العراق: من سيئ إلى أسوأ

shello
shello 2014/04/02
Updated 2014/04/02 at 10:11 صباحًا

iraq-ruin

الطائرات العمودية التي تحلق في سماء بغداد تلقي بالمناشير. وعلى عكس تلك التي رفرفرت هابطة من الطائرات العمودية الأميركية في بداية غزو العراق قبل نحو 11 عاماً، والتي كانت تحث الجنود العراقيين على عدم المقاومة، تقصد هذه المناشير الجديدة إلى إقناع المواطنين العراقيين بالتصويت في الانتخابات الوطنية المقرر إجراؤها في الثلاثين من شهر نيسان (ابريل). ويتذكر مواطن حزين من سكان بغداد وهو ينظر في منشور يحمل صورة بطاقة تسجيل الناخبين الجديدة: “في زمن صدام، كانوا يسقطون النقود من المروحيات في الأعياد الوطنية”.
الآن، يسود التوقع بأن يبقى نوري المالكي، رئيس الوزراء منذ العام 2006، في السلطة، مع أنه ربما يواجه صعوبات كبيرة في سبيل تشكيل حكومة ائتلافية أخرى، بالنظر إلى الاقتتال الداخلي المرير الدائر في داخل الحكومة الحالية. ولكن، مع تصاعد العنف إلى أسوأ مستوياته منذ سيطرت الفتنة الطائفية على البلاد في العامين 2007، و2008، أصبح العراقيون أكثر انشغالاً بالبقاء أحياء من انشغالهم بممارسة حقوقهم الديمقراطية. وفي بعض أجزاء البلد، سوف يعمل العنف بكل تأكيد على منع الناس من التصويت، حتى لو أنهم كانوا يريدون ذلك.
تبقى المنطقة الأكثر رداءة وبؤساً هي الأنبار، المحافظة الشاسعة الواقعة إلى الغرب من بغداد، ذات الحدود المتاخمة لكل من سورية والأردن. فقد اشتدت حدة العنف هناك في شهر كانون الأول (ديسمبر)، عندما أرسل السيد المالكي قواته الخاصة لتفكيك مخيم احتجاجي في الرمادي، عاصمة المحافظة، وقامت قواته باعتقال مجموعة من السياسيين المحليين. وقد أفضى ذلك إلى اندلاع قتال شامل بين قوات الأمن، ومعظمها من الشيعة مثل السيد المالكي، وبين السكان المحليين السنيين كلهم تقريباً والموالين للقادة القبليين. بعضهم متحالفون مع تنظيم الدولة الإسلامية للعراق وبلاد الشام، المعروفة أكثر باسم “داعش”، والمرتبطة بتنظيم القاعدة. وبسبب إخفاقه في الوفاء بالمطالب المحلية بإجراء إصلاح سياسي وقضائي وتقديم خدمات أفضل في الأنبار، صور السيد المالكي وحكومته المحتجين ببساطة على أنهم جبهة القاعدة.
في الشهر الماضي أو نحو ذلك، تمكنت قوات الأمن من استعادة معظم الرمادي، لكنها لم تصبح أقرب إلى طرد مقاتلي الثوار من الفلوجة، المدينة الثانية في المحافظة، والتي طالما شكلت مرتعاً للمعارضة الجهادية؛ وكانت موضع أكثر المعارك شراسة في العراق، والتي كان قد خاضها الأميركيون قبل عشر سنوات. وعلى بعد ساعة واحدة بالسيارة إلى الغرب من بغداد، ما تزال الفلوجة محاصرة بالجنود العراقيين والقوات الخاصة في حالة استعداد للاشتباك؛ وقد اضطر نحو 300.000 من سكان المدينة إلى الهرب من منازلهم -في أكبر عملية تشريد للعراقيين منذ سورة العنف الطائفي التي اشتدت في العام 2007. وأصبح الكثيرون يعيشون الآن في ظروف مزرية في منازل مؤقتة شمال بغداد. وقد وعدت الحكومة العراقية بتقديم المساعدة، لكنها فشلت في تقديمها حتى الآن.
من جهتها، عمدت الإدارة الأميركية التي تشعر بالقلق من انهيار العراق، فقط في الوقت الذي أملت فيه بنسيان أمره، إلى إصدار تفويض على عجل بإرسال صواريخ جو-أرض من طراز هيلفاير لضرب معسكرات “داعش” في صحراء الأنبار الغربية، حيث يتنقل المقاتلون ذهاباً وإياباً بين العراق وسورية. كما يقوم السيد المالكي بشراء طائرات عمودية من طراز “أباتشي” من الولايات المتحدة. ولأنهم ينظرون إلى حاجاته الأمنية على أنها ماسة ويائسة، يبدو أن الأميركيين أصبحوا يغضون الطرف عن مشتريات الحكومة العراقية من الأسلحة الصغيرة من إيران، فيما يشكل انتهاكاً للعقوبات الدولية.
من جانبه، اتهم السيد المالكي كلاً من العربية والسعودية وقطر بتمويل الإرهابيين السنة في العراق من أجل زعزعة استقرار البلد. لكن الحكومتين السعودية والقطرية تزدريانه وتعتبرانه دمية في يد إيران.
في الأثناء، تستمر حصيلة الموتى في الارتفاع بشكل مرعب؛ حيث يقدر أن 9.000 عراقي قتلوا خلال العام الماضي. وحتى الآن في هذا العام، قتل نحو 2000 آخرين في التفجيرات، معظمهم في بغداد. وفي بعض الأحيان، انفجرت أكثر من عشر سيارات مفخخة في يوم واحد، لا سيما في المحافظات الشيعية. ويقوم الانتحاريون من الجهاديين السنة الذين يُعتقد أن معظمهم يتلقون التدريب في سورية، باستهداف قوات الأمن العراقية والوزارات الحكومية
بالإضافة إلى ذلك، يخص هؤلاء المقاتلون بالاستهداف نظراءهم السنة الذين يشكلون بقايا حركة “الصحوة” التي كان يقودها زعماء القبائل، والذين كان الأميركيون قد أقنعوهم بالانقلاب ضد القاعدة في العام 2007، وأصبح يجري الآن التقاطهم وقتلهم. وقد قام مسلحون مؤخراً بمهاجمة منزل قائد الصحوة بالقرب من سامراء، إلى الشمال من بغداد، مما أسفر عن قتل زوجته وأولاده، ثم قطع رؤوسهم.
من غير الواضح ما إذا كان السيد المالكي وجنرالاته سوف يتمكنون من احتواء الثورة السنية، ناهيك عن إلحاق الهزيمة بها. لكن الأكيد هو أن مكونات العراق المنقسمة تميل باطراد إلى التفكير في تجاهل أوامر الحكومة المركزية، وبعضها يسعى إلى الحصول على الحكم الذاتي، إذا لم يكن الانفصال من الأساس. وتشكل محافظة نينوى المحيطة بالموصل والغنية بالنفط مجرد واحدة منها.
من جانب آخر، يبدو التوتر القائم بين السيد المالكي وحكومة المنطقة الكردية المتمتعة بالحكم الذاتي في العراق قوياً أكثر من أي وقت مضى. وقد اندلعت الاحتجاجات مؤخراً رداً على قراره بحجب مدفوعات الموازنة الاتحادية لمعاقبة الأكراد على إبرامهم صفقات منفصلة مع شركات البترول الأجنبية لتصدير النفط عبر تركيا.
الآن، تناضل الأحزاب الكردية الرئيسية الثلاثة بقوة من أجل تشكيل حكومة أقليمية بعد نحو ستة أشهر من انتخابات مجالس المحافظات. لكنها تبقى متحدة بفعل خوف مشترك من أن تشكل حكومة عراقية قوية تهديداً لهم ولاستقلالهم مرة أخرى. ويقول فؤاد حسين، رئيس موظفي الرئيس الكردي مسعود البرزاني:”هذه الانتخابات لا تتعلق بالميزانية، إنها تتعلق بالثقافة الكامنة وراء خفض الميزانية. الانتخابات القادمة إما ستنقذ العراق أو أنها ستدفع به نحو التفكك”.
ومع ذلك، تستمر الحياة
على الرغم من العنف والفوضى، ما يزال البلد يشق طريقه، ولو متعثراً، إلى الأمام. وتشكل بغداد خليطاً من مواقع البناء الإنشائي. وثمة مراكز تسوُّق هائلة في طور النشوء. والمشاريع الحكومية الطموحة، بعضها نصف مكتمل، تتكاثر بالقرب من المباني التي كانت قد قُصفت في العام 2003 ولم يتم إصلاحها أبداً. والمطاعم، والمقاهي والحوانيت التي تبيع كل شيء -وسط الجدران الخرسانية الممزقة وحواجز الطرق- من معدات بناء الأجسام إلى الفساتين النسائية المسائية، كلها تخلق قشرة توحي بالازدهار. وفي حي المنصور البغدادي المرموق الذي يعاود الظهور كحي دبلوماسي بعد سنوات من العنف، يرتفع بناء مركز تسوق هائل وفندق فاخر من 33 طابقاً بالقرب من موقع المعرض التجاري الدولي في بغداد، حيث تجمع تجار الأسلحة مؤخراً لعرض بضاعتهم.
“المنطقة الخضراء” المحصنة حيث يقع مكتب رئيس الوزراء، والبرلمان، والعديد من السفارات وبعثة الأمم المتحدة، تشكل فقاعة بدورها. وما يزال الدخول إليها مقيداً بشدة. وهي تتكون من شوارع عريضة نظيفة، مخططة بأشجار النخيل وزينات من الأضواء المتلألئة، بما يضفي جواً من اللاوقعية على قلب الحكومة العراقية.
مع ذلك، ومع أنه يشكل ثامن أكبر منتج للبترول في العالم، فإن العراق ينفد من المال. وقد تراجعت ميزانية العام الماضي إلى خانة العجز، كما يلاحظ صندوق النقد الدولي، مضيفاً أن البلد يبالغ في تقدير إيرادات النفط بنسبة 10 %؛ والتي تمثل فيه هذه الإيرادات بالفعل 90 % من إجمالي ما يجنيه البلد. وقد توقفت الميزانية الجديدة التي تهدف إلى جمع 150 مليار دولار للعام 2014 في البرلمان، حيث عمد الأكراد والفصائل الموالية لرئيس البرلمان، أسامة النجفي، السني البارز من الموصل، إلى مقاطعة الإجراءات.
الأميركيون المنخرطون في محاولة إعادة تجديد البلاد يشعرون بخيبة الأمل. ويقول زالماي خليل زاد، السفير الأميركي السابق إلى العراق في العام 2005، عندما تم الدفع بدستور جديد للبلاد: “لقد حاولنا منحهم الفرصة لبناء عراق جديد. كانت لدينا توقعات عالية، ونعم، كنا في عجلة من أمرنا حتى يتم عمل الأمور في أسرع وقت ممكن. لكننا قصرنا عن تحقيق المطلوب بقدر كبير –ودفعنا ثمناً باهظاً”. لكنهم العراقيون هم الذين ما يزالون يدفعون، مجازياً وحرفياً، قيمة الفاتورة.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً