجتمع والتعليم والصحة للجميع. وفي كل العالم الثالث، بدا إذّاك «لون الأفق أحمر»، إنه زمن التغييرات الراديكالية، ومن حروب الغوار الكاستروي في أميركا اللاتينية إلى «المناطق المحرَّرة» في الهند الصينية مروراً بالتمرُّد المسلح في بلدان افريقيا الجنوبية، كانت القوى الثورية تعِد بغدٍ مشرقٍ للاشتراكية وحتى للشيوعية.
في العالم العربي، ومن أجل تبريرِ مشاريعها الثورية في أوساط الشعوب التي ظلّت في أعماقها مؤمنةً وفي غالبيتها زراعية، كان على السلطات أن توظِّف مصادر الإسلام. ويلاحظ رودنسون أنّ «ما يساعد في تأمين ولاء الجماهير للدين التقليدي بفضلِ عوامل الانتماء القومي، هو الاستعانة الديماغوجية (بالمعنى الدقيق للكلمة) بالشعار الاسلامي وبهيبة الإسلام كرايةٍ من أجل تغطية الخيارات الاشتراكية المتحدِّرة بشكلٍ أو بآخر من مصادر أخرى».
وتناقضَت هذه الهيمنة الإيديولوجية للاشتراكية، أو تأويلاتُها، مع تنظيماتٍ تقف خارجَ الرؤيةِ الثوريةِ وتدعي «اشتراكية الاسلام». وأحد أكثر الكتب مبيعاً في تلك الحقبة، كتابٌ من تأليف مصطفى السباعي، أحدِ زعماء الإخوان المسلمين السوريين، حمل عنوانَ الاشتراكية في الإسلام. وقد أورد الكاتب أن الله «قد أوصى بالتعاونِ والتضامن بكلّ أشكالِهما… وقد أقام النبي مؤسَّسة التضامن الاجتماعي بكامل معناها»، وخلص إلى أنّ «مبدأ التضامن الاجتماعي في الاشتراكية الإسلامية هو إحدى الخاصّيات التي تميّز هذه الاشتراكية الإنسانية والأخلاقية عن الكثير من المذاهب الاشتراكية المعروفة اليوم. ولو أنها طُبِّقت لصار مجتمعنا اليومَ مثالياً لا يقاربُه في السمو أيُّ مجتمع آخر». وما لم يأتِ الكاتب على ذكره كيفية تحقيق هذا المثال ولماذا لم تُطبّق هذه المبادئ من قبل.
ولا يفاجئ هذا الخطاب رودنسون. «فبعضُ تيارات الإسلام كانت تنوي اعتماد بعض القيود الحاسمة لحقِّ الملكية على شكل الحدِّ المفروض على الثروات»، ومصدر هذه المطالب قد يوجد في هذا النص أو ذاك «ضمن الفكرة الدينية القائلة بأنّ مقتنيات هذا العالم تُبعد عن الله وتوقع في الإثم».
وهل يمكن القول إنّ مؤيدي الاشتراكية يمكنهم أن يستعينوا بالدين بالطريقةِ نفسها التي تلجأُ إليها القوى الرجعية؟ يجيب رودنسون بلا، «فالمفسّرون الرجعيّون يستفيدون من كل إرث الماضي ومن وزن قرون من التأويلات بالمعنى التقليدي ومن مهابةِ هذه التأويلات، ومن العادة التي سادت في ربطها بالدين المُعلن والصريح لأسباب غيرِ دينية بتاتاً». ثمّ يشدِّد المؤلف على الطابعِ المحافظِ في أغلب الأحيان لدى رجال الدين، طابع يتعزّز تالياً بالحجم النامي للسعودية و«المذهب الوهابي» الإسلامي.
فالمملكة السعودية، وعلى أساس تأويلات رجعية بنوع خاص لمبادئ الاسلام، وبتصديرها، بفضل نعمة البترول ومليارات الدولارات، وعشرات آلاف المُبشِّرين في العالم، فرضت على مستوى العالم رؤيةً بالغةَ التشدّدِ جامعةً بين الدفاعِ عن المبادئ الرجعية وخصوصاً في ما يتعلق بالمرأة، والالتحاقِ باقتصادٍ نيوليبرالي والتجذّرِ في المعسكر الغربي. فهل يجب التذكير بالتحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والسعودية والمجموعات الاسلامية في مناسبتين على الأقلّ: محاربة الناصرية في ستينيات القرن الماضي ومساعدة المجاهدين الأفغان في ثمانينياته؟
ويخلص رودنسون من وراء ذلك إلى أنّ التجربة التاريخية وتحليلها «لا تشجّع على أن نرى في الدين الإسلامي، في عصرِنا الحالي، عاملاً من شأنه تحريك الجماهير من أجل عمليةِ البناء الاقتصادي، وخصوصاً أنّها تبدو ثورية حكماً، ومدمّرة للبنى القائمة».
في السنة التالية من نشر الكتاب، جاءت هزيمة العرب العسكرية في حزيران/ يونيو عام 1967 امام إسرائيل لتكشف على الملأ حدود القومية الثورية العربية التي ستتعمق أزمتها في العقود التالية متغذية من فشل محاولات التحديث ما بعد الاستقلالات، ومن عجز الأنظمة «التقدمية» عن تأمين تنمية اقتصادية واجتماعية، ومن انحراف نحو الاستبدادية كما في النظامين العراقي والسوري. وقد سرّعت هذه الأزمة «الردّة» إلى الإسلام، ليس فقط في الشرائح الشعبية التي حافظت على إيمانها وأصبحت أكثر ممارسة لشعائره، بل أيضاً في الطبقات الوسطى المدينّة وفي أوساط النخب التي «أسلمت للخطاب السياسيّ». و«التكلّم إسلامياً»، عبارة الباحث فرانسوا بورغا، «سيفرض نفسه، فبات القسم الأهم من النقاش السياسي يتمُّ بلغة الاسلام. وبالرغم من كلّ ما قيل في ساحة التحرير بمصر، وعن غياب الإسلاميين عن انتفاضة عام 2011، كانت الغالبية العظمى من المتظاهرين تؤدّي الصلاة بشكل مشترك في أيام الجمعة.
لم يغب الدين إذن، ولم يمحَ، بعكس ما يمكن أن توحي به رؤية أوروبية منطوية على ذاتها، مفادها أن حتميّة التغييرات الثورية والدور الرجعي لرجال الدين ستحمل الجماهير العربية إلى التخلّي عن الدين، كما حدث في أوروبا القرن التاسع عشر. وفي النهاية كان من شأن احد التفسيرات العقائدية الماركسية التي تفكّر على أساس مراحل التطوّر التعاقبي، أي من العبودية إلى الإقطاعية إلى الرأسمالية فالاشتراكية، أن ولدت فكرةُ أن العالم العربي سيتبع طريق التطور الأوروبي وأن دول الشمال الأكثر تقدماً هي التي ترشد الدول الأخرى إلى مستقبلها.
إلا أن الثورات العربية أثبتت أن التشبّع بالدين لم يمثّل حاجزاً أمام التحركات السياسية وأمام التطلّع إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية الذي عبّر عنه المتظاهرون في كلّ العالم العربيّ. إذ إنَّ «القالب الإسلامي ليس سوى إعادة صياغة للغة أكثر محلية للدينامية القديمة القومية أو المعادية للامبريالية»، كما يذكّر فرانسوا بورغا. وهو يشدّد بنوع خاص على «انّ انبعاث اصناف من الثقافة الاسلامية لم يغذِّ تشكيلة واحدة، بل تشكيلات لا متناهية من المشاريع السياسية».
في كل الانتخابات التي أعقبت الثورات، وفي ظلّ ظروف مختلفة في كلّ مرة، من تونس إلى مصر إلى المغرب، فازت القوى الإسلامية. وقد اصطدمت بالواقع، بالمشاكل الفعلية لإدارة الاقتصاد والدولة. رفع الإخوان المسلمون شعار «الإسلام هو الحلّ» وبالسهولة نفسها التي ظلّوا فيها على هامش الأنظمة السياسية. وإذ باتوا أمام واقع ممارسة الحكم اضطرّوا إلى التكيّف، بطريقة مختلفة في كل بلد، مع بعض النجاح في تونس، ومن دون النجاح في مصر. ولم يستطيعوا في أي من الحالات أن يواجهوا التحدِّيات الاقتصادية والسياسية (إلا بطريقة جزئية في تركيا). وإذا ما كان الدين مستمرّاً في لعب دور مركزيّ في هذه المجتمعات (كما في الولايات المتحدة) فلا يجب أن نقلّل من أهمية التحولات التي يسجلها باحث آخر هو أوليفييه روا: «نحن نسير في اتجاه علمنة المشهد السياسي، لتصبح السيطرة الدينية خاصية الديكتاتوريات، ولا يعني هذا أن المجتمعات ستكف عن كونها دينية. لن يحدث التغيير وفق النموذج الفلسفي الغربي. سيتحقق، أقلُّه في مرحلة أولى، إجماع على القول إن الدين مهمّ لكن التنافس هو بين الهويات الثقافية». فكيف يمكن أن نفسّر، عبر الدين، أن الأحزاب السلفية الرئيسة، (وهناك أكثر من عشرة منها في مصر) تدعم العسكريين في مواجهة الإخوان المسلمين؟
ويعيدنا هذا إلى خصوبة توجّه رودنسون: إن المشاكل المطروحة في المجتمعات العربية، مثل العدالة الاجتماعية والديمقراطية، هي التي ستبقى محرِّكة للتغييرات. «فليس هناك سوى وسيلة موثوقة واحدة لكي يحصل غير المحظيّين في مجتمع ما على حقهم كبشر في الاحترام، وهي أن يُمنحوا على الأقل شيئاً من إدارة السلطة السياسية وكحدّ أقصى القضاء على أكبر عدد من الامتيازات الأكثر وضمان الانجازات عبر مؤسسات ملائمة وماكنة. ويمكن عند الحاجة، تزيين هذه المؤسسات بعبارات التعاليم الاسلامية منها والمسيحية واليهودية والبوذية والرواقية والكانطية وغيرها الآلاف. وهذا ما يمنح بمعنى ما هذه التعاليم حقّها. لكن التعاليم من دون مؤسسات ليست سوى أدب فارغ وتوْرية مُخزِية لحالات الظلم الأساسية». فهل يكون قد قلّل من أهمية «الديكور» الذي ترسو عليه هويات الشعوب وخصوصاً في المستعمرات السابقة؟ لقد خضَعت هذه الدول للهيمنة وللتشويه الثقافي، ولا بدَّ من تفهُّم كونِها تسعى عبر تقاليدها الخاصة إلى أجوبةٍ لتحدِّيات اليوم، إضافة إلى كونِ مباعِث التحرك، مثل القومية الغربية والاشتراكية والليبيرالية، قد انحلّت.
واليوم تقف التيارات الرئيسة، لا سيَّما الإخوان المسلمين، لجهة النزعة المحافظة اجتماعياً وسياسياً، في موقع النيوليبرالية. فهل يمكنُ ابتكار تركيبة مختلفة، خصوصاً عندما تبرهن مُمارسة الحكم عن بطلان الأجوبة التي يرغبون في تقديمها للمشاكل الاجتماعية؟ ليس الدين دوماً مرادفاً للرجعية. ففي العديد من التجارب الثورية أو اليسارية في أميركا اللاتينية، وبعكسِ ما حدث في كوبا، يبقى للبعد المسيحي وجودُه القوي، ومن هنا صعوبة تقبّل هذه الحكومات التي تدعي اليسارية مثلاً الحقّ في الإجهاض. فهل سيقوم مستقبلاً لاهوت إسلامي تحرُّري نافذٌ بما يكفي مثل ذاك الذي دعا إليه في إيران علي شريعتي، الفيلسوف الذي توفي قبل قليل من الثورة الاسلامية عام 1979 والذي كان أستاذَ الفكر في جيله، أو ذاك الذي تبنّاه المسلمون المناهضون للرأسمالية في تركيا والذين ازدهرت راياتهم إبّان تحركات جيزي في صيف عام 2013؟ فطارق رمضان، الذي استنتج أن الإسلاميين «لا يقدِّمون البدائل الاقتصادية القابلة للحياة والموثوقة اليوم… وانكفأوا أمام موجبات الاقتصاد الرأسمالي المهيمن» يدعو في نصّ تحتَ عنوان «تجاوز الاسلام»، إلى التحرّر: «على الوعي الإسلامي المعاصر أن… يعود إلى القوة الإصلاحية وشبه الثورية للرسالة الروحية والانسانية في سياسته الداعية إلى التصالح مع الذات، كما إلى الانفتاح على الآخر. هي دورة تنتهي ونحن بحاجة إلى التجديد… فالمطلوب هو الحرية والكرامة والتحرّر، والمفارقة تكمنُ في كون المسلمين، الذي تعوزهم الثقة في النفس، هم الحراس غير الواعين ويمسكون بأيديهم المرتجفة مفاتيح سجنهم الخاص».
وينهي رودنسون بأن هناك أمراً اكيداً، «فبالإسلام أو من دونه، ومع نزعة الإسلام التقدمية أو من دونها، يبدو مستقبل العالم الاسلامي على المدى الطويل، هو مستقبل كفاح. فعلى الأرض تنفجر النضالات وتجري لأهداف دنيوية، لكن تحت راية الأفكار». ويمكن بكل بساطة أن نضيف اليوم أن هذه الأفكار ستنهل في العقود القريبة المقبلة من المعين الثقافي والسياسي الاسلامي.
* رئيس التحرير المساعد
في «لو موند ديبلوماتيك» (فرنسا)

هوامش:
(1) في الحقيقة إن بعض الأعمال المؤخرة على هذه النصوص، لم ينشرها ماركس وكان قد كتبها في المرحلة الأخيرة من حياته تساعد على توضيح هذه الفكرة: راجع:
Kevin B. Anderson٬ Marx at the Margins. On Nationalism٬ Ethnicity and Non-Western Socieities٬ The University of Chicago٬ 2010).
(2) مقدمة الطبعة الجديدة من كتاب:
L’islamisme en face٬ La Découverte٬ Paris٬ 2002.
(3) راجع صحيفة:
La Croix٬ 2 janvier 2014.

الاخبار اللبنانية .

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً