القوميون في أوروبا يتقدمون

shello
shello 2014/06/07
Updated 2014/06/07 at 9:32 صباحًا

wuqdtgel

برلين-  تتألف أوروبا من كافة شعوب القارة، وكانت هذه حالها لمئات السنين. وهذا هو ما يجعل من توحيد القارة مهمة سياسية بالغة الصعوبة حتى يومنا هذا. ولكن القومية ليست المبدأ الذي بنيت عليه أوروبا؛ بل على العكس من ذلك، كانت القومية وما تزال المبدأ الذي يهدم أوروبا. وهذا هو الدرس الرئيسي الذي يمكن استخلاصه من المكاسب الدرامية التي حققتها الأحزاب الشعبوية المناهضة لأوروبا في انتخابات البرلمان الأوروبي التي جرت في الأسابيع الأخيرة.
إنه الدرس الذي لا بد أن يكون الأوروبيون كافة قد استوعبوه الآن. فمن الواضح أن شعوب أوروبا خاضت حروب القرن العشرين تحت راية القومية -ودمرت القارة بالكامل تقريبا. وفي خطاب الوداع الذي ألقاه أمام البرلمان الأوروبي، أوجز فرانسوا ميتران خلاصة خبراته السياسية على مدى حياته في جملة واحدة: “إن القومية تعني الحرب”.
هذا الصيف، سوف تحتفل أوروبا بالذكرى المئوية لاندلاع الحرب العالمية الأولى، التي أغرقت أوروبا في هاوية من العنف القومي الحديث. وسوف تحتفل أوروبا أيضاً بالذكرى السبعين لهبوط الحلفاء على شواطئ نورماندي، وهي المعركة التي حسمت الحرب العالمية الثانية لصالح الديمقراطية في أوروبا الغربية (وفي وقت لاحق بعد نهاية الحرب الباردة، في أوروبا بأسرها).
إن التاريخ الأوروبي الحديث زاخر بمثل هذه الاحتفالات والمناسبات، وجميعها مرتبطة بشكل وثيق بالقومية. وعلى الرغم من ذلك، يبدو أن آمال العديد من الأوروبيين في المستقبل وجدت ما يعبر عنها مرة أخرى في القومية، في حين باتت أوروبا الموحدة التي ضمنت السلام بين شعوب أوروبا منذ العام 1945 تُعَد عبئاً وتهديدا. وهذا هو المغزى الحقيقي لنتائج انتخابات البرلمان الأوروبي.
لكن الأرقام والنسب المئوية وحدها لا تعبر عن حجم الهزيمة التي لحقت بالاتحاد الأوروبي. فبقدر ما تحدد الانتخابات الديمقراطية الأغلبية والأقلية -وبالتالي توزيع السلطة لفترة من الوقت- فإنها لا تضمن التقييم الصحيح للوضع السياسي على الدوام. ذلك أن الانتخابات تزودنا بلقطة ثابتة -لحظة مجمدة؛ ولكي نفهم الاتجاهات طويلة الأجل، فإننا نحتاج إلى دراسة التغير الذي طرأ على حصص الأحزاب المختلفة في الأصوات من انتخابات إلى أخرى.
إذا حكمنا على نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي بشكل شامل من خلال حقيقة مفادها أن الغالبية الساحقة من مواطني أوروبا أعطوا أصواتهم لأحزاب مؤيدة لأوروبا، فإننا بهذا نغفل عن نقطة أساسية، هي الزيادة الهائلة في دعم الأحزاب القومية المتشككة في أوروبا في دول مثل فرنسا والمملكة المتحدة والدنمرك والنمسا واليونان والمجر. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإنه سوف يتحول إلى تهديد وجودي للاتحاد الأوروبي، لأنه سيمنع المزيد من التكامل المطلوب بشكل ملح، ويدمر الفكرة الأوروبية من الداخل.
بشكل خاص، تبعث فرنسا على القلق الشديد، لأن جبهتها القومية نجحت في ترسيخ نفسها باعتبارها القوة السياسية الثالثة في البلاد. وقد أصبح هدف هذه الجبهة في الانتخابات المقبلة “قهر فرنسا وتدمير أوروبا!” ومن دون فرنسا، لا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يفعل إلا أقل القليل أو لا شيء؛ وهي، إلى جانب ألمانيا، دولة لا غنى عنها لمستقبل الاتحاد الأوروبي. ولا ينبغي لأحد أن يشك ولو للحظة في أن الجبهة وناخبيها يعنون ما يقولون.
في قلب الأزمة السياسية التي تعصف بأوروبا، تكمن وعكة منطقة اليورو الاقتصادية والمالية، والتي يبدو أن الحكومات الوطنية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي على حد سواء عاجزة عن التصدي لها. وبدلاً من تعزيز التضامن في عموم أوروبا، أدت الضائقة المالية إلى صراع واسع النطاق على توزيع الثروة. وما كان ذات يوم علاقة بين أطراف متساوية متكافئة تحول الآن إلى مواجهة بين مدينين ودائنين.
الواقع أن انعدام الثقة المتبادل الذي يميز هذا الصراع قد يلحق بروح الاتحاد والمشروع الأوروبي برمته ضرراً غير قابل للإصلاح. وقد أصبح شمال أوروبا مبتلى بمخاوف تتعلق باستباحة الأموال؛ وأصبح الجنوب واقعاً في قبضة أزمة اقتصادية تبدو بلا نهاية، فضلاً عن مستويات بطالة مرتفعة إلى حد غير مسبوق، والتي يرى أهل الجنوب أن الشمال -وخاصة ألمانيا- مسؤول عنها. ويُنظَر ببساطة إلى أزمة الديون في الجنوب، فضلاً عن العواقب الاجتماعية المترتبة على تدابير التقشف، بوصفها راجعة إلى تخلي الشمال الغني عن مبدأ التضامن.
في هذا المناخ من تضاؤل التضامن، تسلمت القومية العتيقة الطراز عملياً انتصاراتها على طبق من فضة. فحيثما كان بالإمكان إلقاء اللوم على الاتحاد الأوروبي عن انهيار رفاهة الطبقة المتوسطة، كانت الشوفينية القومية وكراهية الأجانب من الاستراتيجيات الانتخابية الفائزة.
نظراً لضعف فرنسا حالياً ونتائج الانتخابات الدرامية هناك، فضلاً عن المسار الغريب الذي تسلكه المملكة المتحدة نحو المخرج من الاتحاد الأوروبي، فسوف يستمر الدور الذي تلعبه الزعامة الألمانية في الزيادة، وهو ليس بالأمر الطيب، سواء بالنسبة لألمانيا أو الاتحاد الأوروبي. ولم تكن ألمانيا تطمح قط إلى الاضطلاع بمثل هذا الدور؛ ولكن بفضل ما تتمتع به البلاد من قوة اقتصادية واستقرار مؤسسي، فقد أصبح قبول هذا الدور أمراً لا مفر منه. وبالرغم من هذا، فإن عزوف ألمانيا عن تولي القيادة يمثل مشكلة كبرى.
إن جينات الأوروبيين السياسية تجعلهم يعترضون بشكل غريزي -وعقلاني أيضاً- على أي شكل من أشكال الهيمنة. وينطبق هذا على ألمانيا أيضاً. ولكن تحميل الهيمنة الألمانية المسؤولية عن سياسات التقشف في الجنوب ليس مبرراً إلا جزئيا فقط؛ ذلك أن الحكومة الألمانية لم تجبر البلدان المتضررة على مثل هذه المستويات هائلة الارتفاع من الديون العامة.
لكن ما قد تكون ألمانيا مسؤولة عنه هو إصرار قادتها على تقليص الديون وتنفيذ الإصلاحات البنيوية في نفس الوقت، فضلاً عن اعتراضهم على أي سياسة موجهة نحو النمو تقريباً داخل منطقة اليورو. وعلاوة على ذلك، فإن أياً من المعسكرات السياسية في ألمانيا ليس على استعداد للاعتراف بالمشكلة الألمانية التي تواجه الاتحاد النقدي (أو على وجه التحديد القوة النسبية التي تتمتع بها البلاد، والتي لم تستخدمها لصالح المشروع الأوروبي ككل).
إن السؤال الملح الآن يدور حول حجم ما قد تفعله ألمانيا من أجل فرنسا لإنقاذ أوروبا. ومن المؤكد أن الضغوط المفروضة على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي سوف تزداد، ولن تأتي هذه الضغوط من باريس فحسب، بل وأيضاً من روما وأثينا وعواصم أخرى.
بالنسبة لألمانيا، فإن البديل لتغيير المسار الآن يتلخص في الانتظار إلى أن تنتخب بلدان أوروبا المدينة حكومات تشكك في التزامها بالسداد. وفي اليونان، قضي الأمر بالفعل. وهي كارثة بالنسبة لأوروبا؛ أما بالنسبة لألمانيا، فذلك حماقة، ببساطة.

يوشكا فيشر

*سياسي ألماني وزعيم حزب الخضر في ألمانيا. أصبح وزير خارجية لألمانيا منذ العام 1998 حتى 22 نوفمبر 2005 في حكومتي غيرهارد شرودر. يقوم حاليا بالتدريس في جامعة برنستون
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”.

 

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً