العلاقة الأميركية-البريطانية لم تعد خاصة

shello
shello 2014/06/11
Updated 2014/06/11 at 10:55 صباحًا

xooegc3a

 

بعد سبعين عاماً من إنزال قوات الحلفاء على شواطئ نورماندي، ما يزال يوم الانتصار “دي داي” محفوراً في عقول الأميركيين. وحتى مع رحيل “الجيل الأعظم” الذي شهد تلك الفترة، فإن الصور الأيقونية لهبوط قوات الحلفاء على شواطئ نورماندي لتحرير أوروبا من قبضة ألمانيا النازية، ما تزال تعيش في الأفلام والتاريخ، وحتى في السياسات. وقد أنهت بريطانيا في العام 2006 فقط تسديد التزامات “قروض الإجارة”، تلك المساعدات العسكرية الأميركية الحاسمة التي ضمنت استدامة بريطانيا خلال الحرب. وقد حدد غزو فرنسا والتحرير اللاحق لأوروبا طبيعة الرابطة الأنغلو-أميركية -وحدة العالمين القديم والجديد من أجل إلحاق الهزيمة بالطغيان. ومع ذلك، تغير الكثير منذئذٍ، وفقدت تلك “العلاقة الخاصة” بعضاً من ألقها.
على السطح على الأقل، تبدو تلك “العلاقة الخاصة” قوية. ففي الأمم المتحدة، تصوت حفنة من الدول فقط، مثل كندا وجزر المارشال، إلى جانب الولايات المتحدة أكثر مما تصوت معها المملكة المتحدة. ومع بلوغ حجم التجارة البينية سقف 100 بليون دولار في العام 2013، تقيم وزارة الخارجية الأميركية المملكة المتحدة باعتبارها “واحداً من أضخم الأسواق لصادرات السلع الأميركية، وواحدا من أكبر المزودين للواردات الأميركية أيضاً”. وعلى المستوى الثقافي، وباستثناء جيران أميركا المباشرين، تشكل المملكة المتحدة الوجهة الأفضل بالنسبة للأميركيين الذين يسافرون وراء البحار، وبالنسبة للطلبة الأميركيين الذين يدرسون في الخارج. وما تزال بعثات روديس ومارشال البريطانية من بين الأكثر طموحاً من نوعها. وفي الأثناء، تطغى الشخصيات الأيقونية البريطانية، ابتداء من “البيتلز” ومروراً بجيمس بوند إلى هاري بوتر، على أوساط ثقافة البوب الأميركية.
أما الأهم من كل شيء، فهو أن بريطانيا تظل حليفاً عسكرياً رئيسياً لأميركا. وكانت المملكة المتحدة في المقدمة في حربي أفغانستان والعراق، بالإضافة إلى المشاريع الأحدث مثل الحرب في ليبيا. وكعضو في نادي “العيون الخمس”، ما تزال المملكة المتحدة في قلب عمليات جمع الاستخبارات وتقاسم الجهود. وتشغل بريطانيا حيزاً بين الشركاء الرئيسيين لسلسلة برامج الأسلحة الأميركية المعروفة باسم “بيغ تيكت”، بدءاً من تطوير مقاتلة “أف 35” إلى صواريخ “ترايدنت” النووية، إلى طائرات الاستخبارات “رفيت جوينت”.
في العام الماضي فقط، زار كل موظفي الدفاع البريطانيين واشنطن لحضور أول اجتماع يتم عقده مع رؤساء الأركان المشتركين منذ الحرب العالمية الثانية. ويتبادل الضباط العسكريون الأميركيون والبريطانيون الزيارات بشكل روتيني لخدمة وحدات الجانب الآخر والمشاركة في التدريبات المشتركة.
ورغم ذلك، فإن “العلاقة الخاصة” القديمة أصبحت تعاني اليوم من مشكلة. ومثلما كان ونستون تشيرشيل قد لاحظ في خطاب “الستارة الحديدية” في العام 1946، فإن “الترابط الأخوي لا يتطلب الصداقة المتنامية والتفاهم المتبادل بين أنظمتنا الشاسعة والمتنوعة في مجتمعنا فقط، وإنما يتطلب أيضاً استمرار العلاقة الودية” بين عسكريينا. وعندما أدلى تشرشل بتلك الملاحظات، كان هذا الأساس موجوداً. وبعد كل شيء، وخلال الحرب العالمية الثانية، كان التحالف الأنغلو-أميركي ما يزال يمثل علاقة تقترب من العلاقة بين النظراء، رغم أن الولايات المتحدة كانت تصبح الشريك المسيطر باطراد. وفي “يوم الانتصار” في نفسه، على سبيل المثال، قام 73.000 جندي أميركي و61.715 جندياً بريطانيا باجتياح شواطئ نورماندي. وغالباً ما جاء أبطال الحرب إلى باريس أزواجاً لا فرادى: روزفلت وتشرشل، وباتون ومونتغمري.
اليوم، أصبحت القوة العسكرية البريطانية أشبه بصَدَفة فارغة لذاتها السابقة، وهي آخذة في التضاؤل. ومن المقرر أن ينكمش الجيش البريطاني إلى 82.000 جندي فقط مع حلول العام 2020، أي إلى أقل من نصف حجم قوات البحرية في الولايات المتحدة، وبحيث سيكون الجيش الأصغر منذ أوائل القرن التاسع عشر. وترك هذا الخفض الجيش البريطاني مع عدد خيول بضعف عدد ما يملكه من مجرد 227 دبابة. ويتوافر سلاح البحرية الملكي حالياً على 19 فرقاطة ومدمرة، ما يتركه بأدميرالين وثلاثة عشر قبطاناً لكل سفينة، كما قال ساخراً عضو في البرلمان من حزب المحافظين. وقد أصبح سلاح الجو الملكي حالياً، وهو الذي عانى قدراً أقل من الخفض، الأصغر مقارنة بأي وقت منذ الحرب العالمية الأولى. كما أن الحكومة البريطانية صدرت بحثها في طائرات الهليوكبتر وعمليات الإنقاذ من سلاح الجو الملكي والبحرية الملكية إلى شركة أميركية خاصة. ولأول مرة منذ أكثر من سبعين عاماً، لن يكون هناك تواجد دائم للبريطانيين في ألمانيا بحلول العام 2016.
لا تشكل هذه الحالات من الخفض “مخاطرة جهنمية” فقط، كما وصفها ضابط عام بريطاني، بل إنها تهدد قابلية وحيوية “العلاقة الخاصة”. وكما لاحظ وزير الدفاع السابق، روبرت غيتس، فإنه “مع الخفض الكبير في الإنفاق الدفاعي لبريطانيا العظمى، فسنجد أنها لن تكون قادرة على امتلاك قدرات الطيف الكامل والقدرة على أن تكون شريكاً كاملاً كما كانت في الماضي”. ويذهب الطرح إلى أن الخفض يستهدف خلق قوة أصغر حجماً، لكنها أكثر رشاقة إلى حد بعيد. وتقول الحقيقة إن الحجم يؤثر: فالمحيطات لم تصبح أصغر بعد كل شيء، والقوات تحتاج وقتاً للتدرب والاستراحة بين عمليات الانتشار؛ كما أن المعدات ستظل تتطلب الصيانة. وطالما ظلت القدرة العسكرية البريطانية تنكمش، سارت على المنوال نفسه تلك “العلاقة الخاصة” أيضاً.
حذر وزير الدفاع البريطاني السابق والأمين العام لحلف الناتو، اللورد جورج روبرتسون، من أنه في حال صوتت أسكتلندا لصالح أن تصبح دولة مستقلة في أيلول (سبتمبر) المقبل، فإن “أقدم وأوثق حليف للولايات المتحدة سيكون على الطريق نحو التفكك”. والأكثر مباشرة أن حوض بناء السفن “روسيث” في أسكتلندا يقوم بتجميع حاملتي طائرات تابعتين للبحرية الملكية، كما أن قاعدتهما البحرية “فاسلين” هي موطن لأسطول الغواصات التابع للبحرية الملكية المدار بالطاقة النووية، والمرجح أنه سيحتاج إلى إعادة موضعته. أضف إلى ذلك النقاش الدائر حول ما سيجري للفرق الاسكتلندية ورجال الخدمة العسكرية الأسكتلنديين في وحدات الجيش البريطاني، فيما ستصبح فرص الإسهام البريطاني في أي جهد عسكري أميركي أكثر قتامة.
تنطوي الصورة على المدى الأطول على مشاكل بالقدر نفسه. وحتى من قبل “التمحور باتجاه آسيا” الذي حظي بدعاية كبيرة، فإن المصالح الأميركية كانت تنتقل، وكذلك كانت التحالفات الأميركية. ونتيجة لذلك، لم يعد مصطلح “العلاقة الخاصة” حصرياً. وكان وزير الخارجية جون كيري قد دعا إلى إقامة “علاقة خاصة” مع الصين، بينما شخصها وزير الدفاع، تشاك هاغل، بأنها “أصلاً كذلك”. واستخدم آخرون المصطلح نفسه للإشارة إلى العلاقات الأميركية مع دول تتراوح من فرنسا وإسرائيل واليابان. ومؤخراً دعا نائب الرئيس جو بايدن حتى إلى إقامة “شراكة استراتيجية أصيلة” مع قبرص. وحتى ونستون تشيرشل أقر بأن “ثمة أصلاً علاقات خاصة للولايات المتحدة مع كندا التي ذكرتها من توي، كما أن هناك علاقات خاصة بين الولايات المتحدة وجمهوريات أميركا الجنوبية”.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ديموغرافيات أميركا وبريطانيا تتغير. ففي الولايات المتحدة تتضاءل نسبة السكان البروتستانت الأنغلو-ساكسونيين، والذين كانوا مسيطرين في السابق، سواء من جهة نسبتهم إلى السكان أو من جهة البروز السياسي، بينما نجد أن المجموعات الأخرى مثل اللاتينيين ترتفع. ومن جهتها، تتغير الديموغرافيات البريطانية أيضاً مع توافد المهاجرين من خارج القارة ومن شرق أوروبا، بالإضافة إلى أنها جابهت وقتاً أكثر صعوبة من الولايات المتحدة في تجميع هذه الجاليات المهاجرة. فهل تستطيع هذه الديموغرافيات في نهاية المطاف تحويل المصالح الأميركية والبريطانية، ومعها اختياراتهما للحلفاء؟ من الممكن على وجه التأكيد.
ثمة أصلاً بعض الدليل على هذا التحول. فخلال النقاش حول تدخل عسكري محتمل في سورية في العام 2013، وجد استطلاع للرأي العام أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن البريطانيين يعارضون بشدة المشاركة في أي عمل عسكري بقيادة أميركية. والأكثر إشكالية أن 67 % من البريطانيين أيضاً اعتقدوا بأن “العلاقة الخاصة” بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة ليست ذات صلة في العصر الحديث”. ويأتي هذا على إثر استطلاعات رأي سابقة ألمحت أيضاً إلى الأهمية المتناقصة “للعلاقة الخاصة”، مع صدور تقرير عن لجنة الاختيار في الشؤون الخارجية التابعة للبرلمان، والذي حذر من أن المبالغة في استخدام عبارة “العلاقة الخاصة” يمكن أن تنطوي على “تخفيض معناها” و”رفع سقف التوقعات غير الواقعية عن المزايا التي يمكن أن تعود بها هذه العلاقة على المملكة المتحدة”.
من جهتها، تعيد نخبة السياسة الخارجية الأميركية تقييم قيمة هذه “العلاقة الخاصة”. وعندما سأل استطلاع لمركز “بيو” أعضاء مجلس العلاقات الخارجية في العام 2013 عن البلدان التي ستكون “أكثر أهمية كحليفة لأميركا وشركائها”، فشلت المملكة المتحدة في أن تكون من بين العشرة الأوائل (حلت الهند في المرتبة الأولى)، وحلت بريطانيا في المرتبة 11، سوية مع إندونيسيا. ووجد الاستطلاع نفسه أن المملكة المتحدة حلت في المركز الثالث كبلد سيكون “أقل أهمية كحليف وشريك لأميركا” مباشرة خلف الاتحاد الأوروبي وفرنسا. وبدوره تنبأ الرئيس باراك أوباما الذي كان قد أثار موجات من الاستغراب في وقت مبكر من رئاسته عبر الادعاء بأن الولايات المتحدة لا تتوافر على “صديق أقوى وحليف أقوى” من فرنسا، كما تنبأ بأن “العلاقة بين الهند والولايات المتحدة ستكون واحدة تشكل مثالاً للشراكات في القرن 21”.
لن يفيق الأميركيون والبريطانيون على الأرجح يوما ما ليجدوا أن “العلاقة الخاصة” (بالمدى الذي انوجدت فيه) قد انهارت. لكن مثل الإمبراطورية البريطانية قد تنزلق ببطء إلى الغروب. ونظير كل الأهمية الموضوعة على التحالف الأنغلو-أميركي، فإن الشراكة قد أصبحت تذهب بازدياد إلى اختلال التوازن. وإذا ما استمرت الاتجاهات الحالية، فستتلاشى قدرة المملكة المتحدة على أن تكون الشريك العسكري الرئيس للولايات المتحدة. وحتى بينما نجل التضحيات المشتركة في “يوم النصر” والرابط العابر للأطلسي الذي شكلته، فإن ثمة مخاطر لذهاب هذه “العلاقة الخاصة”، مثلها عقد الإقراض وصور الإنزال في نورماندي، إلى كتب التاريخ.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً