المصالحة الفلسطينية: الدوافع وآفاق المستقبل…بقلم: عزام شعث

shello
shello 2014/05/03
Updated 2014/05/03 at 10:03 صباحًا

فهرس

 

وقعت حركتا “فتح” وحماس” في 23 نيسان (أبريل) 2014، على اتفاق لإنهاء حالة الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة المستمر منذ منتصف حزيران (يونيو) 2007، والبدء بإجراءات تشكيل حكومة توافق وطني خلال المدة القانونية المحددة بخمسة أسابيع، وذلك استناداً إلى اتفاق القاهرة 2011، وإعلان الدوحة 2012، والتأكيد على تزامن الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني لمنظمة التحرير، وتخويل الرئيس الفلسطيني، بالتشاور مع القوى والفعاليات الوطنية، بتحديد موعد إجراء الانتخابات بعد مرور ستة أشهر على تشكيل الحكومة، واستئناف عمل لجنتي المصالحة المجتمعية والحريات العامة التي جرى تشكيلهما في اتفاق القاهرة.

وقد تباينت ردود الفعل على اتفاق المصالحة الفلسطينية، ففي حين رحبت دول عربية وأجنبية ومنظمات دولية عديدة بالاتفاق أهمها، مصر وجامعة الدول العربية ودول مجلس التعاون الخليجي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، شرعت إسرائيل باتخاذ إجراءات عقابية (عقوبات اقتصادية) ضد السلطة الفلسطينية، وهدّدت بوقف المفاوضات الجارية بينهما منذ 29(تموز) يوليو 2013 . أما الولايات المتحدة الأمريكية فلم يختلف موقفها كثيراً عن الموقف الإسرائيلي، فاعتبرت أن الاتفاق الفلسطيني- الفلسطيني “مخيباً للآمال ويُعقد الجهود الأمريكية لتحريك عملية السلام”. واستبقت الولايات المتحدة الإعلان عن تشكيل الحكومة الفلسطينية وأعلنت، على لسان (آن باترسون)، مساعدة وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى، أنها لن تقدم مساعدات مالية لحكومة فلسطينية تكون حركة “حماس” جزءاً منها ، إلا إذا قبلت “حماس” بشروط اللجنة الرباعية الدولية، وهي نبذ العنف والاعتراف بالاتفاقات السابقة، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.

وفيما تتفاوت التفسيرات بشأن الظروف الضاغطة التي دفعت الحركتين الفلسطينيتين الأكبر إلى التوقيع على اتفاق المصالحة وإنهاء حقبة الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة الممتدة لأكثر من ست سنوات متصلة، طرحت أسئلة حول أسباب ودوافع الاتفاق على تطبيق بنود المصالحة الفلسطينية في هذا الوقت تحديداً،لاسيما بعد الفشل الذي مُنيت به جولات وجهود المصالحة فيما سبق. وأية انعكاسات للبيئتين الإقليمية والدولية تلك التي دفعت الطرفين للجلوس حول مائدة الحوار؟ وما هي آفاق المصالحة الفلسطينية واحتمالاتها في ضوء هذا الواقع الجديد؟.

حصار غزة وعزلة “حماس”

حتى مطلع عام 2006، لم تكن حركة “حماس” جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني، حيث عزفت الحركة عن المشاركة في مكونات النظام السياسي. وكان لها أن رفضت العروض التي تلقتها للانضمام لأطر منظمة التحرير الفلسطينية، واستمرت على ذات الموقف، وقاطعت الانتخابات الفلسطينية الأولى (الرئاسية والتشريعية) عام 1996، لأسباب سياسية، عزتها إلى كون أن الانتخابات هي أحد إفرازات اتفاقية أوسلو وتجري تحت سقف الاتفاق الذي سبق لها أن عارضته. كما قاطعت “حماس” الانتخابات الرئاسية التي جرت بتاريخ 9 (كانون الثاني) يناير2005، وفاز فيها الرئيس محمود عباس مرشح حركة ” فتح” بنسبة 62% من عدد المقترعين، إلا أنها وافقت على المشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية في 25 (كانون الثاني) يناير 2006، لقناعتها بأن الانتخابات تجري، هذه المرة، استناداً إلى إعلان القاهرة 2005، وحصدت الحركة (76) مقعداً من مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني البالغ عددها (132) مقعداً .

بإعلان فوزها بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، انتقلت حركة “حماس” من المعارضة إلى السلطة. وعلى أثر ذلك، اضطلعت الحركة بمهمة تشكيل الحكومة الفلسطينية برئاسة “إسماعيل هنية”، دون أن تفلح في إقناع أو استمالة أيٍ من الكتل البرلمانية بالمشاركة معها في تشكيلها، وكان ثمن ذلك ما تعرضت له من حصار ومقاطعة خارجيين ومن جدل حول الوضع الحكومي المأزقي داخلياً.

ورغم محاولات “حماس” إعادة إنتاج نفسها بصورة معتدلة ومقبولة من قبل المجتمع الدولي وصوغ خطاب سياسي بعيداً عن شعارات الأيديولوجيا التي صبغت فكر وممارسة الحركة في السابق، إلا أنها جوبهت هي وحكومتها بمقاطعة دولية تقودها الولايات المتحدة نيابةً عن إسرائيل . وأعلن الأمريكيون والأوروبيون عن حجب المساعدات الدولية عن السلطة الفلسطينية، إن لم تمتثل الحركة لمطالبهم المتعلقة بالاعتراف بإسرائيل والتخلي عن خيار المقاومة. واتساقاً مع الضغوط الأمريكية تحفظت كثير من البلدان العربية في تعاملها مع الحكومة الفلسطينية في غزة، واندرج ذلك بشكلٍ أو بآخر في سياسة المقاطعة الدولية والإقليمية ضدها.

وعقب سيطرة “حماس” على قطاع غزة منتصف العام 2007، وصفت الحكومة الإسرائيلية حركة “حماس” بــ”تنظيم إرهابي سيطر على القطاع وحوله إلى منطقة معادية”، ومن ثم أمعنت إسرائيل في إطباق الحصار على القطاع وفق صيغة جديدة كان من أبرز مضامينها، الادعاء بأنها ملتزمة فقط بالاتفاقيات التي وقعت عليها مع السلطة الفلسطينية في محاولة منها للتنصل من الالتزامات المفروضة عليها، بوصفها سلطة احتلال وفق أحكام القانون الدولي الإنساني، وبدعوى أنها انسحبت من القطاع عام 2005، برغم أنها ما تزال، في حقيقة الأمر، تسيطر على حدود القطاع ومياهه ومجاله الجوي .

وقد تجلت أبرز مظاهر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة فيما يلي :

– تَحكُم السلطات الإسرائيلية في حركة المعابر التجارية بين قطاع غزة وإسرائيل، ومنع توريد أصناف عديدة من البضائع والمواد الأساسية ومستلزمات البنية التحتية إلى قطاع غزة بما يترك أسوأ الأثر على الوضع الاقتصادي والمعيشي وحركة التطور والعمران في القطاع.

– إغلاق السلطات الإسرائيلية معبر رفح لفترات طويلة عقب وقوع الانقسام الفلسطيني الداخلي، ومن ثم تقييد حركة المسافرين منه وإليه، ووضع قائمة سوداء للممنوعين من السفر، قبل أن تُدخل الحكومة المصرية تحسينات على أعداد المسافرين من وإلى القطاع.

– مقاطعة حكومة غزة دولياً، وربط الاعتراف بها أو التعامل معها بتغيير الموقف السياسي للحركة واعترافها بشروط اللجنة الرباعية الدولية، ولم تستثن من ذلك إلا بعض الاتصالات السرية التي أجرتها بعض الدول الأوروبية مع قادة ومسئولين في الحركة طيلة سنوات حكم “حماس”.

أعقبت ذلك تغيرات مفاجئة تمثلت في انبعاث الثورات العربية أو ما اصطلح على تسميتها إعلامياً بـ” ثورات الربيع العربي” أواخر العام 2010. شكلت الثورات العربية اختباراً صعباً وتحدياً كبيراً أمام حركة “حماس”، وأثارت جدلاً واسعاً حيال المستقبل السياسي للحركة، وقدرتها على التعاطي والتأقلم مع المستجدات السياسية العربية، وشكل وطبيعة علاقتها بالدول التي ضربتها رياح التغيير، لاسيما في ظل صعود تيار الإسلام السياسي فيها. ففي حين قلل البعض من الآمال المرجوة لجهة نصرة “حماس”- التي تعيش عزلة سياسية وحصاراً مُحكماً- أو التعاطي معها باعتبارها موضع اعتراف وتأييد من دول “الربيع العربي”، فإن آخرين رأوا أن نتائج “الربيع العربي” وتقدم التيار الإسلامي وصعوده في بعض الدول العربية (مصر، تونس والمغرب) يصب مباشرة في صالح “حماس” ويهيئ لها الفضاء لإنهاء الحصار السياسي والاقتصادي، ويمكنها من تحقيق أهدافها ورسم مستقبلها، فضلاً عن أن تقدم تيار الإسلام السياسي تقدماً لبرنامج حركة “حماس”.

كان لحركة “حماس” موقفها المُعلن من “ثورات الربيع العربي” عموماً، فبعدما اندلعت شرارة الثورات العربية في كلٍ من تونس ومصر أيدت الحركة حركات الاحتجاج العربية، وحيا مسؤول العلاقات الخارجية فيها أسامة حمدان، في (كانون الثاني) يناير 2011، الثورة التونسية، متمنياً أن تشكل الاحتجاجات نموذجاً يُحتذى به في سائر دول المنطقة . غير أن “حماس” تبنت موقفاً أكثر وضوحاً حيال الثورات التي تمسها مباشرة: الثورتين “المصرية والسورية”، وذلك انطلاقاً من قناعات مؤكدة لدى قيادة الحركة بأن الثورة المصرية التي أطاحت بالرئيس المصري حسني مبارك، وأدت إلى صعود تيار الإسلام السياسي إلى السلطة؛ والثورة السورية التي تسعى إلى الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، ستكون لها انعكاساتها المباشرة على حركة “حماس” في جوانبٍ عديدة تطال واقعها ومستقبلها.

بُعيد إجراء الانتخابات البرلمانية المصرية وما أفضت إليه من فوز للإسلاميين بنسبة كبيرة من المقاعد، أخذت “حماس” تفصح عن نشوتها بهذا الفوز، وراحت تبحث عن الكيفية التي سيترك فيها ذلك الفوز بصماته على قضية فلسطين، وعلى العلاقة مع قطاع غزة والعلاقة معها بوجه خاص .

واحتفت “حماس” بطريقتها الخاصة فور الإعلان عن فوز “محمد مرسى”، مرشح حزب الحرية والعدالة، رئيساً لجمهورية مصر العربية، ليكون الرئيس الأول بعد ثورة 25 يناير، حيث خرج أنصارها في مسيرات راجلة ومحمولة في أنحاء مختلفة من قطاع غزة، وقامت المساجد بالتكبير والتهليل. وباركت “حماس” على لسان الناطق باسمها فوزي برهوم، لمصر ولشعبها وثورتها الانتصار الكبير ونجاح العملية الانتخابية، معتبرةً أن فوز “مرسي” نقطة تحول فارقة في تاريخ مصر وتاريخ الأمة العربية والإسلامية، وسوف يتحدد بموجبها مسار قضايا عديدة، وعلي رأسها مسار القضية الفلسطينية لأن مصر انتخبت رئيساً لها ورئيساً للأمة العربية والإسلامية .

الواقع أن فوز “الإخوان المسلمين” في مصر لم يحقق لحركة “حماس” الآمال العريضة التي توقعتها، فهو من ناحية لم ينهِ حصار قطاع غزة، ولم يقدم البديل العملي لجهة حرية التنقل والتجارة بين مصر وقطاع غزة عبر إنشاء منطقة تجارة حرّة على الحدود المشتركة كبديل لتجارة الأنفاق، ولم يؤدِ أيضاً إلى توسيع معبر رفح للسماح بحرية حركة البضائع والأفراد وإبقائه قيد التشغيل على مدار السنة. ومن ناحية أخرى فإن تولي “الإخوان المسلمين” الحكم في مصر لم يفتح الآفاق أمام حركة “حماس” لزيادة فاعليتها على الصعيدين “العسكري والسياسي”، فمصر”الدولة” لم تبدِ استعدادها لقطع علاقاتها بإسرائيل، أو التخلي عن معاهدة السلام التي وقعتها معها، ولا لتغيير سياستها تجاه غزة. إن أكثر ما قدمته مصر مرسي في هذا الإطار رعايتها لاتفاق التهدئة بين الفصائل الفلسطينية المسلحة وإسرائيل في 21(تشرين الثاني) نوفمبر 2012.

تعمقت أزمة حركة “حماس” وحكومتها في غزة مع تجدد الثورة الشعبية المصرية في 30(حزيران) يونيو 2013، وعزل الرئيس المصري “محمد مرسي”، حيث واجهت الحركة اتهامات من قِبل دوائر رسمية مصرية، بالتورط في استهداف الجيش المصري ومساندة إخوان مصر، بالإضافة إلى التورط السياسي والإعلامي للحركة في الشؤون المصرية الداخلية، فضلاً عن الاستعراضات العسكرية المدججة بإشارات رابعة وصور الرئيس المعزول “محمد مرسي”، الأمر الذي دفع محكمة القاهرة للأمور المستعجلة باتخاذ قرار يقضي بحظر أنشطة حركة “حماس”، ومصادرة ممتلكاتها وجمعياتها.

كما أن الثورة السورية في 15(آذار) مارس 2011، وضعت “حماس” أمام تحدٍ سياسي بالغ الدقة والتعقيد. فعند إطلال الثورة السورية دأبت حركة “حماس” على الحديث عن العلاقة الإستراتيجية التي تربطها بسورية، والإشادة بسورية وبمواقف قيادتها إزاء قضية فلسطين ومواجهة العدو الصهيوني، واحتضانها ودعمها للشعب الفلسطيني ولحقوقه المشروعة، ومساندتها لفصائل المقاومة الفلسطينية في أحلك الظروف وأصعبها. وشدّدت الحركة على أنها وانطلاقاً من مبادئها التي تحترم إرادة الشعوب العربية والإسلامية وتطلعاتها، تتمنى لسورية دولةً وشعباً الاستقرار والحرية والديمقراطية، ولا تسمح لنفسها بالتدخل في شؤونها الداخلية، مع الإعراب عن الأمل بتجاوز الظرف الراهن بما يحقق تطلعات الشعب السوري، وبما يحفظ استقرار سورية وتماسكها الداخلي ويعزز دورها في صف المواجهة والممانعة، فضلاً عن طمأنتها للقيادات السورية بأنها لن تدير ظهرها لسورية وقت الشدائد .

غير أن الحركة لم تستطع الصمت طويلاً مع اشتداد وتيرة الاعتداءات من قبل النظام الرسمي ضد الثوار السوريين. وكان “إسماعيل هنية” أول من تحدث عن “الثورة السورية”، أثناء حضوره مهرجاناً أقيم في الجامع الأزهر بالقاهرة، حمل عنوان “جمعة إنقاذ الأقصى ونصرة الشعب السوري”، تجاوباً مع هتافات عشرات الآلاف من الجماهير المحتشدة، بالدعوة إلى “نصرة الشعب السوري البطل”. ففي الوقت الذي كان يواصل حديثه عن فلسطين والقدس والأقصى، كانت الجماهير تقاطعه بالهتافات ضد سورية، وإيران، وحزب الله، ما اضطره إلى الدعوة لنصرة “الشعب السوري البطل”.

كما تحدث خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وفي مقابلة له بثتها قناة الجزيرة بتاريخ 27 (كانون الأول) ديسمبر 2012، بنفس الأسلوب الذي ينسب فيه فضل دعم المقاومة و”حماس” للنظام والشعب السوري على حد سواء، بقوله:” لدينا وفاء لهذا النظام الذي وقف مع المقاومة الفلسطينية و”حماس”.. دعمنا دعماً بلا حدود، وفي ذات الوقت لدينا وفاء للشعب السوري الذي احتضننا أيضاً احتضاناً عظيماً، فإذاً قيمة الوفاء للنظام والشعب قيمة كبيرة”، إلا أن مشعل عاد ليركز على دعم مطالب الشعب السوري قائلاً:”… في المقابل أيضاً، قيم الحرية والديمقراطية والإصلاح نؤمن بها ولا يمكن أن نناقضها”، مؤكداً على رفض الحل الأمني في سوريا بقوله:”أي حل قائم على الدماء لا نقرّه”.

الواقع أن موقف حركة “حماس” من الثورة السورية كان له انعكاساته السلبية على الحركة، فهو من ناحية أسس لقطيعة ما تزال ممتدة بين الحركة والنظام السوري، بدأت بنقل مقرات وقيادة الحركة من سوريا، ومن ناحيةٍ أخرى أدى إلى تراجع الدعم المالي الإيراني المتدفق إليها منذ منتصف العام 2012.

ومن المؤكد أن الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، والعزلة السياسية التي تعرضت لها حركة “حماس”، وعدم قدرتها على تقديم النموذج الأمثل في الحكم، كان ذلك كله محفزاً ودافعاً قوياً أدى إلى موافقة الحركة على استقبال وفد منظمة التحرير الفلسطينية في غزة وتوقيع اتفاقاً للمصالحة ينهي حالة الانقسام المرير بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

تعثر مسار التسوية السياسية

 بعد انقطاع دام لأكثر من ثلاثة سنوات، قررت الإدارة الأمريكية معاودة المحادثات السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ووضعت مدة زمنية للتوصل إلى اتفاق لا يتجاوز التسعة الأشهر بدءاً من 29 (تموز) يوليو 2013. منذ ذلك الوقت واجه مسار المفاوضات الكثير من العقبات والصعوبات، وكادت المفاوضات أن تنهار بسبب إصرار الحكومة الإسرائيلية على مواصلة أعمال البناء في مستوطنات الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة.

أمام التحديات الكبيرة التي اعترضت مسار التسوية السياسية والناجمة أساساً عن مراوغة إسرائيل في تنفيذ استحقاقات التسوية، واعتداءاتها المتواصلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفرضها لوقائع جديدة على الأرض تتعارض مع الاتفاقات الموقعة مع السلطة الفلسطينية، أصّرت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية على العودة إلى المفاوضات بتلبية ثلاثة شروط: وقف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، وأن تكون هناك مرجعية واضحة ومحددة للتفاوض مبنية على اعتراف إسرائيل بحل الدولتين على حدود 1967، وإطلاق سراح الأسرى وخصوصاً القدامى الذين أسروا قبل توقيع اتفاق أوسلو عام 1993.

ومنذ انطلاق جولة التفاوض جرى البحث في قضايا الخلاف العديدة دون التوصل إلى أي اتفاق، وانقضت مهلة التفاوض المحددة بتسعة أشهر دون تحقيق مطلبان أسياسيان من المطالب الثلاثة التي وضعتها القيادة الفلسطينية وهما، وقف الاستيطان في المناطق المحتلة عام 1967، واعتبار حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، أساساً للمفاوضات، فقد رفضت إسرائيل تنفيذ هذين المطلبين، لكنها استجابت للمطلب الثالث، وهو إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين القدامى، والبالغ عددهم (104) أسرى. وجرى الاتفاق على أن يُطلق سراح الأسرى على أربع مراحل، يجري تنفيذ المرحلة الرابعة منها بعد ثمانية شهور من بدء المفاوضات، مقابل التزام القيادة الفلسطينية بعدم التوجه إلى هيئات الأمم المتحدة طوال هذه المفاوضات.

وقد حلت مدة الشهور التسعة دون أن تلتزم حكومة إسرائيل بإطلاق سراح أسرى الدفعة الرابعة، أو الالتزام بتلبية استحقاقات التسوية السياسية، في غياب الضغط الجدي والفاعل من قبل الولايات المتحدة على إسرائيل لحثها على التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين. أرادت إسرائيل تمديد المفاوضات قبل إطلاق سراح أسرى الدفعة الرابعة، إلا أن الجانب الفلسطيني رفض على اعتبار أن الملفين منفصلان، ورد على إسرائيل باتخاذ إجراءات عملية لجهة تفعيل عضوية دولة فلسطين في المؤسسات الدولية، ومن بينها إعلان الانضمام باسم دولة فلسطين إلى (15) اتفاقية ومعاهدة دولية.

ردت حكومة نتنياهو بإجراءات عقابية ضد السلطة الفلسطينية، فحجب أموال الضرائب التي تقدر بنحو 1.5 مليار سنوياً، كما هددت باتخاذ إجراءات عقابية في حال إتمام المصالحة بين “فتح” و”حماس”، ووصل الأمر برئيس حكومة إسرائيل تخيير الرئيس الفلسطيني بين المفاوضات وعملية السلام وبين الشراكة مع حركة “حماس”، وراح يوجه اللوم للسلطة الفلسطينية بأنها هي التي تسببت في قطع المفاوضات عندما تصالحت مع حركة “حماس” التي ما يزال ميثاقها ينص على”تدمير إسرائيل”، كما أنها ترفض الاعتراف باتفاق أوسلو، وكلها مواقف تثبت عدم جدية الفلسطينيين في السعي نحو السلام .

الواقع أن السلطة الفلسطينية أدركت مبكراً المأزق الخطر الذي تواجهه عملية التسوية السياسية بفعل تعنت الحكومة الإسرائيلية وعدم جديتها في التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الصراع العربي الإسرائيلي الممتد منذ ما يزيد عن خمسة وستين عاماً، فضلاً عن إدراكها بعدم جدية الإدارة الأمريكية في الضغط على إسرائيل لإلزامها بتلبية شروط ومتطلبات عملية السلام، وهي تدرك أن الإدارة الأمريكية لديها من السلطة والنفوذ ما يمكنها من تحقيق ذلك. لم تستجب السلطة الفلسطينية للاتهامات الإسرائيلية، ولم تنصاع للضغوط الأمريكية والإسرائيلية معاً الرامية إلى إلزامها بالتراجع عن مسار المصالحة الفلسطينية، والإبقاء على القطيعة بين الضفة الغربية وقطاع غزة. عززت القيادة الفلسطينية من دورها باتجاه تحقيق المصالحة مع حركة “حماس”، وقد بذلت، مؤخراً، الجهد الكبير في سبيل التوصل إلى تفاهمات بشأن تطبيق المصالحة الفلسطينية على أرض الواقع.

المعنى، أن القيادة الفلسطينية عندما أدركت أنه لا طائل من وراء المفاوضات في ظل حكومة نتنياهو، اتجهت بكل قوة لمعالجة الأوضاع الداخلية المتردية بفعل الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وعقدت اتفاقاً جديداً مع حركة “حماس” يعيد الهيبة والاعتبار للنظام السياسي الفلسطيني ويؤسس لشراكة حقيقة بين القوي السياسية الفلسطينية.

آفاق المصالحة واحتمالاتها

 رغم تعدد العقبات التي تواجه المصالحة الفلسطينية بسبب انقسام النظام السياسي الفلسطيني، وما أحدثه من تغيرات إدارية وقانونية ووظيفية على المؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أنه لا تزال هناك فرص حقيقة أمام طرفي الانقسام لاستعادة الثقة المفقودة بينهما، والتوصل إلى إنهاء حالة الانقسام السياسي والجغرافي، وتوحيد النظام السياسي الفلسطيني، لا سيما في ظل الإدراك بأن استمرار حالة الانقسام سوف تنتج تداعيات سلبية ليس فقط على مستوي العلاقات الفلسطينية- الفلسطينية، ولا على مستوى تراجع دور ومكانة المؤسسة الرسمية الفلسطينية، وإنما على مستوى المشروع الوطني الفلسطيني الشامل الذي يُمكن من رسم ملامح المستقبل الفلسطيني ومستقبل الدولة الفلسطينية العتيدة. وفي هذا السياق، يتأرجح مستقبل المصالحة الفلسطينية بين ثلاثة احتمالات رئيسة:

– الاحتمال الأول: النجاح الشامل، والذي يمكن أن يتحقق في حالة نجاح طرفي الانقسام في تغليب المصلحة الوطنية العليا، وتطبيق بنود الاتفاق الذي جرى توقيعه بينهما، والتوصل إلى تفاهمات مشتركة وحلول جذرية وشاملة بشأن القضايا الخلافية العالقة تقود إلى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، وذلك عبر:- الشروع في تشكيل حكومة توافق وطني تعمل على إعادة بناء وتوحيد مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، وترعى لجان المصالحة المجتمعية للقيام بإجراءات بناء الثقة بين حركتي “فتح” و”حماس”،- التحضير لإجراء الانتخابات العامة في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية وفقًا لنظام التمثيل النسبي الذي يساعد على تكريس الشراكة الوطنية بديلاً عن حالة الاستقطاب الثنائي التي يشهدها النظام السياسي الفلسطيني، فضلاً عن التئام الإطار القيادي لمنظمة التحرير الفلسطينية للبحث في سبل وآليات إعادة بناء المنظمة والاتفاق بين القوى السياسية الفلسطينية على إجراء الانتخابات في مؤسسات المنظمة (اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني) داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها، وفقًا لما أقرته التفاهمات الفلسطينية في إعلان القاهرة كانون الثاني (يناير) 2005، ووثيقة الوفاق الوطني آذار (مارس) 2006، والورقة المصرية للمصالحة كانون الأول (ديسمبر) 2011، واتفاق الدوحة شباط (فبراير) 2012، وأخيراً اتفاق غزة نيسان (أبريل) 2014.

إن تبني هذا الخيار سيؤدي إلى وقف الاستقطاب الثنائي في المشهد الفلسطيني الداخلي، ويؤسس للشراكة الحقيقية بين مختلف القوى السياسية الفلسطينية، ويضمن تمثيلها في أطر النظام السياسي “منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية” وفقًا لحجمها ونفوذها وقواعدها الجماهيرية، ومن ناحيةٍ أخرى فإنه يقود إلى توحيد النظام السياسي الفلسطيني المنقسم على نفسه بين رام الله وغزة جغرافيًا ومؤسساتيًا، بما يحقق الالتزام بالمبادئ الديمقراطية ويضمن سيادة القانون، والمساواة، والعدالة، والحريات الفردية والعامة، واستقلالية مؤسسات المجتمع المدني.

– الاحتمال الثاني: إدارة الانقسام، ويعني ذلك استمرار الوضع القائم. وضمن هذا السيناريو يمكن أن ينجح طرفي الانقسام، بمشاركة أطراف فلسطينية أخرى، بإيجاد نوع من التعايش مع الانقسام وإدارته وليس حله من خلال تأجيل الانتخابات العامة في مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، وتأجيل تشكيل حكومة التوافق الوطني، وتأليف لجنة فصائلية مشتركة تتولى مهمة التنسيق بين الحكومتين الفلسطينيتين في غزة ورام الله في أمور الحياة اليومية وتحقيق اتفاق حول بعض القضايا العامة كوقف التحريض الإعلامي، والاعتقال السياسي، وفتح المؤسسات والمقرات التي تم إغلاقها منذ الانقسام، ووقف انتهاك الحقوق والحريات العامة والفردية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

– الاحتمال الثالث: الفشل والانهيار الكامل، وذلك في حالة استمرار كل طرف في تمسكه برؤيته دون تغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الفئوية الحزبية الضيقة، وهذا يعني ديمومة حالة الانقسام الفلسطيني. وفي المحصلة فإن هذا الأمر سيضعف من قدرة الفلسطينيين على تأسيس الشراكة بين القوى السياسية والمجتمعية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني التزامًا بالمبادئ الديمقراطية، كما أن استمرار حالة الانقسام في المشهد الفلسطيني الداخلي ستضعف من قدرة الفلسطينيين على مواجهة التحديات الخارجية التي تستهدف المشروع الوطني برمته، وتجعلهم غير قادرين على تحقيق تطلعاتهم الوطنية في التحرر والاستقلال.

ويعتبر هذا الاحتمال هو الأخطر، لا سيما أنه في حالة تحققه سوف يعمق الفجوات بين الفلسطينيين، ليس على مستوى رأسيي النظام السياسي والأطر الحزبية في الأراضي الفلسطينية، وإنما على مستوى العلاقات المجتمعية الداخلية التي تأثرت سلبًا بفعل الانقسام السياسي والجغرافي.

 

أمد

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً