الـخـطـاب الـصـيـنـي .. بقلم :عبد المنعم سعيد

2022/09/28
Updated 2022/09/28 at 7:43 صباحًا

ملخص ما كتبته من قبل في شأن النظام الدولي هو أولاً أن تغيراً في تشكيلة المنظومة الدولية يحدث كلما وهنت القوة أو القوى القائدة ومعها صعود قوى جديدة، وثانياً أن نظام ما بعد انتهاء الحرب الباردة يعاني وهن القوة الغربية المسيطرة وقيادتها المتمثلة في الولايات المتحدة وتحالف الأطلسي، وثالثاً أن القوة الصاعدة، وهي الصين، تحاول مع روسيا مراجعة النظام القائم. ولذلك فإنه من الضروري أن نستمع جيداً لما تقوله الصين، وربما لن يقل أهمية عن ذلك «المسكوت» عنه في الخطاب.
وبهذه الخلفية، يمكن قراءة وتحليل خطاب الرئيس «شي جين بينغ» أمام الاجتماع الثاني والعشرين لمجلس رؤساء دول منظمة شانغهاي للتعاون، المنعقد في ١٦ أيلول الجاري. اللافت للنظر منذ البداية هو عنوان الخطاب «التمسك بالتيار العصري وتعزيز التضامن والتعاون وخلق مستقبل جميل». كثيراً ما يضع الزعماء والقادة عناوين نبيلة وحكيمة وقوية لخطاباتهم، ولكن الإشارة إلى «الجمال» ربما تكون إضافة صينية جديدة، حيث ترِد مرة أخرى في الختام عند الدعوة إلى تكريس «روح شانغهاي» عند الدعوة إلى بناء «ديار جميلة يسودها السلام والاستقرار والازدهار والجمال!»، ولما كانت علامة التعجب واردة في نص ترجمة الخطاب إلى العربية، وأن الجمال في العادة يقع في أعين الناظرين، فإن على المتلقي أن ينتظر الكثير من الصين في هذه الزاوية من الحديث المضاف إليها «السعادة» فيما بعد والرؤية للنظام العالمي القادم.
منطلقات الخطاب الصيني تقوم على خمسة مبادئ ذائعة في الخطاب الدولي: التمسك بالثقة السياسية المتبادلة، والتمسك بالتعاون المتبادل والمنفعة، والتمسك بالتعامل بالمساواة «بدلاً من تنمر الكبير والقوي على الصغير والضعيف»، والتمسك بالانفتاح والتسامح، والتمسك بالإنصاف والعدالة المستندة إلى مقاصد ومبادئ الأمم المتحدة.
هذه المبادئ تشكل «روح شانغهاي»، وفي الواقع هي الحديث الذائع في الخطاب السياسي الدولي، حتى لو كان معلوماً تماماً أن المبادئ العامة أمر، والتطبيق في الواقع أمر آخر، حيث تنتشر الاستثناءات استناداً إلى الظروف ومدى توافر الشروط أو غيابها.
هذه المبادئ تقود إلى مجموعة من السياسات، أولاها «تعزيز الدعم المتبادل» دون التدخل في شؤون الدول الأخرى، والوقوف في مواجهة مخططات القوى الخارجية للتحريض على «الثورة الملونة» (التلميح هنا واضح إلى الولايات المتحدة). وثانيتها توسيع التعاون الأمني في مواجهة الإرهاب. وثالثتها تعميق التعاون العملي في التنمية العالمية وحماية أمن الطاقة والغذاء العالميين، وتعزيز المواءمة بين مبادرة «الحزام والطريق» والإستراتيجيات التنموية لمختلف دول العالم والتجمعات الإقليمية. ورابعتها تعزيز التواصل الإنساني والثقافي وحوار الحضارات. وخامستها التمسك بتعددية الأطراف. هذه السياسات في مجموعها متداولة بين دول العالم، التي تريد أحياناً نظاماً دوليّاً يقوم على «قواعد قانونية»، وهو في الحالة الصينية يؤكد أن هذه القواعد لا بد من استنادها إلى منظومة الأمم المتحدة في كافة المجالات، وليس منظومة خاصة بكل دولة على حدة أو تلك المستمدة من التجربة الغربية الأميركية في القانون والتشريع.
الخطاب الصيني هكذا، فيما عدا «التلسين» على الولايات المتحدة والدول الغربية دون ذكرها بالاسم، يعتمد على القواعد المستقرة في القانون الدولي. وهنا تحديداً يأتي «المسكوت عنه» في الخطاب، حيث لا توجد فيه كلمة واحدة عن روسيا ولا أوكرانيا، ولا الحرب الدائرة بينهما. هنا يوجد اختلاف بين الخطاب الصيني والآخر الهندي على سبيل المثال، والذي نوّه إلى الضرر الذي أصاب العالم نتيجة القرار الروسي بغزو أوكرانيا. ما كان مسكوتاً عنه أيضاً، وهو قيام العديد من المنازعات الدولية التي انفجرت، بينما «روح شانغهاي» حاضرة في اجتماع مهم، حيث تجددت الاشتباكات الحدودية بين طاجيكستان وقرغيزستان، وتجددت الاشتباكات كذلك بين أرمينيا وأذربيجان.
المسكوت عنه أيضاً هو أنه رغم الترحيب بانضمام العديد من الدول إلى منظومة شانغهاي، وبينها دول عربية عديدة، فإن انضمام إيران التي تتدخل في شؤون العراق وسورية ولبنان واليمن، فضلاً عن علاقاتها بمنظمات إرهابية عديدة، يبدو غريباً اللهم إلا إذا كان النظام المدعو إليه من قِبَل الصين لن يختلف كثيراً عن النظام الذي دعَت إليه الولايات المتحدة من قبل.
من الجائز بالطبع أن الصين لديها إستراتيجية لترويض الكثير من دول العالم بحيث تعيد التقبل بطريقة سلمية للقواعد الدولية التي أرْسَتْها الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية. الدعوة إلى الاقتراب من «أفغانستان» في متن الخطاب ربما لتغييرها بالطرق السلمية فيها بعض من هذا، ولكن وسائلها تقوم على الاقتداء بالطريق الصيني الدؤوب نحو الإصلاح والانفتاح والتنمية، لأننا على حد قول الرئيس الصيني: «سنصل إلى الهدف المنشود إذا واصلنا السير نحوه».

Share this Article