المستهلك الفلسطيني وعدادات الدفع المسبق للمياه! … بقلم : الدكتورعقل أبو قرع

shello
shello 2014/05/18
Updated 2014/05/18 at 12:50 مساءً

 

 فهرس

بعد الاعلان عن اتفاق أو تفاهم، بين وزارة الحكم المحلي وسلطة المياه حول التعامل مع موضوع “عدادات الدفع المسبق للمياه”، أي ان يتم دفع ثمن المياه قبل الحصول عليها، يعود النقاش حول الجدوى أو المنطق او المحتوى الانساني لهذا الموضوع، ويتمحور النقاش حول: هل سلعة المياه تشابه السلع الاخرى التي يتم الحصول على ثمنها قبل استخدامها، وبالاخص سلعة الكهرباء؟
ومعروف ان المياه هي سلعة اساسية حيوية، كالهواء مثلا، اي تختلف عن السلع او الخدمات الاخرى التي تم او يتم فيها تطبيق نظام الدفع المسبق.
وفي ظل الأخذ والرد بين الجهات التي تقدم خدمة المياه، من شركات او بلديات او مجالس قروية، وبعض مؤسسات المجتمع المدني والأفراد، يضيع المستهلك الفلسطيني، خاصة حين يتم تطبيق هذا النظام بشكل جماعي، او على تكتلات بأجمعها، سواء على من يلتزم بدفع الفاتورة بانتظام او بالطبع على الذي لا يلتزم.
والمياه هي حق انساني، حيث خلق الله سبحانه وتعالى من الماء كل شيء حي، وفي دول عديدة، تتوفر المياه بشكل فائض عن الحد، وتحتاج الى من يستخدمها او الى التخلص منها والا الحقت الضرر، وفي دول عدة يتم تقديم خدمة المياه دون اي دفع، او تكون خدمة ايصال المياه الى المنزل مشمولة ضمنا بالايجار الشهري للمنزل مثلا، او يتم شملها رمزيا من خلال الضريبة المحلية التي يتم دفعها سنويا، للولاية او البلدية او المجلس القروي، ولا اذكر خلال السنوات التي قضيتها في الولايات المتحدة الأميركية، وفي ولايات مختلفة، انه كان هناك فاتورة للمياه، حيث تصل المياه الى المنزل بالكمية والنوعية والجودة المطلوبة ودون دفع، لكن ربما يتم شمل ثمن هذه الخدمة ضمنيا ورمزيا ضمن مدفوعات اخرى، حيث لا يشعر الشخص انه يدفع ثمن المياه.
وفي بلادنا، معروف ان المياه شحيحة، او بالاحرى وبسبب عدم سيطرتنا على مصادر المياه، وبالاخص المياه الجوفية التي تشكل اكثر من 90% من مصادر المياه، تشح المياه في بعض الأوقات في السنة وفي بعض المناطق وليس جميعها، ويكون ذلك بفعل قلة فعالية ايصال المياه او بسبب التسيب في الاستخدام او عدم الاستفادة الفعلية من مياة الامطار.
ومعروف ان معظم البيوت في القرى الفلسطينية وحتى بعض البيوت في المدن تملك آبارا لتجميع مياه الامطار، وهذه الآبار بالاضافة الى الحصول على المياه مجانا من خلال الأمطار، تشكل نوعا من الامان والاحتياطي المائي للناس، سواء للاستخدام البشري او للاستخدامات الاخرى، وبالتالي فان شحة المياه او قلة الحصول عليها تقتصر على تجمعات فلسطينية محددة.
ونعرف ان شركات المياه الفلسطينية تقوم بتزويد المناطق بالمياه، سواء من خلال استخدام آبارها الخاصة التي قامت بحفرها، او من خلال شرائها من مصادر اسرائيلية، وبالتالي وبما ان هذه شركات، تملك موظفين وشبكات تحتاج الى صيانة، من المفترض ان تحصل على مقابل ذلك من المواطن الذي يحصل على المياه بالجودة المطلوبة، وهذا منطقي، ونعرف ان عددا كبيرا من الناس او الاغلبية تدفع مقابل الحصول على خدمة المياه، اي تلتزم بدفع الفواتير، وهناك البعض الذي لا يدفع لأسباب مختلفة، منها عدم القدرة على الدفع او عدم الرغبة بالدفع، اي التسيب او التعود على الحصول على هذه الخدمة وربما خدمات اخرى مجانا، ولهذه الفئة من الناس اي التي تهدر المياه بشكل او بآخر، يوجد العديد من الاجراءات الاخلاقية، والاجتماعية والقانونية التي يمكن ان تجعلها تلتزم بالدفع كما يلتزم اغلبية الناس. ولا اعتقد ان التطبيق الجماعي لنظام عدادات الدفع المسبق سيعالج معضلة كهذه، لان من يهدر المياه او من يسرقها او من لا يلتزم بالدفع، سيبتكر اساليب اخرى للحصول عليها، وربما بشكل اكثر ضررا له وللبيئة المحيطة وللشركة وللمجتمع.
وتطبيق نظام الدفع المسبق، وعلى تجمعات بأكملها، يعني ان من يلتزم بالدفع، قد يضطر ولأسباب معينة وفي فترة محددة عدم القدرة على شراء المياه مسبقا.
المياه حق انساني، اي اساسي للحياة، يختلف عن سلع اخرى مثل الكهرباء، ومعروف ان العديد من الناس عاشوا ولسنوات دون كهرباء، ونعرف انه قبل ثلاثين عاما او حتى عشرين عاما، لم يكن هناك شبكات كهرباء في غالبية القرى الفلسطينية، وكان الناس يعيشون دون خطر او خوف، وبالتالي فان مقارنة سلع اخرى تم تطبيق نظام الدفع المسبق عليها مع المياه هي مقارنة غير منطقية، فنحن نستطيع ان نعيش لأيام او لأشهر دون كهرباء، لكن لا نستطيع العيش دون مياه ولو لأيام او حتى لساعات خاصة الاطفال والمرضى. ومع التسليم بحق مزودي المياه بالحصول على ثمنها، الا ان اهمية هذه السلعة كحق انساني اساسي للحياة، تجعل تطبيق نظام الدفع المسبق عليها غير واقعي او غير مجد عمليا واخلاقيا واجتماعيا، ومعالجة الحالات الفردية من التسيب والسرقة للمياه، يمكن ان يتم وبشكل انجع من خلال اجراءات قانونية، او اجتماعية، ودون هضم او الاعتداء على حقوق مستهلكين آخرين التزموا ويلتزمون بدفع ثمن ما يحصلون عليه من المياه، ولكن ولأسباب قاهرة ومتعددة، ربما لن يستطيعوا الدفع المنتظم مستقبلا.

الحياة الحديدة

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً