بارقة أمل في مستنقع اليأس السوري

shello
shello 2014/05/08
Updated 2014/05/08 at 9:54 صباحًا

 

827bc193-e170-4598-a37b-051222bfe483 

 

 

فيما كانت أعمدة الدخان الأسود تلون زرقة السماء في حمص، تحركت في العاشرة صباحاً القافلة الأولى منطلقة من منطقة الخالدية في حمص القديمة باتجاه الدار الكبيرة، تسبقها سيارات القوى الأمنية، محملة بعشرات المسلحين، بثيابهم العسكرية والمدنية، وقد أطلقوا لحاهم، وحملوا أسلحة فردية، وحقائب صغيرة.
عشرات المسلحين، غادروا أمس أقبيتهم وأنفاقهم، في حصنهم المحاصر منذ عامين، ولكن ليس قبل إشعال النار بما تبقى منه، محوّلين ما بقي من جدران الكنائس والمنازل العتيقة إلى رماد أسود. رائحة الحرائق التي تركها المقاتلون في سراديب حمص القديمة، لم تعرقل سير عملية التسوية. كان المتمركزون في غرفة العمليات المشتركة في فندق «سفير حمص»، أبرز الشهود على ما أصاب هذه المدينة، يدركون أن «لعبة عضّ الأصابع» جزء من هذه التسوية الكبيرة، التي امتدت آثارها إلى ريف اللاذقية وحلب أيضاً.
وحددت الدار الكبيرة كنقطة وصول للمسلحين في حافلات نقلت حتى مساء أمس ما يقارب الألف من عددهم المقدر بـ1200، بتزامن مع تقدّم شحنات للمساعدات الإنسانية إلى قريتي نبل والزهراء المواليتين، في ريف حلب، وبتنسيق في الوقت ذاته مع خاطفي مواطنين في ريف اللاذقية في آب الماضي الذين أطلقوا سراح 40 مخطوفاً مدنياً، على دفعتين، إضافة إلى 30 شخصاً اختطفوا في حيّ بستان القصر في حلب، قالت مصادر إعلامية إن «الجبهة الإسلامية» أطلقتهم.
صورة الأمس، ربما تكون صورة مصغرة لما يمكن أن يجري مستقبلاً في مناطق كثيرة من سوريا، كأطر حلول جزئية وسط التعقيد الأكبر، كنقطة أمل مشجعة ضمن مستنقع اليأس المخيم.
تعمُّق الأزمة وانتشار الدمار واستمرار الانزلاق العسكري نحو مزيد من القتال، قاد أولا إلى فكرة طموحة منذ عامين باقتراح تسوية في مدينة تلكلخ الحدودية مع لبنان، بتنسيق بين قوى الأمن ومحافظة حمص من جهة، ووجهاء المدينة وشيوخ تجار وفاعلي خير من جهة أخرى. نجاح التجربة قاد لأن يشمل قرى ريف حمص الغربي، وصولاً إلى مناطق في دمشق وريفها، انتهاء بتسوية أمس في حمص القديمة، والتي إن اختلفت بتفاصيلها عن باقي التسويات، إلا أنها كشفت القدرة الكامنة في الحوار والتنازلات الميدانية في تحقيق الفرج لآلاف المدنيين، ممن تقطعت بهم سبل العيش، أو ضاقت بهم الحياة تحت حصار انتقامي، أو اختطفوا من أسرتهم لغاية أو أخرى.
وأمس أكد الرئيس السوري بشار الأسد، خلال لقائه مجموعة من وجهاء بلدات ريف دمشق، أهمية هذا المسعى في الحدّ من تفاقم العنف الدائر. ونقل عنه المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية تأكيده دعم «الدولة مسيرة المصالحات الوطنية في جميع المناطق السورية، انطلاقاً من حرصها على وقف نزيف الدم، وإيماناً منها بأن حل الأزمة التي نواجهها لا يمكن أن يأتي عبر أطراف خارجية، وإنما هو ثمرة لجهود السوريين وحدهم، لأنهم الأقدر على إيجاد الحلول لمشكلاتهم».
وسابقاً، وجّه الأسد كل محافظي المدن الكبرى وأعضاء مجلس الشعب و«البعثيين» للعمل على تحقيق كل أنواع المصالحات الممكنة وتسهيلها، على أن يساهم تعاون الجيش والقوى الأمنية في إنجاحها كبديل عن الحل العسكري حين يمكن ذلك. ويمثل الاتفاق نقطة لمصلحة السلطات السورية قبل الانتخابات الرئاسية في الثالث من حزيران المقبل، حيث ستكون القوات السورية استعادت السيطرة على كامل أحياء حمص، باستثناء حي الوعر.
ورعى اتفاق أمس، وساهم به رجال دين، مسيحيون ومسلمون، كما جرى تحت أعين القوى الأمنية والعسكرية، وبمتابعة لصيقة من مراقبي الأمم المتحدة المتواجدين في حمص، التي كان يطلق المسلحون عليها «عاصمة الثورة»، منذ أشهر. ونشرت مواقع الانترنت صورة وثيقة قديمة قالت إنها للاتفاق الحاصل، إلا أن مصدراً حكومياً بارزاً نفى لـ«السفير» صحة المعلومات التي تضمّنتها، مشيراً إلى أنها «محاولة سابقة لتحقيق اتفاق لم تنجح». وقاربت بعض تفاصيل المخطوطة يدوياً ما جرى أمس من اشتراط خروج المسلحين بسلاح فردي واحد مع كمية محدودة من الذخيرة.
وتقدّمت عملية التسوية أمس، رغم محاولة إعاقتها مراراً، حتى توقفت مع المغيب. وأبلغ مصدر حكومي رفيع المستوى «السفير» أن «تعقيدات» أعاقت سرعة التنفيذ، بسبب اعتراض القافلة التي تتقدمها سيارات للأمم المتحدة بقذائف صاروخية، بعضها سقط في ساحة قرية نبل، في الوقت الذي كان السكان يتجمّعون بانتظار وصول المساعدات. ولتأكيد «حسن نياتها» سمحت وحدات الجيش باستمرار سير الاتفاق، عبر تسهيل مرور 20 آلية إسعاف تابعة لمنظمة الهلال الأحمر السوري لنقل عدد من الجرحى من قلب حمص القديمة، وذلك حتى وصول أخبار توقف عملية الإغاثة في ريف حلب، كما عدم استكمال تسليم المخطوفين في ريف اللاذقية، وبقاء 25 مدنياً من النساء والأطفال لدى الكتائب الإسلامية، مع الإشارة إلى أن تسليم الدفعة الأولى منهم (11 طفلاً وأربع نساء) ترافق مع سقوط صواريخ «غراد» عدة في البساتين المجاورة للمدينة أيضاً.
إلا أن الجانب الحكومي أصرّ على استمرار العملية، وتصاحب ذلك مع الإفراج عن 30 شخصاً، بينهم ضابطان، وعلى دفعتين في حلب، من بينهم ايضاً الإيرانية شيرين زند المتزوجة من سوري.
وتحركت بعد ساعة من تلك العملية ثماني حافلات تحمل ما يقارب 400 مسلح، تلتها أربع حافلات ضمت 180 مسلحاً إلى بلدة الدار الكبيرة الواقعة على بعد 20 كيلومتراً إلى الشمال من حمص.
وأكد محافظ حمص طلال البرازي، لـ«السفير»، التزام الحكومة السورية باستمرار التسوية، رغم حالة التعطيل التي جرت في ريف حلب. واتهمت السلطات «جبهة النصرة» بمحاولة عرقلة الاتفاق عبر إطلاق قذائف صاروخية باتجاه قافلة الإغاثة، وتعطيل حركتها.
ومع حلول الظلام توقفت العملية، وتم استرجاع حافلات عدة من منطقة الانتظار بالقرب من جامع خالد بن الوليد، كما أخلت بعثة الأمم المتحدة الموجودة نقطتي المراقبة على طريق القوافل. وأكد البرازي، لـ«السفير»، أنه تم نقل 980 مسلحاً بـ24 حافلة مدنية إلى منطقة الدار الكبيرة، كما تم الإفراج عن 70 شخصاً، بينهم 40 من مخطوفي ريف اللاذقية بينهم 17 طفلاً، هم مجمل من تم التوافق على تحريرهم، في هذه التسوية. وقال البرازي إن الحكومة مستمرة بتنفيذ ما يخصها من هذه العملية، مشيراً إلى أن «استئنافها سيتم صباح الغد (اليوم) بحدود العاشرة».

السفير

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً