انتخابات في العراق.. وشح في الأمل

shello
shello 2014/04/22
Updated 2014/04/22 at 10:28 صباحًا

elec

‹›

كان السفير الأميركي السابق لدى العراق ريان كروكر، قد وصف الانتخابات العراقية في العام 2010 بأنها “دراما عليا وكوميديا وضيعة”. وكان ذلك توصيفاً دقيقاً رغم أنه فشل في ذكر الأسباب الفعلية وراء هذا الإخفاق: الاحتلال الأميركي وتدمير الدولة العراقية وإتاحة المجال أمام أفراد غير مؤهلين ممن تعاونوا مع الاحتلال لحكم العراق، وفرض دستور لم تتح للعراقيين فرصة قراءته، وتقسيم البلد على أساس خطوط عرقية وأخرى طائفية. وبالطبع، قامت الأحزاب العراقية والساسة الذين حكموا البلد منذ العام 2003 بمفاقمة كل هذه المشاكل، حيث انتهج الائتلاف الشيعي الذي هيمن على الحكومة خطاً سياسياً طائفياً وهمش الطائفة السنية.
سوف تصبغ نفس الملامح انتخابات نيسان (أبريل). وسيكون توقع أن تشكل نقطة تحول في تاريخ العراق، وإسقاط الساسة الطائفيين أو الفاسدين ضرباً من الحماقة. فكل الأمارات تؤشر على العودة إلى نفس الوجوه والائتلافات التي كانت قد سيطرت على المشهد السياسي منذ العام 2003. والوجوه القليلة الجديدة والتي تنحدر من بعض الأحزاب والائتلافات الأصغر، والتي قد تستطيع كسب مقاعد في البرلمان التالي، ستكون إما غير فعالة أو أنها ستخضع مباشرة لسطوة الائتلافات القديمة الأكبر، القادرة على الإنعام عليها بالمزايا.
تبدو نفس الائتلافات الحاكمة هي المرجحة للعودة إلى المجلس التشريعي، ولو بنسب مختلفة بشكل طفيف. ومن المرجح أن يحصد ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي، سوية مع الائتلاف الوطني الموحد (شيعة) معظم الأصوات، وخاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية الشيعية. وستحل في المرتبة الثانية الأحزاب الكردية في منطقة كردستان العراقية، وتحل في المرتبة الثالثة الائتلافات السنية في غرب ووسط العراق. ولحد الآن، يشكل الائتلاف الوطني الموحد التكتل الأكبر في البرلمان.
وسيكون الموضوع الوحيد هو مَن سيختارون رئيساً للوزراء؛ ما إذا كانوا سيتمسكون بالمالكي أم سيختارون شخصاً آخر من نفس الائتلاف. ومع ذلك، فإنه لا أحد من المرشحين الذين يستطيعون الحلول محل المالكي يختلف في مواقفه الطائفية التهميشية.
فوق كل ذلك، تبدو إيران العنصر الأكثر فعالية في العراق، وأنها ما تزال تفضل بقاء المالكي لفترة ثالثة. وربما كان هذا ما قاد مقتدى الصدر، الزعيم الديني الأعظم تأثيراً في العراق، والذي كانت قد صدرت توقعات بأن يتحدى المالكي، إلى الإعلان عن انسحابه من العمل السياسي. ومن شأن قراره المفاجئ وغير المتوقع أن يضعف تكتله بالتأكيد. وكان الصدر في العام 2010 قد أعلن عن معارضته للمالكي، لكنه عدل عن ذلك لاحقاً واقنعته إيران بالتخلي عن معارضته، وبالتالي تأييده -وهو ما فعله مع أنه ندم عليه لاحقاً. ويبدو ان الصدر قرر الانسحاب لأنه يعتقد (على نحو قابل للتبرير) بأن المالكي ليس الشخص المناسب لحكم العراق، وهو لا يريد أن يتهم بدعم سياسي غير فعال فشل في مكافحة الطائفية وفي وضع حد لتهميش الطائفة السنية، ولجم الفساد الضخم والتخلص من تمدد التنظيمات الإرهابية. ومن الطبيعي أن يكون قرار الصدر قد أفضى إلى زيادة فرص تكتل المالكي في بسط نفوذه وتواجده في النظام السياسي العراقي.
في الأثناء يعمل المالكي بجد واجتهاد للقضاء غلى منافسيه ومنتقديه. وترمي سياسته إلى تحييد منافسيه المحتملين ونزع الثقة فيهم من خلال المحاكم واتهامهم بالانخراط في ممارسات جنائية أو فساد (حتى لو أنه لم يحكم عليهم) أو بالانتماء سابقاً إلى حزب البعث المنحل (من خلال لجنة تفكيك البعث التي تعرف بأنها اللجنة العليا للعدالة والمسؤولية). كما أشيع أيضاً أن المالكي يعطي الأعضاء الموالين من القوات المسلحة بطاقتين انتخابيتين، ولا يتم توزيع هذه البطاقات بشكل مناسب في مناطق يعتقد بأن شعبيته فيها متدنية.
كانت هذه التكتيكات القائمة على تزوير الانتخابات والاستفتاءات قد استخدمت في السابق. فخلال الاستفتاء على الدستور الدائم، تلاعبت الحكومة بالنتائج لمنع ثلاث محافظات من رفضها. وثمة تلميحات إلى أن السفارة الأميركية التي كانت تضغط على كل الائتلافات السياسية لإقرار الدستور بغية تعديل إستراتيجية الولايات المتحدة للانسحاب من العراق، قد أقرت هذه الطريقة بعدم الاعتراض عليها. وعندما كانت النتائج الخاصة بمحافظتي الأنبار وصلاح الدين سلبية، تلاعبت الحكومة عندئذٍ بالنتائج من نينوى (الموصل) مدعية بأن الأصوات التي قالت “لا” لا تشكل الأغلبية اللازمة لرفض الدستور. وثمة طريقة أخرى تمثلت في عدم إرسال صناديق الاقتراع إلى مناطق اعتبرت ضد الدستور.
ثمة مؤشر آخر إلى أن نتائج نيسان (أبريل) ستكون مماثلة لتلك التي جرت في العام 2010. فمع انتصاف آذار (مارس)، لم توزع المفوضية العليا للانتخابات، المفترض أنها الجسم المستقل المسؤول عن إجراء الانتخابات والإشراف عليها، سوى أربعة ملايين من أصل 21 مليون بطاقة انتخابية للناخبين المؤهلين (18 %). وبالرغم من أن المفوضية تدعي بأن التوزيع زاد منذئذٍ، فإن كل الأرقام المتوفرة تشير إلى أن النسبة المئوية تستطيع القفز إلى 30- 35 % فقط. وبالإضافة إلى ذلك، يعتقد بأن الغالبية العظمى من الذين تلقوا بطاقاتهم الانتخابية هم أعضاء أو داعمون للأحزاب المشتركة أصلاً في العملية السياسية. لكن الأكثر إثارة للسخط مع ذلك هو القرار الجماعي الذي اتخذه أعضاء المفوضية بالاستقالة على أساس ضغط الحكومة، ثم إجبارهم لاحقاً على سحب استقالاتهم ثانية نزولاً عند تدخل رئيس الوزراء وتحكمه بالمفوضية (الملحقة مباشرة بمكتبه وليس بالعملية الانتخابية).
بالإضافة إلى ذلك، وبسبب المستوى العالي من الفساد، فإن معظم الأحزاب المشاركة في العملية السياسية وأعضاؤها راكموا ثروات ضخمة تمكنهم من رشوة الناخبين بسهولة في بلد تعيش الأغلبية في الفقر.
وبالرغم من كل هذا، ثمة تهديدان حقيقيان وخطيران يحدقان بالانتخابات المقبلة. الأول هو احتمال مقاطعة الحزبين الكرديين الرئيسيين لها بسبب نزاعهما الخاص مع حكومة المالكي. وحكماً على تجارب سابقة في ذلك، ستستجيب الحكومة في نهاية المطاف لمطالبهما شريطة دعم ترشيحه. وإذا لم تحل هذه المشكلة، فإنه يمكن أن تؤجل الانتخابات على أن يبقى المالكي رئيساً للوزراء لعامين آخرين على الأقل. وأما التهديد الثاني، فهو توجيه ضربة كبيرة لحملة رئيس الوزراء العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية، وخاصة في المناطق الغربية من البلد. وفي تلك الحالة، قد تتعطل فرصة رئيس الوزراء في كسب دورة ثالثة بشكل خطير، وقد يفضي ذلك إلى تدخل الجيش في السياسة لينهي كل الآمال المعقودة على الانتخابات.
من أجل تغيير أي وضع بطريقة ديمقراطية، تمس حاجة البلدان إلى مواطنين حذرين ومهتمين يتوافرون على إرادة للتغيير. ولا يتوافر العراق على أي منهما. فثمة العديد ممن يتأرجحون بسبب الدعاية الطائفية ويظهرون لا مبالاة في الانتخابات لأنهم يشعرون بأنهم لا يستطيعون تغيير الوضع. وقد يبدو هذا حكماً قاسياً -وربما يكون العراقيون محقين في الطريقة التي يفكرون فيها لأنه، وحتى الآن، لا يوجد أي حزب حقيقي أو شخصية قيادية تستطيع منحهم الأمل. وما تزال كل الأحزاب والائتلافات والشخصيات كما هي منذ العام 2003. وحتى مع ذلك، فإنهم يواجهون حقيقة حاسمة واحدة: لقد كانوا هم الذين سمحوا، من خلال مواقفهم السلبية وانتماءاتهم الطائفية، للساسة الحاليين بالارتقاء لسدة السلطة.

*كان أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة بغداد، وهو راهناً زميل بحث رفيع المستوى في مركز الشرق الأوسط في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة لندن

سعد جواد – (لوموند دبلوماتيك)

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً