الهيمنة الامريكية وقانون الأمريكان … بقلم : د. كمال الهلباوي

shello
shello 2013/10/20
Updated 2013/10/20 at 12:09 مساءً

18qpt985

كل عام وأنتم بخير أيها القراء الكرام. هناك في العالم العربي مفسدات للفرح حتى للعيد نفسه، ومنها المظاهرات العنيفة والبذاءات العنيفة التي شوهت حتى الجدران في القاهرة الجميلة، فضلاَ عن القتل والجرح والتدمير والمنغصات اليومية، ومنها حركة المرور في القاهرة، التي تتحسن قليلاً ثم تعود سيرتها الأولى، وأصبحت تلك المفسدات مثل مفسدات الصيام، ومفسدات الوضوء والصلاة في خطورتها. لا يستطيع المرء المسلم ولا المسيحي ولا اليهودي أن يدعي صحة الصوم مع وجود مفسداته، أو صحة الصلاة مع وجود مفسدات الصلاة أو نواقضها، وكذا نواقض الإيمان والعقيدة.
أما الأمريكان اليوم وهيمنتهم الرهيبة، فلا شيء يوقف حتى اليوم الهيمنة الأمريكية، حتى في أشد حالات الأزمات ومطالبات لأوباما بالاستقالة، لأنهم فوق القانون، وأيضاً لأنهم يرون أن هيمنتهم هي القانون. في ذلك طبعاً خطورة واضحة على السلام العالمي وعلى الديمقراطية نفسها. أقول ذلك بمناسبة الحرب على الإرهاب، التي تحولت في بعض الحالات الى إرهاب أمريكي. أنا ضد كل أنواع الإرهاب بل العنف، وكنت أخشى أن يتحول وطني مصر، إلى دولة تعاني من الإرهاب، أو عاجزة عن مواجهة العمليات الإرهابية، خصوصاً في سيناء، مما قد يفتح الباب أمام الهيمنة الأمريكية أو التدخل.
حمدت الله أن هيأ سبحانه وتعالى لمصر، شعباً ورجالاً ومناخاً مناسباً، لمحاربة الإرهاب في سيناء أو العمليات الإرهابية أينما كانت. الإرهاب أو الوصف بالإرهاب لبلد ما أو شخص ما ولو كان ظلماً، يجر على ذلك البلد أو الشخص الوبال والمطاردة طول الحياة، في ظل الهيمنة الأمريكية. في الأسابيع القليلة الماضية اعتقلت أمريكا ‘أبو أنس الليبي’ من ليبيا بتهمة تدمير السفارة الأمريكية في كينيا منذ خمس عشرة سنة، أي سنة 1998، واعتقلت كذلك عكرمة من الصومال. أمريكا لا تنسى وملفاتها جاهزة على الرف.
قال تشاك هيغل وزير الدفاع الأمريكي، ان ‘أمريكا لن تدخر جهداً لمحاسبة الإرهابيين’. ونحن جميعاً يجب أن نشترك في محاربة الإرهابيين الحقيقيين وليس الوهميين، أو من يقفون ضد الاحتلال أو الهيمنة، ولا ندخر جهداً في ذلك الواجب، حتى يتمتع الجميع بالسلم والسلام والأمن والأمان. كما قال جورج ليتل المتحدث باسم البنتاغون في شأن ‘أبو أنس′: ‘نتيجة للعملية الأمريكية لمكافحة الإرهاب، يحتجز الجيش الأمريكي أبو أنس′ الليبي، بشكل قانوني في مكان آمن خارج ليبيا’. أما رئيس وزراء ليبيا المختطف السيد علي زيدان فقد قال بعد الإفراج عنه ‘إن علاقات بلده بالولايات المتحدة الأمريكية لن تتأثر بتوغل قوات أمريكية خاصة داخل الأراضي الليبية، واعتقال أبو أنس الليبي الذي يشتبه بأنه أحد قيادي تنظيم القاعدة. علاقاتنا مع الولايات المتحدة هي علاقة صداقة وتعاون فقد ساعدونا أثناء الثورة’، إنتهى كلام رئيس الوزراء المحرر، وهو كلام عجيب خصوصاً بعد الثورة.
الأمريكان يتحدثون وكأنهم آباء هذا العالم أو الأخ الأكبر للبشرية، وهم يقولون ما يشاؤون، ويفعلون ما يريدون، لأنهم فوق القانون في معظم البلاد حتى القانون الدولي، وهم فوق حقوق الإنسان التي يتغنون بها كثيراً وينتهكونها أكثر. ونحن متفرجون ثم مستسلمون. وما فعلوه وما يفعلونه في أفغانستان والعراق وسورية أخيراً، وما فعلوه ويفعلونه في سجون أبو غريب وغوانتانامو، خير دليل على ذلك. وما فعلوه ويفعلونه في اليمن وعلى الحدود الباكستانية الأفغانية، والطائرات بدون طيار التي لا تقتل فقط رجال القاعدة، بل بعض المدنيين، خير دليل على ذلك. وتلك الانتهاكات الخطيرة ليس لها من يوقفها اليوم.
حتى وزارة العدل الأمريكية، ترى أن ‘أبو أنس الليبي’ يمثل خطراً واضحاً على الولايات المتحدة. وهذه نظرة لا تدل على خطورة ‘أبو أنس′، بقدر ما تدل على الخوف الأمريكي، والرعب الذي ينتاب أمريكا، ممن تظن أنهم من أصحاب القاعدة. حققت معه أمريكا على ظهر بارجة حربية أمريكية أسبوعاً كاملاً، ثم أرسلته إلى أمريكا لاستكمال التحقيق، وليبيا الثورة غائبة.
وما فعلوه، ويفعلونه في ليبيا مؤخراً، بتوغل القوات أمريكية خاصة داخل الأراضي الليبية، وإلقاء القبض على ‘أبو أنس الليبي’، للاشتباه بأنه أحد قيادي القاعدة، وما يفعلونه من دون أي اعتبار أو احترام لسيادة أراضي ليبيا أو غيرها، فهو كلام يندى له الجبين. وسأقف عند ثلاث نقاط فقط من هذا الاستسلام المشين:
الأولى: علاقة الصداقة والتعاون التي أشار إليها رئيس الوزراء، بين ليبيا وأمريكا، نجد ان أمريكا لا تعير هذه الصداقة أي تقدير أو احترام، وكل ما يهمها يتلخص في مصلحتها أو مصلحة أمن إسرائيل. أما أن الأمريكان ساعدوا ليبيا أثناء الثورة، فإنني أرى أن أمريكا ليست هيئة إغاثة أو إنقاذ وطني، وكل شيء له ثمن، ولا أظن أن كلام السيد رئيس الوزراء المحرر، يدل على أنه ينتمي إلى الثورة الليبية، التي فقدت الكثير من أهدافها حين استعانت بالناتو، وعلى رأسه القوات الأمريكية، للتخلص من القذافي الذي يستحق ما حدث له، فقد كان كارثة على الوطن والعروبة والإسلام هو وأمثاله، ولكن ليبيا لا تستحق ما يحدث لها من الناتو، ولا من أمريكا، ولا من بعض أهلها كذلك. ربما كان أبو أنس الليبي من الثوار الحقيقيين ضد القذافي، ولكنه يحاكم اليوم في أمريكا بعد نقله إليها. هل يسأل عنه ثوار ليبيا اليوم، أم أنهم يقولون مثلما قال رئيس الوزراء المحرر: ‘إنهم ساعدونا أثناء الثورة’؟ هذه هي الثانية.
أما أخطر ما قاله السيد علي زيدان ‘إن علاقات بلده بالولايات المتحدة لن تتأثر بتوغل قوات أمريكية خاصة داخل الأراضي الليبية’.. هل يوافق الثوار على هذه المقولة أو هذا التوجه؟ لا أظن أن أي ثائر حقيقي إسلامي أو غير إسلامي، يمكن أن يوافق على كلام رئيس الوزراء المحرر. يا ليت هؤلاء المسؤولون يتعلمون من شعوبهم التي ترفض التدخل الأمريكي في شؤونهم، أو يتعلمون من قادة وثوار عظام مثل، هوغو شافيز أو حكام كوبا وفيتنام أو كوريا الشمالية أو البرازيل، الذين وقفوا ضد التوغل الأمريكي وكذلك الهيمنة الأمريكية، وهذه هي الثالثة. أمريكا اليوم تترنح، ولكن الهيمنة مستمرة، حيث أن الكثيرين يخافون من الأشباح والصور وظل الهيمنة.
لقد هددت أمريكا بضرب سورية لتدمير مقدراتها، وسورية ليست عزبة لآل الأسد ولا لغيرهم حتى يتصرفوا فيها أو في قدراتها كما يشاؤون. كيف وافق بشار الأسد على تدمير الأسلحة الكيماوية لسورية؟ وكيف وافق حزب الله على ذلك؟ وكيف وافقت إيران على ذلك؟ وكيف وقف العرب جميعاً ينظرون ولا يتحركون؟ لغز كبير. هل أصبحت سورية مكسورة الجناح تحت حكم آل الأسد؟ وهل تستطيع أن تكون سورية مرة أخرى دولة ممانعة؟ وهل تستطيع المعارضة السورية، أن تسهم في الحفاظ على المقدرات السورية إن جاءت للحكم، أم أنها يمكن أن تتنازل أكثر للأمريكان، الذين كانوا على وشك مساعدتهم بتوجيه ضربة عسكرية إلى المقدرات السورية؟ الوطن يخسر، وأبناؤه يتصارعون على السلطة والحكم. أبناء الوطن أحياناً يعملون في خدمة أعداء الوطن، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. السلطة العمياء تدفعهم لذلك.
كل هذه الدروس والعبر، وللأسف كانت الاشتباكات مستمرة في سورية حتى في العيد، مما يفسد أي فرحةً به.

القدس العربي

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً