القرم وأزمة السوديت…بقلم:بوبو لو

shello
shello 2014/03/29
Updated 2014/03/29 at 10:48 صباحًا

فهرس

 

لندن- مع تصويت شبه جزيرة القرم لصالح الانفصال، تعمل الاضطرابات في أوكرانيا على تأجيج الأجواء المشحونة على نحو متزايد بين روسيا من جانب والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الجانب الآخر. ولكن تُرى هل يشارك زعماء أميركا وأوروبا في النسخة الروسية الجديدة من أزمة منطقة السوديت التي اندلعت في العام 1938؟
بعد ضم ألمانيا النازية للنمسا مباشرة، حول أدولف هتلر انتباهه إلى الطائفة الألمانية العرقية التي عاش أفرادها في مقاطعة السوديت في تشيكوسلوفاكيا. في مستهل الأمر، طالب هتلر بالتنازل عن مقاطعة السوديت لصالح ألمانيا، فحظي باتفاق سهل نسبياً من رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين ونظيره الفرنسي إدوار دالادييه.
وعلى الفور، رفع هتلر سقف مطالبه فتضمنت الاحتلال العسكري الألماني للمنطقة. والواقع أن تشامبرلين ودالادييه اللذين اعتبرا القضية “مشاجرة في بلد بعيد بين أناس لا نعرف عنهم أي شيء”، وبالتالي فإن الأمر لا يستحق تحدي هتلر، قَبِلا الاحتلال بالتوقيع على اتفاقية ميونيخ. وبهذا، فقد عملا على تعزيز قوة ألمانيا وتشجيع هتلر إلى حد كبير -وكانت العواقب مأساوية.
من المؤكد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن ليس هتلر، وروسيا ليست ألمانيا النازية (أو الاتحاد السوفييتي بالأحرى)، ولا يواجه العالم السيناريو المروع نفسه الذي وقعت أحداثه في العام 1939. ورغم هذا، فإن الأمر لا يخلو من بعض أوجه التشابه المهمة بين مقاطعة السوديت وأزمات شبه جزيرة القرم.
يتلخص وجه الشبه الأكثر وضوحاً في وجود غالبية من المغتربين في المنطقة المحتلة. فيشكل الروس ما يقرب من 60 % من سكان شبه جزيرة القرم الذين يبلغ عددهم مليوني نسمة، وكثيرون منهم أوثق ارتباطاً ببلدهم “الأم” من ارتباطهم بأوكرانيا. وعلى نحو مماثل، كان ولاء سكان منطقة السوديت الألمان الذين بلغ عددهم ثلاثة ملايين نسمة لألمانيا أقوى من انتمائهم لتشيكوسلوفاكيا، وكانت الأغلبية الساحقة منهم تتبنى إدماجهم في الرايخ الثالث.
الواقع أن الذريعة التي انتحلها بوتن للاحتلال والضم -حماية السكان المحليين- هي الذريعة نفسها التي استخدمها هتلر. وحتى وقت قريب، لم يُبد بوتن اهتماماً كبيراً بشؤون القرم، باستثناء تجديد عقد إيجار قاعدة أسطول البحر الأسود في سيفاستوبول. ولكن منذ اندلاع الثورة الأوكرانية، تحول ضعف السكان الروس المحليين المزعوم في مواجهة “الفاشيين” إلى قضية رمزية -وذريعة للتدخل العسكري الروسي. وقد وظف هتلر ذريعة مماثلة في مطالبة تشيكوسلوفاكيا بالتنازل عن مقاطعة السوديت.
ويشترك بوتن في شيء آخر مع هتلر: نظرته إلى البلد الذي يحتله باعتباره “غير طبيعي” بطريقة أو بأخرى. ورغم أن بوتن لم يسبق له الطعن رسمياً في استقلال أوكرانيا، فإنه لم يُخف قط رأيه بأنها ليست “دولة حقيقية”، مشيراً إليها بوصفها جزءاً من “العالم الروسي”. وبالمثل، كانت تشيكوسلوفاكيا في نظر هتلر عبارة عن تكتل غير طبيعي من أمم ومناطق متباينة.
سعى هتلر إلى تدمير تشيكوسلوفاكيا. فبعد ستة أشهر من اقتطاعه لمنطقة السوديت، ألغى اتفاقية ميونيخ باحتلال بوهيميا ومورافيا بالكامل وتحويل الأراضي التشيكية إلى محمية ألمانية، في حين زرع نظاماً صورياً في سلوفاكيا المستقلة اسميا. وإذا كانت لدى بوتن خطط مماثلة فمن المرجح أن يبدأ بضم شبه جزيرة القرم -وهو ما يبدو محسوماً الآن- ثم يعقب ذلك بالوجود العسكري المباشر في شرق أوكرانيا (حيث تحتشد القوات الروسية على الحدود)، وربما يفرض نوعاً من التقسيم في الأمد الأبعد.
مثله في ذلك مثل هتلر، لا يهتم بوتن بالمنطقة المحتلة فحسب بطبيعة الحال -بل ولا يهتم بها بشكل خاص. فهو يسعى بدلاً من ذلك إلى استعراض القوة في أماكن بعيدة. وقد استغل بوتن لفترة طويلة انبعاث الحس الوطني -وبشكل خاص فكرة روسيا بوصفها فاعلاً عالمياً مستقلاً له “عالمه” الخاص- لإضفاء الشرعية على حكمه. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن أوكرانيا لابد أن تنحاز استراتيجياً لروسيا، ولابد أن تكون سيادتها محدودة.
من جانبه، كان هتلر يرى في تشيكوسلوفاكيا الديمقراطية المستقلة تهديداً أمنيا، في حين كان يتطلع إلى أصولها الصناعية الكبيرة. ولكن ضم مقاطعة السوديت كان المقصود منه في المقام الأول والأخير المساعدة في استعادة مكانة ألمانيا بوصفها “قوة عظمى”.
هناك أيضاً أوجه تشابه مذهلة بين استجابات زعماء الغرب للأزمتين -أو على وجه التحديد ترددهم في اتخاذ تدابير حاسمة. ويبدو أنهم غير راغبين في واقع الأمر في دعم تحذيراتهم بشأن “التكاليف” و”العواقب” بتدابير ذات مغزى مثل تجميد الأصول وفرض عقوبات تجارية وقيود على السفر -وهو ما من شأنه أن يعزز اعتقاد بوتن بأنهم سوف يستمرون في اختيار علاقاتهم بروسيا معلين مصالحهم على سلامة أراضي أوكرانيا. ويذكرنا هذا الحذر بسياسة بريطانيا وفرنسا في العام 1938، عندما تمت التضحية بالسوديت -ثم تشيكوسلوفاكيا في وقت لاحق- في مقابل “السلام في عصرنا” والذي لم يدم طويلا.
ولكن، ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من المقارنة بين أزمة شبه جزيرة القرم وأزمة منطقة السوديت؟ الدرس الأول هو أن أي حوار مع بوتن سوف يكون عقيماً ما لم يتخذ زعماء الغرب نهجاً حاسماً يتشكل وفقاً لأهداف محددة، وليس “شراكات استراتيجية” وهمية. وعلى العكس تماماً من هذا، فإن الشتائم -مثل الاتهام الذي وجهه الرئيس الأميركي باراك أوباما لروسيا بأنها “تقف على الجانب الخطأ من التاريخ”- هو عبث لا جدوى منه.
يتعين على الغرب أن يكف عن الرد على بوتن بمشاعر “الصدمة والرعب” -الصدمة إزاء تصرفاته على نحو يوحي ظاهرياً بقدرته على الإفلات من العقاب، والرعب من ذكائه التكتيكي المتصور. إن الولايات المتحدة وبلدان أوروبا تتمتع بقدر من النفوذ والموارد أعظم كثيراً من ذلك الذي تتمتع به روسيا، في ظل نظامها السياسي الضامر ونموذجها الاقتصادي المستهلك. وما يفتقر إليه زعماء الغرب هو الاستعداد لقبول التكاليف الاقتصادية والسياسية المترتبة على الدفاع عن القيم التي يزعمون أنهم يتمسكون بها.
أخيرا، ينبغي لزعماء الغرب أن يدركوا أن من غير الممكن أن يضمن الاسترضاء السلام والاستقرار في أوروبا -وليس حتى تحت شعار “المشاركة” الزائف. فعندما تتعامل الحكومات الغربية مع زعيم تتلخص عقيدته في تصور مفاده أن “القوي بوسعه أن يستأسد على الضعيف”، يتعين عليها أن تُظهِر قوة عزمها من دون التضحية بالمرونة الواجبة. وعلى هذا الأساس فقط يصبح من الممكن معالجة الأزمة في أوكرانيا بدون المساس جوهرياً بالأمن عبر ضفتي الأطلسي.

الغد الأردنية

 

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً