الوعد الزائف للديمقراطية الرقمية…بقلم:كاترينا باريتش

shello
shello 2014/02/23
Updated 2014/02/23 at 10:45 صباحًا

DigitalDemocracy2_700

‹›

تعوّد أغلب الناس على التفكير في الإنترنت باعتباره قوة للخير. وكان من المفترض أن لا يسمح لنا فقط بالتسوق والبقاء على اتصال بزملاء الدراسة السابقين والبحث عن مطعم السوشي الجديد؛ وإنما كان من المفترض أن يعمل أيضاً على تمكيننا سياسياً من خلال السماح للمحرومين من حقوقهم بإسماع أصواتهم، ومساعدة الناشطين في تعبئة الأنصار، وتمكين المواطنين العاديين من نشر أدلة على الفساد الرسمي أو وحشية الشرطة.
لكن الشكوك بدأت تتسلل إلى الناس -وليس فقط منذ الكشف عن استخدام هيئات حكومية للإنترنت للتجسس علينا وعلى زعمائنا وعلى بعضها البعض. والواقع أن تأثير الإنترنت على السياسة بالغ الغموض. وما لم يتحول الإنترنت إلى فضاء يتم فيه تطبيق القواعد والحقوق كما يحدث في العالم الحقيقي، فإن من غير المرجح أن يتغير هذا الواقع.
كان أوائل المتحمسين يحلمون بأن مجرد الوصول إلى الإنترنت سيساعد في نشر الديمقراطية. لكن هذا لم يحدث. في نهاية تسعينيات القرن العشرين، كانت نحو 4 % من سكان العالم يستخدمون الإنترنت؛ واليوم يستخدمه ما يقرب من 40 % من سكان العالم. لكن حصة البلدان التي صنفتها منظمة مراقبة الديمقراطية “فريدوم هاوس” باعتبارها “غير حرة” أو “حرة جزئيا” لم تتغير إلا بالكاد على مدى نفس الفترة. وفي المعركة الدائرة بين الشبكات والكيانات ذات التراتب الهرمي، يبدو أن الغَلَبة تكون للكيانات الهرمية غالبا.
من بين الأسباب وراء ذلك أن الحكومات أصبحت على نفس قدر براعة الناشطين في استخدام الإنترنت وتكنولوجيا الاتصالات الحديثة. وتستخدم الحكومات الاستبدادية الإنترنت لتعقب قادة المحتجين وزعماء المعارضة، كما رأينا مؤخراً في أوكرانيا. وهي توظف جيوشاً من الناس لمراقبة وفحص المحادثات على الإنترنت. ويزعم بعض الناس أن الإنترنت يعمل كصمام تنفيس سياسي، يساعد الحكام المستبدين على البقاء في السُلطة.
لكن لا يستطيع، حتى أشد الطغاة حزماً، أن يفرض سيطرته الكاملة على الأنشطة السياسية على الإنترنت. إذ يميل الشباب البارعون في استخدام التكنولوجيا إلى التحايل على محاولات الرقابة الرسمية. وعلى الرغم من ذلك، فإن الناشطين على الإنترنت لا يكتسبون المزيد من القوة بالضرورة.
إن الحركات التي تحركها شبكة الإنترنت لا تخلّف تأثيراً دائماً في العادة إلا إذا نجحت في توليد نشاط سياسي واقعي تقليدي، مثل احتجاجات الشوارع أو إنشاء أحزاب سياسية. ولذلك، فإن هذه الحركات تحتاج إلى زعامات، وهو ما يميل الناشطون إلى رفضه لأنهم يعتبرون أنفسهم حركات شعبية نقية. وفي غياب استراتيجيات صالحة للبقاء وتوجهات واضحة، فإن أغلب الانتفاضات التي تؤججها شبكة الإنترنت سرعان ما تتبدد وتختفي.
بذلك، يتبين أن الإنترنت أقل قوة مما كان متوقعاً في المعركة ضد الطغيان. ولم يكن تأثيره على الديمقراطيات الراسخة مباشراً صريحاً. ومع أن الديمقراطيات أصبحت أكثر حيوية في نظر البعض، فإن السياسات التي تنتهجها أصبحت أكثر تقلبا.
فلنتأمل وسائل الإعلام في هذا الصدد. إن نحو 16 % فقط من الأميركيين في الأربعينيات من عمرهم يُقبِلون على قراءة الصحف (المطبوعة) هذه الأيام؛ ولا تتجاوز النسبة بين الشباب في العشرينات 6 %. ومع أن وسائل الإعلام الرقمية توفر قدراً أعظم من التنوع، فضلاً عن سهولة الوصول وفرصة التعليق، فإنها تشجع الناس على استرجاع المعلومات والتعقيبات التي تناسب وجهات نظرهم القائمة فقط. وفي حين تستطيع وسائل الإعلام التقليدية أن تقدم لقرائها تغطية متوازنة، فإن وسائل الإعلام الرقمية قد تغذي الاستقطاب السياسي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن مثيري القلاقل السياسية والشعبويين والمتطرفين، من بيبي جريلو في إيطاليا إلى أعضاء حزب الشاي في الولايات المتحدة، يستخدمون وسائل الإعلام الاجتماعية والمدونات على شبكة الإنترنت لالتماس واستمالة المؤيدين المحتملين بشكل مباشر. وتسمح شبكة الإنترنت للعديد من المحدثين في عالم السياسة بجمع أعداد كبيرة من الأتباع بسرعة، فقط لينفض هؤلاء الأتباع بنفس السرعة بعد حين. لكن هذا المد والجزر يمكن أن يزعزع استقرار السياسة الراسخة -على سبيل المثال، عندما تتحرك أحزاب الوسط إلى اليمين لاجتذاب الناخبين بعيداً عن الأحزاب الأكثر تطرفاً.
من ناحية أخرى، يبدو أن الشباب يتصورون أنهم يتمون واجباتهم المدنية بمجرد وضع التغريدات أو إنشاء المدونات. لم يعد الشباب ينضمون إلى السياسية والنقابات المهنية والعمالية وغير ذلك من جماعات المصالح. والواقع أن متوسط عمر أعضاء الأحزاب في ألمانيا يتجاوز الخمسين عاما. وفي المملكة المتحدة، سنجد أن احتمال انضمام متقاعد بعد سن الستين إلى النقابات المهنية أكبر من احتمال انضمام شاب تحت الثلاثين إليها. وفي غياب منظمات المجتمع المدني، تصبح السياسة أكثر تفتتاً وأقل تماسكاً، ويصبح التوصل إلى حلول وسط قابلة للتطبيق أشد صعوبة.
سوف يعمل الكشف عن تجسس وكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة على المواطنين على التعجيل بالوصول إلى تقييم أكثر واقعيةً لتأثير الإنترنت على السياسة، وسيكون من شأن ذلك أن يوفر فرصة طيبة للنظر في ما حصل من خطأ وما يمكن وتصحيحه.
هناك العديد من الخطوات الصغيرة التي قد تساعد في هذا السياق -مثل إعطاء الحركات المناصرة للديمقراطية التكنولوجيا اللازمة لتحاشي القيود التي تفرضها الحكومات الاستبدادية، وتقديم وسائل الإعلام الرقمية بطريقة متوازنة، وجعل الأحزاب السياسية أكثر تجاوباً مع أعضائها. ولكن التحدي الأساسي هنا يكمن في نشر الإنترنت بنفس القواعد والحقوق والقيم التي تسود ديمقراطياتنا الحقيقية.
من غير الممكن أن تكون الحرية مطلقة، سواء على شبكة الإنترنت أو خارجها. ولا بد من احترام حقوق الإنسان، وليس فقط حقوق الخصوصية الشخصية، في الفضاء الإلكتروني. ولأن أي هيئة أو حكومة لا يمكنها أن تتولى منفردة وضع القواعد التي تحكم الإنترنت بالكامل، فإن أي مدونة سلوك أو ميثاق شرف رقمي لا بد أن ينشأ من القاعدة الشعبية –وستكون بالتالي منقوصة إلى حد كبير. لكنّ وكالة الأمن القومي ربما تكون قد ساعدت في بدء النقاش. وعلى الرغم من أننا قد لا نعرف على وجه التحديد تلك القواعد التي نريدها، فإننا قد نكون اكتسبنا الآن القدرة على تكوين فكرة أفضل كثيراً عن ماهية تلك القواعد.

الغد الأردنية

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً